الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

الكتاب العماني في مواسم الحصاد ..!


الكتاب العماني في مواسم الحصاد ..!

جريدة الرؤية

يعيش الكتاب الآن أجواء ثقافية بامتياز ، وأعني بهذا مواسم معارض الكتب التي تأتي تباعا كمعرض الجزائر الدولي للكتاب الذي ختم احتفائه بالكتب ، ومعرض الشارقة الدولي للكتاب الذي يعيش حاليا بحماس كبير عرسه الثقافي ، ومعرض الكويت الدولي للكتاب القادم على الأبواب ..
معارض الكتب لا سيما معرض الشارقة الدولي للكتاب وهو رابع أفضل معرض كتاب في العالم بمشاركة 1256 دار نشر من 59 دولة يحج إليه سنويا آلاف من القراء والكتاب والنقاد والناشرين من أقطار مختلفة ناهيك عن الزائرين من داخل الدولة ، هو موسم ثقافي مهم لكل صاحب كتاب ولكل محب للقراءة ، سجل خلال ثلاث أيامه الأولى حوالي 465 ألف زائر ، وما لاحظته خلال افتتاح معرض الشارقة للكتاب وقبله معرض الجزائر للكتاب أن معظم مؤلفي الكتب والمؤلفات قاموا بنشر مقتطفات من إصداراتهم الحديثة والقديمة كذلك ، ومنهم من نشر أغلفة كتبه التي صدرت له خلال الأعوام الماضية ، كتّاب مشهورين ولهم جمهور عريض من القراء و آخرين يتلمسون طريقهم للكتابة ؛ بغية تعريفها للقارئ ، بغية إعطاء القارئ فرصة للتعرف على كتاباتهم ، وبغية التواصل الثقافي الذي يطمح له كل كاتب مع قارئه ، ولكن ما لاحظته أيضا أن معظم الذين خطوا تلك الخطوات هم كتاب من الخليج والعالم العربي ولكن تلك القائمة فرغت من الكاتب العماني باستثناء من صدر لهم كتب جديدة وتصادف صدورها مع معرض الشارقة الدولي للكتاب ، عادة ينتظر الكاتب العماني معرض مسقط للكتاب كي يسوّق كتابه وغالبا يسوّقه له الأصدقاء ، فهل هذا يعني أن الكاتب العماني يكتب للقارئ في عمان فقط ..؟ و لا يهمه سوى آراء شلته الذين يروجون لكتب بعضهم البعض ..؟ ماذا عن القارئ في خارج عمان ..؟
لا أتحدث هنا عن قارئ صديق يعرفه الكاتب بل عن قارئ لا يعرفه واقتنى نسخة من كتابه في معرض من معارض الكتب المتعددة التي تقام على مدار العام أو من مكتبة في أقصى الأرض وجد كتابه على رفوفها ..؟ ماذا عن ناقد لا يعرفه وليس صديقه ولم يسبق وقرأ إطراءه عن كتابه وربما أجرى تعديلا على عنوانها أو بعض محتواها لتتماشى مع غاياته قبل أن يبعثها الناقد الصديق إلى مجلة معروفة أو صحيفة مشهورة ..؟!
المشهد الثقافي في عمان أصبح ينتج سنويا عناوينا جديدة ، هناك تزاحم واضح في أعداد الإصدارات الحديثة ؛ لدرجة أن الكاتب الواحد بات يصدر كتابين أو ثلاث خلال عام واحد ، ولكن في الوقت نفسه عملية التسويق لها وعرضها من الكاتب ما تزال تخضع لآليات عتيقة وعلى نطاق محلي ، فمعظم الكتاب في عمان ينتظرون عادة جهة ثقافية أو صحيفة ورقية أو برنامجا إذاعيا لترويج كتبهم بين القراء أو يعتمدون على الناشر في التسويق ، لكن في زمن تزاحم الإصدارات كم سيسّوق الناشر من كتب ..؟
لا شك في زمن مضى كان عدد الكتّاب أقل وكذلك عدد الكتب التي يصدرونها بعد عدة سنوات ، وكان الكاتب يلتقي مباشرة بناشر كتبه ويتعرّف عليه شخصيا ، أما اليوم فكم من كاتب يعرف ناشره سوى عبر فضاء الكتروني ، بل كم من ناشر يذكر اسم الكاتب في ظل كثافة النشر ..؟
ثم يأتي حشد من الصحفيين من عمان و خارجها يتناولون المسألة إياها ويطرحون السؤال الذي أصبح طرحه على معظم الكتاب العمانيين عادة وروتينا عاما حول أسباب عدم انتشار الكتاب العماني ..؟ ولا تعرف إلى متى سيظل هذا السؤال قائما كلما ذكر الأدب العماني وإلى كم من الأعوام ..؟
فكيف يمكن للكتاب العماني أن يكون له أصداء و قراء كأي كتاب من السعودية أو الكويت أو مصر أو لبنان وغيرها من الدول طالما أن الكاتب في مرحلة انتظار ..؟ ينتظر من الآخرين – الأصدقاء – غالبا أن يروجوا لكتبه أو يقيموا له مهرجانات وحفلات توقيع عبر وسائل عفا عليها الزمن ، نحن اليوم في عالم يدار بكبسة زر ، هذا العالم نفسه الذي يستطيع الكاتب وبالاعتماد على نفسه أن يسوّق كتابه بشكل جيد وبأسلوب أنيق وعبر حساباته الشخصية التي يتابعها آلاف من العابرين والعابرات ، عبر التويتر والفيس بوك والانستغرام ومدونات ومواقع تعنى بالكتب وغيرها كما يفعل معظم كتاب الخليج والعالم العربي والعالم الغربي كذلك ، المدهش أن الكاتب نفسه وعبر حساباته الاجتماعية الشخصية يغرقها عادة بتفاصيل عامة وشخصية أحيانا عن حياته ، لكن مسألة نشر غلاف كتابه أو متقطفات منه يعد أمرا مخجلا وعارا من نوع ما ، ربما الكاتب هنا يخشى أو يريد أن يجنّب نفسه نظرة المجتمعية التي روجتها عقليات قديمة لا تمت العولمة ولا تمت جيله المنفتح بصلة في أنه حين ينشر شيئا عن كتابه أو يذيل خبرا عنه فإنه يمدح نفسه أو يسعى للشهرة ، هذه الأفكار البغيضة رائجة عادة في معظم المجتمعات التي لا تشكل فيها قراءة كتاب أولوية ، بل لو قام وكتب أحد القراء بأنه اشترى كتبا أو قام بعرض قائمة قراءاته من الكتب فإن الآخرين يرشقونه بتهمة استعراض ثقافة ، و في هذا ظلم كبير لمكانة الكتاب والكاتب في آن ، وعلى الكاتب أن يكون أكثر وعيا وأكثر سعيا لتفنيد تلك الأفكار السطحية التي لا تنجم سوى عن عقول سطحية سواء في حقه أو في حق الكتب والقراءة ، لا أن ينجرف وراءها ..!
ليس الجميع محظوظين برافعات إعلامية أو مؤسسات ثقافية تروّج لهم ولا علاقات شللية تساندهم ، نعم الكتاب الجيد يشق طريقه بين كومة من الكتب الرديئة التي تطفو على السطح و لكن حتى الكتاب الجيد يحتاج إلى أن تخبر الآخرين عنه و أن تعتني بطريقة عرضه ، الكاتب " هنري ميللر " في كتابه الشيق " الكتب في حياتي " طرح على نفسه سؤالا في غاية الأهمية :  " ما الذي يجعل الكتاب حيا ..؟ ثم أجاب بنفسه على سؤاله ببساطة : " والجواب في اعتقادي بسيط ، الكتاب يبقى حيا عبر التوصية المحبة التي يقدمها قارئ إلى آخر" ..
هذا القارئ مهما كانت صفته ، ومهما غدت مستوى قراءته ، لا تعرف من هو ، ولا من أين يمكن أن يفاجئك سيكون له تأثير من نوع ما على كتابك ، لا يوجد كاتب في هذا العالم لا يطمح لشريحة واسعة من القراء حتى الذين يدّعون بأنهم يكتبون لأنفسهم ، حتى الذين يخاطبون القراء من الأسوار العالية ، أو من صناديق العزلة ..!
منذ أعوام شاع حديث عن العزلة العمانية ، تحديدا عندما تفشت مواقع التواصل الاجتماعية ، ولكن الإنسان العماني أثبت أنه ضد العزلة وأصبح له دور فعال ومنفتح ، كل في مجاله ، دون أن ننكر أن البعض منهم اختصروا تواصلهم الاجتماعي في الفضاء الالكتروني الشاسع مع رفاقهم ، ومع من هم في داخل عمان ، ولم يوّسعوا تفاعلهم الاجتماعي إلى من هم خارج الشلة و المساحة الجغرافية و تلك حرية شخصية ..
كل ما أرجوه أن يكون الكتاب العماني شجرة يراها الجميع في كل حدائق الكون في الأعوام القادمة ...

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق