الثلاثاء، 2 ديسمبر، 2014

بائع للكتب في زمن الحرب ..!

بائع للكتب في زمن الحرب ..!

جريدة الرؤية العمانية

يقول " إنريكو دي لوكا " صاحب رواية " اليوم ما قبل السعادة " ترجمة " معاوية عبدالمجيد"  : " أعمق فراغ رأيته في حياتي هو فراغ جدار كان يسند مكتبة " .. في صفحات الرواية نفسها يقول متحسرا على لسان بطلها " دون رايموندو " بائع الكتب المستعملة : " يقضي أحدهم حياته كلها وهو يملئ رفوف مكتبته ، فيأتي ابنه ليرميها بعيدا في لحظة واحدة .. فأسأله : وماذا تضعون بدل الكتب على الرفوف الفارغة ؟ الجبن مثلا ؟ فيجيبني : المهم أن تخلصني منها " ..!
يحدث أن تخسر كتبك حين تغادر الحياة ويحدث أن تخسرها وأنت مازلت على قيد الحياة وتحدق إليها بمرارة حارقة وهي تغادرك ..!
 حين جرّت الحرب نفسها إلى بغداد لم تخسر العراق بشرا فحسب بل خسرت أيضا آلافا من الكتب والمخطوطات القيّمة خلفتها أرواح نادرة غادروا أرضها منذ آلاف السنين ، كم هي موجعة الحرب التي تقتل وتحرق وتدمر كل شيء حتى أنفاس الكتب ..!
اعتقد أن في وقتنا الحالي غدت الحرب المشتعلة في معظم الدول العربية هي التي تفتك بالكتب قبل أن تفتك بأصحابها ، كم من جدران احتضنت صامدة كتبا على مدار السنين وعلى يد قذيفة واحدة .. واحدة فحسب حطمت كل شيء بلحظة ..!
في فيلم " سارقة الكتب " The Book Thief .. في أثناء الحرب العالمية الثانية تجد الطفلة " ليزيل " ذات تسعة أعوام نفسها في حيّ تعتاد عليه وعلى أهلها الجدد ورفاقها ، هذه الطفلة يتكون في داخلها شغف عميق وغامض للكتب ، هذا الشغف في زمن الحرب النازية حيث يحرقون أكواما هائلة من الكتب في طقس همجي احتفالي يقوده الدكتور " غوبلز " وزير داعية " هتلر " أمام مرأى الناس البسطاء وهم ظاهريا يصفقون لحفلة موت الكتب ، أثمن الكتب الفكرية وأعمقها ، كتب خلدت تاريخا مضى بينما في قاعهم تكاد قلوبهم تقفز من الرعب والخوف والحسرة والمرارة على مصير كتب حملت ثقل تاريخ يتم مسحه ، إلغاؤه ، تدميره ، اقتلاعه من جذوره أمامهم وهم متفرجين ..!
في هذا الحي وفي خضم هذه الحرب وحدها الطفلة " ليزيل " تغامر بسرق كتاب من أكوام الكتب المحترقة ، تخبئه بحذر مشوب بهلع في جيب معطفها وهي التي لا تعرف قراءة حرف منه ، ليكون الأب البديل هو من يعرف بسرها الخطير وهو من يتفانى وبسرية تامة في تعليمها حروف القراءة والكتابة كي تقرأ العالم ، تقرأ كل ما ترغب في قراءته في زمن الحرب والدم والممنوعات ، في الزمن نفسه الذي يباح فيه ومع مراتب الشرف والأوسمة قتل إنسان و زهق روحه ..!
" ليزيل " التي تعتاد رغما عنها على سرقة الكتب من مكتبات تم بيعها ، وبمرور الوقت تتعلم القراءة وتبدأ في قراءة الكتب التي تسرقها إلى الأصدقاء والجيران أثناء الغارات الجوية ، ومن تلك اللحظة تنشأ بينها وبين الكتب علاقة حب قوية وبما تحكيه من حكايات تنفخ الأمان في الأرواح المرتعبة على شفير صافرات الموت .. القراءة والكتابة هنا نوع من أنواع الاحتجاج على النازيين و الظلم القابع على أرواح منهوكة تقاوم شراسة حياة فرضت عليها ..!
أما في الأوطان النائية عن ضربات المدافع والصواريخ ، ربما من الأفضل كي يحافظ الإنسان على مكتبته والكتب التي تحويها هو أن يحمّل شغف الاحتفاظ بها عند الآخرين " قريب " أو " صديق " أو " قارئ " مخلص ، يوصيه بمكتبته بعد مغادرة الحياة ، كما صان صديق الكاتب التركي " عزيز نيسين " مكتبته ومتحفه الكبير في إسطنبول ، كما فعل صاحب مكتبة شكسبير الشهيرة لــ" جورج ويتمان " التي زارها كتاب عظماء كـــ" أناييس نن " و" هنري ميللر"  وغيرهم وصُوّر فيها أكثر من مشهد سينمائي ، كفاح الأب مع كتبه على الرغم من كل الظروف لم تذهب سدى ؛ فقد كانت له ابنة تدعى " سيلفيا ويتمان " بثّ فيها شغف حب الكتب والحفاظ عليها ، وهي من تدير متجر كتب أبيها اليوم ، بعد أن غادر مخلفا روحه الوفية التي راكمت تلك الكتب عبر جدران مكتبته العريقة ..!
في مفتتح رواية " ظل الريح " للإسباني " كارلوس ثافون " حكى  : " قال بائع الكتب المستعملة لولده الصغير : " إن كل كتاب تراه هناك روح ، هي روح الشخص الذي كتبه وأرواح القراء الذين تداولوه وعاشوا معه وحلموا به " ..
تحية عميقة ، امتنان كبيرة بحجم هذا الكون الفسيح لكل صاحب مكتبة ، لكل بائع كتاب ، لكل كاتب وظّف مكتبته من بعده لقراء عابرين ، مجهولين ، تحية إلى قراء أخلصوا للكتب وأوصوا بها وتداولوها من زمن إلى زمن ، إلى كل هؤلاء .. هذا العالم الذي يتآكله الخراب يتعافى في كل مرة ، صامدا في وجه شروره بفضلكم .. بفضل كتاب بنى تاريخا من الفكر وقضى على تاريخ من الخوف والهلع البشري ...
ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق