الاثنين، 4 نوفمبر، 2013

مقص على رقبة الكلمات ..!

مقص على رقبة الكلمات ..!

الرؤية / العرب

راسلني مرة شاب جامعي من بلدي عُمان ، أبدى في البداية إعجابه بكتاباتي التي يقرأها في بعض الصحف ، ثم حكى لي عن مجلة جديدة تعزم الجامعة التي يدرس بها كطالب تدشينها ، وطلب مني إرسال بعض مقالات لأساهم في مشروعهم القائم على خدمة الفكر والثقافة عند طلبة الجامعة ..
في الحقيقة استبشرت خيرا وسرني أن أبعث لهم بعض مقالاتي ؛ كي أساهم في ضخ روح الإبداع عند شباب في بداية مشوارهم الأدبي أو الصحافي ، ودائما مثل هذه الأفكار تشعرني بالغبطة ، فبعثت لهم مقالة من مقالتي والتي سبق ونشرتها قبل إرسالها لهذه المجلة بمدة طويلة ، في اليوم نفسه وبعد ساعات أطل علي ّ الشاب برسالة أخرى تحمل رابطا يخبرني عن نشر المقالة وحين فتحت الرابط ذهلت على مفاجأة غير سارة .. على نشر مقالتي بكاملها ولكن بعنوان آخر لا يمت عنوان مقالتي بصلة ..!
وفي اللحظة نفسها وسط طوفان غضبي بعثت لهم برسالة اعتراض على تغيير العنوان الخاص بمقالتي .. ويومها قلت لهم في الرسالة : عفوا ، لكنني اعترض على تغيير عنوان مقالتي .. العنوان الذي اخترته أنا .. ؟ أليس من حق الكاتب أن نأخذ برأيه قبل أي تغيير أو تبديل في موضوعه أو عنوانه ..؟ إذا كانت سياسية مجلة " الفكرية " – كما عبرتم عنها في رسالتكم لي - تغيير وحذف وإجراء تغييرات ؛ فماذا تركتم للمجلات الفنية ..؟! هذه السياسة لا تناسبني وشكرا لكم ..! " .
وصلني ردهم يبرر سبب تغيير العنوان لغرابته ..!
فبعثت لهم برسالة أخرى لأوضح وجهة نظري ومبعث اعتراضي على التغيير الذي حصل : " اعتقد أن أهم غاية من غايات المجلات الفكرية هو تطوير الفكر عند القراء ؛ وحين نقوم بتغيير عنوان أو عبارات من مقال لأن القارئ . الآخر لا يفهمها .. إذن فمستقبل هذه المجلة ستبوء بالفشل ، ولن تحقق فكرا عميقا وقويا .. ولن تخلف تأثيرا حقيقيا ..! - هذا رأيي - وأنتم بإجراء بقص العبارات وحذف الكلمات وتغيير العناوين كأنكم تقولون بأن : القراء أغبياء ! " ..
فجاء ردهم يعتذر : " أعذرينا .. لأننا طلاب وجديدون على نظام المجلات .. وكل ما نقوم به من غير سابق خبرة " ..!
طبعا ردهم يدّعم رأيي وهو عدم ثقتهم بالقارئ وبذكاء القارئ في تعاطي مع ما يكتب له في الصحف والمجلات ، القضية ليست لها علاقة بي أو بعنوان مقالتي ، بل أتحدث بشكل عام وبموجب مصلحة العقول .. عقول شريحة من القراء من حقهم قراءة الحقيقة كاملة ، ومن حقنا عدم تغيير أو بتر هذه الحقيقة ، بل تقديمها كاملة كما هي .. وليس من حق إدارة المجلة الحكم سابقا على القارئ بأنه لا يفهم يعني " ساذج " أو " ضحل " في فهمه ، وفي هذا تغييب للفكر والإنسان واسقاط احترام عقله الحرّ الذي من أهم الوظائف التي أوكلت له من ربه تعالى هو التفكير والتأمل ..!
على المجلات والصحف أن تقلّم الأخطاء الإملائية والأسلوبية التي تملأ صفحاتهم ؛ لا أن تكون مقصا على رقبة الحروف والكلمات ..!
وما أدراكم ما معنى المقص للكلمات ، وكأنما هو قص لروح الكاتب ولجزء من قلبه ..؟!
ثمة رواية إيرانية للروائي " شهريار مندني " يناقش قضية الرقابة في إيران ومدى تأثيرها على عامة الناس هناك ليس على الكتاب والأفلام فقط بل على شعب بكامله ؛ يعرض الروائي قضية الرقابة بسخرية معجونة بألم وتتخذ هذه السخرية منحنى مشروخا في روح المجتمع حين يكشف الكاتب اللثام عن الرقيب المسؤول عن الإذن بعرض الأفلام أو منعها ما هو سوى رجل كفيف ومن خلال مراقبين يصفون له المشاهد التي تتراءى أمام حواسهم لينقلوها له كما هي وحينها يدلي برأيه عن المشاهد التي يجب قطعها .. !
رهاب الرقابة على المجتمع يتماهى خناقها في عدة أشكال في تغيير أسماء الأطفال المواليد وعدم السماح بأي اسم يحمل مغزى سياسيا ، رقابة على الأقمار الصناعية ومنع بث قنوات معينة ضد السلطة أو ما لا يتوافق مع مزاجها السلطوي وغيرها .. !
هذه الرقابة المستمرة جعلت الإيرانيين يبتكرون أساليبا مختلفة يستطيعون من خلالها العيش بفسحة أكبر داخل بلاد تسعى سعيا حثيثا إلى خنق وسحق وإلغاء إنسانيتهم بحجج تحمل في ظاهرها الدين ولكن في باطنها تفرض سلطتها المستبدة عليهم ، تدعي أمن الوطن بينما هي تخشى على زوال ملك عرشها ..!
وهذا لا يصدق على الجمهورية الإسلامية وحدها ؛ بل معظم دول العرب والعالم غدت تقفّص شعوبها وتفرض رقابتها عليهم بأعذار أغلبها وهمية ولمنافع شخصية وليست عامة ..!
هذه الرقابة تحوّل المجتمع إلى مجتمع أقنعة .. إلى مجتمع متناقض يخادع بعضه بعضا ويمتنع فيه الناس عن ممارسة ما يحبونه ، عن ترك ما لا يرغبون به لإرضاء المجتمع ، لخوف من سلطة ما ، لاتقاء شرور تكيد لهم وتطاردهم ككلاب مسعورة ..!
الرقابة .. الرقابة .. ماذا تفعل بنا الرقابة في مجتمع يرتعب من الكلمات فينتف روحها حرفا حرفا كما ينتف الجزار ريش الدجاجة ..!
يترقب الكاتب صدور كتاب له ولكن الرقابة تبقي المخطوطة في حوزتها شهورا طويلة وأحيانا يصل لأعوام ؛ بحجة مطاردة كل لفظة تخدش " فكر " الإنسان وتغرس رذيلة " الوعي " في روحه الطاهرة ..!
لي - تجربة شخصية - مع الرقابة التي قفصت إحدى مخطوطاتي في قفص المحاسبة والقص والنتف والخنق ، ومازالت مخطوطتي تتوق لحظة إطلاق سراحها .. لحظة حريتها من عقول ترى الكلمة مشنقة والعبارة صاروخا نوويا ..!

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق