الجمعة، 28 نوفمبر، 2014

حياتي لم تتوقف لأنك اختفيت ..!

حياتي لم تتوقف لأنك اختفيت ..!

جريدة الرؤية

" فائزة " هي شخصية ورقية قصصية من تأليف القاصة العمانية " بشرى خلفان " ، تعرفت عليها كقارئة من مجموعتها القصصية الجديدة الموسومة بـــ" حبيب رمان " من إصدارات الجمعية العمانية للكتاب والأدباء بالتعاون مع مؤسسة الانتشار العربي 2014م ، و" فائزة " هي بطلة قصة " قض الملح " تعريفها في القصة زوجة وأم ، امرأة حياتها مطبخ مذ زواجها من ابن عمها المدعو " حمود " الذي درس في دولة عصرية باريس والتحق بإحدى أعرق جامعاتها يعشق وصفات المطبخ الغربي لا سيما الإيطالي ، ويحرص في كل سفرياته خارج البلاد على جلب الكثير من البهارات والأطعمة المجففة يقدمها لزوجته " فائزة " التي كانت حياتها في المطبخ بين مواعين الطبخ ورائحة العجين المخبوز والباستا و الأريجانو وغيرها من الأطباق التي يفضلها الزوج الغائب عن البيت طوال الأيام عدا عطلة آخر الأسبوع ، يعود من رأس عمله المزدحم في مسقط ، ليملأ كرشه بأطباق زوجته " فائزة " الشهية وليشبع فحولته بوعود الأمومة لها ..
قصة " قض الملح " للكاتبة " بشرى خلفان " من حيث اهتمام بطلتها بوصفات الطبخ تماثل إلى حد ما بطلة رواية " الغليان " للروائية المكسيكية " لاورا إسكيبيل " ترجمة " نادية جمال الدين محمد " ، من خلال شخصية " تيتا " الابنة الصغرى التي تعيش في كنف عائلة لها قواعدها الخاصة تلك التي لا تحيد عنها ، فمن تقاليدها أن الابنة الصغرى لا تتزوج بل تقوم برعاية أمها حتى وفاتها ، " تيتا " التي تغرم برجل يأتي لخطبتها غير أن أمها ترفض تزويجها فالابنة الصغرى مثلما تقول تقاليد العائلة منذ قرون هي من يقع عليها مهمة رعاية الأم مهما عبر بها العمر عتيا ، لذا تجبر الأم الرجل الذي يحب " تيتا " ابنتها الصغرى على الزواج من ابنتها الكبرى ، هنا في هذا التقليد البائس تجد " تيتا " نفسها تنسحب شيئا فشيئا إلى المطبخ وإلى وصفات الطعام الشهية التي تقوم باختراعها ؛ كي تقاوم الحياة الكئيبة وهي ترى أمام عينها وكامل حواسها حبيبها زوجا لامرأة أخرى هي شقيقتها ، و " تيتا " في الرواية ترمز إلى المجتمع المكسيكي المغلوب على أمره وخاضع ..
بينما " فائزة " بطلة قصة " قض الملح " هي امرأة متزوجة وأم تعيش حياة اعتادت عليها معظم المجتمعات الخليجية والعربية حتى غدت طبيعية في كون الزوج يعمل في مكان بعيد عن منزل الأسرة ويلتقي بهم في عطل نهاية الأسبوع ، أفرزتها ظروف الحياة الشاقة وتمركز الوظائف الجيدة في عواصم المدن ، والزوجة هي من تتدبر شؤون البيت والأطفال في غيابه ، من خلال القصة القصيرة نجد أن الرابط الذي يربط كل من " فائزة " و " زوجها " حمود " هو المطبخ ، وتكون وصفات الطعام التي تبدعها " فائزة " هي متنفس الوحيد لإرضاء الزوج الغائب بجسده غير أنه حاضر وبقوة في تفكيرها ؛ لدرجة أنها تعد سلفا خطة أسبوعية لوجبات الطعام التي تقدمها للزوج حين يعود في العطل أو في المناسبات الاجتماعية ..
هذا الترابط الذي يريح الزوج " حمود " والذي تقوم " فائزة " بشتى الأساليب لترسيخ دعائمه ؛ فهي الصلة الوحيدة التي يجمعنا بزوجها المشغول دائما ينسفه في لحظة وبلا سابق انذار طبق الباستا الذي يعشقه الزوج " حمود " لأنه رأى أن كمية الملح في الطبق كانت زائدة ، وعلى الرغم من أن الزوجة " فائزة " الطباخة الماهرة والصغار لم يلاحظوا ذلك ، منذ تلك اللحظة تنهار دعامة الثقة التي جمعتهما في دائرتها ويختل الرابط الوحيد والحقيقي في علاقتهما الزوجية ألا وهو أطباق الطعام ، فالزوج " حمود " صارت المملحة هي التي تتحكم بذائقته الجديدة والزوجة " فائزة " ما عادت تثق بذائقتها المطبخية ، الملح نفسه هنا رمز لماح وذكي لتأويلات شتى منها فقدان حياتهما لارتكازات حقيقية عدا الطبخ ، فلا أفكار ، ولا حوارات ، ولا نقاشات واقعية جمعت " فائزة " و زوجها " حمود " حتى أنها تخجل في أن تبوح له برغباتها في السفر وقضاء وقت لطيف معه ، وليس هذا فحسب بل هو أيضا رمز للحياة الزوجية التي يجب ألا تخضع لقوانين صارمة لا تتزعزع لأسباب تافهة ، فحتى ملح الطعام لا يتحكم فيه الطباخ ولا يمكن أن يرضي أذواق الجميع كالعلاقة المشتركة التي تكون مرتهنة لصراعات مختلفة تتطلب المقاومة والصمود من الرجل والمرأة في آن ، وتعني أيضا أن الحياة المشتركة لا تعني التوحد في الأذواق والأحلام والرغبات وألا تكون خاضعة لرغبات فرد واحد ؛ فمفهوم الأسرة أشمل من أن يديرها فرد واحد رأى المجتمع أنه كفؤ تبعا لمبدأ القوة وضمن ما يسمى بمفهوم السلطة عوضا عن مبدأ المشاركة ومفهوم الود والرحمة ، ولعل من أهم التأويلات أنه ليس على الفرد الواحد أن يضحي على حساب إرضاء الجماعة منسفا رغباته و حياته ضمن رغبات الجماعة التي تعيش في كل الأحوال تفاصيل حياتها المختلفة ..
كقارئة للقصة و لشخصية البطلة " فائزة " بودّي أن أُجلسها أمامي وأقول لها : أحببت طبخك اللذيذ يا " فائزة " ودورك الأمومي لتربية الصغار ، ولكن انصياعك التام لرغبات زوجك الأناني تحتاج منك إلى إعادة نظر كلية وشاملة ، تحتاج منك إلى نوع من الإنصاف ، فأنت تظلمين نفسك في الحياة التي تعيشنها ، الحياة التي لا تتوقف لأن زوجك لا يعجبه طبخك ، فالزوج المحب لزوجته سيظل يحبها ويقدرها حتى لو كان طبخها محروقا ..!
 حياتك ينقصها بشدة التوازن ، التوازن الحقيقي هو أن لكليكما أحلام ورغبات وطموح وأشياء تحبونها وليس من الضرورة أن تكون مشتركة بينكما ، فما يحبه زوجك لست مضطرة لأن تحبيه بدورك وما تحبينه أنت ليس مطلوبا أن تنتظري حب زوجك لها ، تلك الفردانية التي تحتفظ بحقوقكما في ظل حياة مشتركة أساسها الود والاحترام دون أن يقصي أحدكما الآخر ، فالحياة الزوجية لا تعني أن الرجل قديس والمرأة مجرد خادمة ، لقد تجاوزت معظم المجتمعات العربية منها والغربية ذلك ، تلك الأطر الضيقة لمفهوم العلاقات الاجتماعية قضت عليها الحياة الحديثة ، ولكن يا " فائزة " أخشى أنك من ذاك النوع من النساء اللواتي سبق وأشارت إليهن الكاتبة " غادة السمان " في معظم كتبها ومقالاتها عن المرأة ، بأن هناك أنماط من النساء في المجتمعات العربية يحتفين بالقيود التي تحكم حياتهن ، النمط نفسه الذي يحارب كل من يسعى إلى تحريرهن من أفكار المجتمع النمطية ، لا يردن أن يتحررن فكريا ولا اجتماعيا من سيطرة ذكور القبيلة ؛ ربما لأنهن يرون في الخروج من الأطر الاجتماعية الضيقة التي عفا عليها الزمن نوعا من المطالبة بالإنجاز والإبداع الفردي ، تلك الفردانية المبدعة التي يملكنها دون شك ، ولكن لا يعرفن ولا يملكن الجسارة الكافية لعتقها من أرواحهن التي اعتادت على مبدأ الخضوع والطاعة والتبعية ، كالعبيد الذين نبذوا فكرة الحرية في زمن ما ؛ لأنهم أدركوا أن الحرية مكلفة ، وأنها عبء بعد أن اعتادوا على الخنوع ..!
هناك مفهوم عتيق كان سائدا في مجتمع اليابانيين حين كانت الفتاة تتزوج ، بعض الأسر اليابانية كانوا يعدونها بمثابة الميتة ؛ لأنها تكون طيعة في يد حماتها ، وهي حين تكون زوجة تتقلص حياتها الاجتماعية وتكرس حياتها بإيثار تام لرفاهية عائلة زوجها تحت إشراف حماتها الصارم ، وهي نتاج المجتمع الأبوي المؤمن بسيادة الرجل وقوة الذكر والتي كانت تنظر إلى النساء باعتبار أن وظيفتهن هي الحمل وتربية الأطفال وتخليد الأسرة أكثر من كونهن شريكات للرجل في الحياة أو موضوعا للحب ..!
أثق تماما أن هذه المفاهيم العتيقة ابتلعها هذا الزمن وتجاوزتها كثير من المجتمعات العربية ، ولكن ظلت عقدة فردية وليست مجتمعية عند بعض النساء اللواتي حبسن أحلامهن وطموحاتهن في قمقم الخضوع والانسياق خلف إرضاء رغبات السي سيد على حساب حياتهن الخاصة ورغباتهن ، حين تكون الحياة رجلا فقط .. !
ما أحوجك يا " فائزة " إلى عبارة بطلة فيلم " THE TIME TRAVELLER`S WIFE  " حين قالت لزوجها الذي غاب عنها لأسبوعين كاملين : " حياتي لم تتوقف لأنك اختفيت " ..
... هكذا ببساطة تامة !
ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق