الجمعة، 19 ديسمبر، 2014

الكاتب العربي ما بين الوصاية والاضطهاد ..!

الكاتب العربي ما بين الوصاية والاضطهاد ..!


سبق وتناولت في مقالات سابقة علاقة الكاتب العربي والسلطة ، ولكن حين قرأت كتاب " غربة الكاتب العربي " للكاتب " حليم بركات " الذي خصص في فصل من فصوله موضوعا مهما عن علاقة الكاتب العربي والسلطة ، وجدت رغبة في نبش هذا الموضوع مرة أخرى وعرض آراء " حليم بركات " لا سيما في هذه الفترة بعد أن أثيرت الرقابة أزمة المنع في معرض الكويت الدولي للكتاب ؛ حيث فاجأني ما قرأته من وقت قريب من حساب منشورات الجمل في الفيس بوك أن الرقابة في الكويت منعت 49 عنوانا إضافيا من منشوراتها بعد المنع الأولي لأكثر من مئتي عنوان مما دعاها إلى مقاطعة معرض الكويت للكتاب ..!
في الوقت نفسه انشغلت صحف الكويت خلال الآونة الأخيرة بالروايات الكويتية التي تم منعها في معرض كتابها الدولي ، ومن أشهرها رواية " لا تقصص رؤياك " للكاتب " عبدالوهاب الحمادي " ، و " رائحة التانغو " للكاتبة " دلع المفتي " والرواية التي أثير منعها لغطا سابقا قبل معرض الكويت للكتاب " ذكريات ضالة " للكاتب " عبدالله البصيص " ، ومنعت معظم هذه الروايات من قبل الرقيب دون أسباب واضحة ..
أحيانا يكون المنع من قبل الرقابة لأسباب تستدعي الضحك وقمة السخرية الهزلية ؛ فقد سبق وتم منع كتابي " رسائل حب مفترضة بين هنري ميللر وأناييس نن " حين كان لا يزال مخطوطة بحجة أن هنري ميللر سمعته سيئة ،  " هنري ميللر " الذي شبع موتا منذ عام 1980 م أي قبل أن تولد كاتبته ..!
هذا المنع يضطرنا في اللجوء إلى دول أخرى أوسع أفقا ليقوموا بطباعة كتبنا ، ويجعلنا ندرك حجم الوصاية التي تفرضها الرقابة ، وحجم الاضطهاد الذي يمارس ضد الكاتب وفكره في بعض دول خليجنا وعالمنا العربي ..!
الكاتب " حليم بركات " في كتابه " غربة الكاتب العربي " أسهب حديثا عن الوصاية والرقابة والاضطهاد وعلاقة الكاتب والسلطة ، في هذا الطرح يرى الكاتب أن ثمة علاقات تمتد ما بين الكاتب والسلطة اختصرها في أربع علاقات ، و أولى تلك العلاقات هي " علاقة اللامبالاة " ، الثانية " علاقة الاضطهاد " ، الثالثة " علاقة الوصاية " أما الرابعة فهي " علاقة المشاركة " ..
" علاقة اللامبالاة " هي علاقة سبق ووصفها الكاتب " ميخائيل نعيمة " بعبارته : " إن عدم اهتمام الدولة بالأدب ليس " من سوء طالع الأدب " بل من حسن طالع الأدب أن يحيا بحيوية فيه لا في الدولة " .. بحيث تكون هناك فجوة في العلاقة ، وكل من الكاتب والسلطة يدير ظهره للآخر والسلطة عادة لا تتدخل في شؤون الكتاب ولا منع كتاباتهم ، وإن فعلت فإن ذلك ينجم عن تأثيرات داخلية وخارجية يصعب على الدولة أن تغضبها ، يضرب مثالا عن دولة لبنان التي يتمتع الكتاب في ظلها بالحرية ما لا يتمتع فيه كتاب آخرين في دول عربية أخرى ، ويرجع أسباب ذلك إلى أن الكاتب اللبناني ينعم بالحرية ؛ لأنه غير مضطر إلى التعامل مع الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية ، فإنه بدأ في الوقت ذاته يشكو عدم قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية وعجزه عن الاسهام في تغيير المجتمع ، ولذا قلة من الكتاب يقف موقف الناقد الذي يكشف ضعف الدولة وتناقضاتها وقلة القلة تقف موقف الثائر الذي يريد يغير النظام اللبناني تغييرا أساسيا ، بل إن فكرة التغيير في حد ذاتها للنظام اللبناني تبدو فكرة مخيفة وهدامة لعدد كبير من المثقفين اللبنانيين ..
أما " علاقة الاضطهاد " فهي علاقة تصادم ما بين الكاتب والسلطة ، ولهذا الاضطهاد أشكال ووسائل يتمثل في السجن والنفي ومراقبة الكتب والمجلات والصحف ومنع الأفكار التي تتعارض مع أفكار الدولة وهي أكثر العلاقات انتشارا في معظم الدول العربية ، ويرى " بركات " أن الاضطهاد هو ذاك النوع العنيف المباشر ويمارس في الدول العربية الرجعية أكثر مما يمارس في الدول العربية التقدمية التي تلجأ إلى الاضطهاد غير المباشر وإلى الوصاية ، والدول الرجعية التي تمارس الاضطهاد المباشر هي دول أقل قدرة على كسب تأييد المفكرين من الدول التقدمية ، فالدول الرجعية لم تتمكن من كسب مفكريها بل وجدت نفسها تلجأ إلى العنف خوفا على نفسها وحفاظا على مصالحها ومصالح المؤسسات والفئات والطبقات المتحالفة معها ، لذا وجد المفكرون المتحررون أنفسهم في معركة غير متعادلة القوى مع الدولة والدين والعائلة والطبقات الاقتصادية المسيطرة على وسائل الإعلام المختلفة ، وعلى الرغم من الضغوط التي يعانيها الكاتب في الدولة الرجعية إلا أن الأدب في حالة ازدهار ؛ لذلك بلغ أدب العراق في مرحلة الاضطهاد من تاريخها السابق درجة فنية رفيعة ، وهذا الزخم أخرج شعراء بارعين على رأسهم " بدر شاكر السياب " و " عبدالوهاب البياتي " و " بلند الحيدري " وهذا إشارة واضحة إلى أن ممارسة الاضطهاد على الكاتب وفكره لا يقتل الأدب ولا يقضي عليه بل عامل مهم في نموّه ..
والعلاقة الثالثة هي " علاقة الوصاية " فإذا كانت الدول الرجعية تمارس الاضطهاد فإن الدول التقدمية تمارس ما يسمى بالوصاية كما يذهب " بركات " ، وفي هذه الدول التي تفرض الوصاية على كتابها تؤسس لهم الاتحادات والنوادي والمجلات ، وتمنحهم مخصصات وجوائز ، وتوظفهم في مناصب مهمة ، وتسبغ عليهم نعمها ، مقابل ذلك يضع الكتاب الذين يقبلون بالوصاية أنفسهم وأدبهم تحت تصرف الدولة ..
أما الذين يرفضون وصاية الدولة فإن البعض منهم اختار النفي إلى الخارج والبعض اختار العزلة في الداخل ناذرين أنفسهم لفنهم ، وهناك من اختار الصمت والموت البطيء ، والذين اختاروا أن يناهضوا السلطة ورقابتها ووصايتها سرا ، فكان مصير البعض منهم الاضطهاد وأصبحوا من الفئات المغضوب عليهم ، وفي ختام هذه العلاقة ما بين الكاتب والسلطة يشير " بركات " إلى أن الوصاية أكثر خطرا على الكتابة من الاضطهاد ، وقد طرح أسبابا عديدة ليثبت خطورتها منها أن الكتّاب الذين يقبلون بوصاية الدولة يتصفون بالازدواجية في التعبير عن آرائهم ، ومن ضمن الأسباب أيضا أن الدولة التي تمارس الوصاية لا يتمكن كتابها من إنشاء اتحادات أدبية من تحت فهي تنشأ من فوق ، ويعين المسؤولون عنها بطريقة رسمية ، وليس اختيارا من قبل الكتاب أنفسهم إلا شكليا ، وكثيرا ما يكون هؤلاء المسؤولون دخلاء على الكتابة أو كتّابا من الدرجة الثانية أو الثالثة وغيرها من الأسباب ..!
أما العلاقة الرابعة فهي " علاقة المشاركة " ففي ظل هذه العلاقة قد يتعاون الكاتب مع الدولة دونما إلزام خارجي ، وقد ينقدها ويكشف تناقضاتها دون أن يتعرض للاضطهاد ، مناخ حر دائم يساعد على قيام حوار حر بين السلطة والكاتب ، والدولة هنا ليست لا مبالية بل ترى أن من مهماتها الأساسية توفير بيئة ثقافية ونشر العلم وتوفير الجامعات ومؤسسات البحث وتسهيل تبادل ثقافي مع المجتمعات الأخرى ، بينما الكاتب يكون ملتزم مع قواعده الداخلية فيحكم من خلالها على الأمور ما بين التعاون مع الدولة أو الثورة عليها ، فعملية النقد التي يمارسها الكاتب مع الدولة هنا تعد نوعا من التعاون إذ يساعد على كشف التناقضات والدوافع التي تعوق نهضة المجتمع ، فيسعى إلى إعلان الحقائق وكشفها بموضوعية فدوره يكمن في كشف الحقائق وإعلانها ..
وفي رأي الكاتب " بركات " إن هذه العلاقة غير متوافرة في أي بلد عربي ، فالمقصود بعلاقة المشاركة ليس ذلك التعاون المؤقت في الفترات العصيبة حين تواجه الدولة تهديدا خارجيا بل ينبغي أن تكون علاقة المشاركة قائمة في معظم الظروف مهما بدت العقبات ..
وفي ختام عرض تلك العلاقات ما بين الكاتب والسلطة يجعلني شخصّيا أتساءل : ترى ماذا نقول عن دول في هذا الزمن الرقمي حين تمارس كامل اضطهادها تجاه أحد مواطنيها لكونه عبر عن رأيه الشخصي في قضية من قضايا الوطن الذي هو فرد من أفراد أرضها في تغريدة من 140 حرفا فقط ، هذه التغريدة القصيرة طالما كلفت كتّابا وغير كتّاب أيضا حريتهم وحياتهم ، فكيف يمكن أن نتوقع منها كأفراد أحرار أن تتوقف عن منع كتاب أو فرض وصايتها على الكتّاب ، الحرية التي كلما تطور المجتمع كلما سعوا إلى قصقصة جناحيها نتفة نتفة ..؟!
ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق