الجمعة، 8 نوفمبر، 2013

أمير تاج السرّ : تجربة روائية زاخرة بالأحداث ...

لكل رواية طقوسها وأجواؤها المشحونة بخيال متواتر" أمير تاج السر" .. تجربة روائية زاخرة بالأحداث

نشر في صحيفة الآراء الكويتية ..

على المستوى الإنساني هو كاتب يعيش في دولة خليجية مرفهة ، ويمارس مهنة إنسانية راقية .. في تلك البيئة بنى الكاتب استقراره المؤقّت .. فكل راحل عن وطنه الذي ولد فيه وترعرع لا يمكن أن تفطم أي قوة في الكون محبته واندفاعات الذاكرة نحو وطنه الأم .. حيث المهبط الأول لبذرة الأجداد .. وحيث القلب يحط رحاله في الختام .. هذا القلب الذي تقول عنه الأديبة غادة السمان : " قلب الإنسان ليس جمهورية فردية مستقلة ولكنه قطعة من أرض بلاده " ..

لعل أغرب ميزة نلصقها بالغربة هي التجربة الإبداعية المغايرة ومعاصرة الوطن انتصاراته وخيباته وهزائمه بعين العقل والقلب وكامل الجوارح برؤية بانورامية لا تخلو من لمسة الحنين والوجع ..

روائي حديثه مضمخ بالشجن عن تراب الوطن المتعثر بالأزمات والانفصالات وحالات من العوز والمرض ، بقي ابن بلده في غربته ، متواصل بنبل مع قضاياه رغم وجع المسافات ؛ ففي رواياته ..
في جل أعماله تتزاحم الأحاديث السودانية والذاكرة السودانية وابن وبنت البلد طافحين بالمحبة والبساطة والخيبة وأساطير بيئات رتيبة وأخرى معجونة بسحر الدهشة .. نقلها الكاتب من معين خيالات خلابة فأمتعت روحه المثقلة بحب الوطن كما حفرت حيزا فضفاضا بحاسة التحفز واللهفة في نفوس قرائه من مختلف دول العالم العربي وخارجه ..

رواياته زاخمة بالأحداث ، يستقيها غالبا من أحداث صغيرة قلّ أن يلتفت لها سوى المشحون بالهم الإبداعي والإنساني وتلكم الأحداث الصغيرة تتشعب إلى أفكار تتبناها الشخوص في الرواية .. وكما يرى الدارسون أن من خصائص الروايات الحديثة تبدأ بأحداث صغيرة يستقي منها الكاتب إلهامه لكتابة رواية ضخمة غنية بأحداثها وشخوصها وعوالمها ..

ويبدو أن تلك الأحداث الصغيرة الملهمة هي مصدر معظم روايات الكاتب السوداني " أمير تاج السر " الذي أقّر في إحدى حواراته قائلا : " في الحقيقة أنا لا أختار المواضيع ، بل المواضيع هي التي تختارني ، فربما أستوحي نصي من خبر صغير في جريدة أو من برنامج تلفزيوني أو حتى وجه أصادفه في الطريق " ..

أرض مجهولة

نبدأ مع " جلبرت أوسمان " الذي نتيجة رهان مع صديقه عزم السفر إلى أرض مجهولة بالنسبة له تدعى السودان : " سأذهب إلى أرض السودان .. سأذهب .. سأذهب .. سأذهب ليس لأني من عشاق المغامرة ولا لأني أتوقع مجدا في ذلك المجهول ولكن لأني قبلت التحدي الذي ركلني به صديقي القديم بيتر مادوك " ..

و" أحمد دهب " من حادثة كسر رجله في المستشفى إلى أصقاع الأضواء والشهرة .. و" صائد اليرقات " يعزم " عبدالله حرفش " أو " عبدالله فرفار " أن يكون روائيا بعد حادثة فقد فيها ساقه اليمنى ووظيفته المحترمة ..

طقوس

تتميز روايات " أمير تاج السر " بعدة خصائص لكل منها طقوس تميزها وأجواؤها المشحونة بخيال متواتر مع واقع مرير ويمكن تناولها على هيئة نقاط قصيرة :

شخصياته متحوّلة .. تتبدل من حال إلى حال ، من أعلى إلى أسفل ، من الشمال إلى الجنوب .. إنها كريح حرة حين تعلن بجسارة عن رغبتها في التجريب وغمس آثارها في حبكة الحدث حسبما تطلعات الرواية وأحداثها .. يستشعر القارئ اليقظ أنه يقرأ لوحة فنية حركية أبدعها رسام له حس دقيق في انتقاء شخوصه ومكانتهم ، فنجد في تلك اللوحة أشخاص يحلقون إلى أعلى وفي الوقت عينه آخرون يسقطون إلى الدرك الأسفل بعد أن بددت الحياة القاسية حظوظهم ..

وتلكم التغييرات تمس عدة نواحي نفسية وأبعادا مادية وأخرى دينية وتقلبات سياسية حسبما فرز الأفكار في الرواية الواحدة .. ففي رواية " زحف النمل " البطل " أحمد دهب " تبتسم له الحياة بحادث صغير في قدمه ليتسلق بفعلها إلى حياة سامقة مع الغناء والشهرة وحب الناس ..

بينما في " توترات القبطي " يتحول " ميخائيل " أو " سعد مبروك " من محصل للضرائب إلى طباخ ومن ثم إلى أشبه بعبد ذليل عند المدعو الأمير " عبادي طلسم " وهو بحد ذاته كان مجرد حمال في إحدى الأسواق وثم مع تقلبات سياسية ودينية انقلبت الآية فتحول إلى أمير بخدم وحشم .. و" نديمة مشغول " صاحبة مقهى جزي العين التي تتحول على حين ظرف طارئ إلى " ضو المجاهدة " وتنظم لصفوف الثائرين في رواية " توترات القبطي " .. و" آدم نظر " المراهق في 18 إلى خصي " دمدوم " ..

مغامرة

أحداث مطعمة بحس المغامرة .. ينساق خلفها الشخوص برغبة متوهجة في التجريب ، تلج في بوتقة التغيرات المصاحبة لروح تلك المغامرات بسلاسة وبلا عقد نفسية عند بعضها بل إنها تتنامى مع أقدارها بطواعية في النهاية ، وهي في حد ذاتها شخوصا تعتمل قلوبا طيبة.

فعلى الرغم كل ما واجهه " آدم نظر " إلا أنه وقع في محبة جلاده المدعو سلطان " رغد رشيد " بينما المقربين ومتذوقي خيراته هم طعنوا وفاؤه بغدر .." ولكن كيف تنتزع السلطة من وغد الرشيد .." قال وغد ولم يقل رغد ..! لكن الحال تغاير تماما مع " نجام " الخصي الذي حقن انتقامه سما للأمير " مساعد " لخاطر " الرزينة " التي محق بها المساعد وأتباعه بأخيها " آدم نظر " وحولوه إلى " دمدوم " ..!

أنماط نسائية

نساؤه أنماط .. منها القوية وذات نفوذ . ومنها المشتهى والمرغوبة . ومنها الضعيفة والمكسورة .. المرأة تغدو حرة من كل قيد في عدة حالات .. منها أن تتجرد من بشريتها إلى هيئة أخرى " جنية " كي تحيا على هواها مثلما حصل مع " شرفية " في رواية " أرض السودان " .. و" مستكة " لأنها رمز وأسطورة وذات سطوة ونفوذ .. و" مسك النساء " التي انفتح لها أبواب الرفاهية والمجد لتنفخ منها امرأة ذات استبداد وقسوة .. و" الرزينة " الحسناء المغلوبة على أمرها حين عاكسها الحظ .. و" س " صاحبة السروال الجينز الأزرق الباهت الذي يشف عن جسد بتفاصيل موحية مخالفا لقوانين الانضباط في " صائد اليرقات " ..

الأسماء كذلك متغيرة حسبما الظروف والنفسيات المصاحبة لها في الرواية .. فـ" ميخائيل " تحول إلى " سعد مبروك " بعد أن اسلم طوعا لا اختيارا .. و" نديمة مشغول " التي سميت بعد ذلك نفسها " ضو المجاهدة " و" خميلة " إلى " نعناعة " ..و" عبد الرجال " إلى " عبد الواحد " بعد إطلاقه من قفص العبودية .. و" آدم نظر " إلى " دمدوم " ولعل رواية " أرض السودان " و" مهر الصياح " هما أكثر روايتين تلاعبتا بالأسماء والألقاب .. في حين تخلو " صائد اليرقات " من زحمة الأسماء والألقاب ليجددها الروائي في هيئة رموز تمثل أصحابها ، وهي إشارة حاذقة فالبطل رجل أمن متقاعد وعادة ما تستدعي وظائفهم المخابراتية الرموز والشيفرات للتواصل فيما بينهم ..

علاقات شرعية

علاقات المرأة والرجل غالبا ما تدخل نطاق الشرعية كون الروايات تجري في بيئات تضع في حسبانها الشرف ومسائل العقود الشرعية للزواج والنأي عن علاقات ما قبل الزواج .. " أحمد دهب " وقع في حب " حياة الحسن " وتزوجها .. و" أوسمان جلبرت " أعاد تفصيل " شرفية " من جنية إلى إنسية للزواج منها ..

تكاد بعض الشخصيات ونعاتها تتماثل بل وكأنها تحمل الأرواح ذاتها رغم اختلاف الرواية والبيئة والحدث .. كشخصية " سيف القبيلة " تاجر الإبل في رواية " أرض السودان " وهو ذات حظوة وشهامة وسخاء تتلاقح في نعاتها مع شخصية " رابح مديني " في رواية " رعشات الجنوب " وكلاهما في حل وترحال مدفوعين خلف مصالحهم ونفوذهم .. وتجسيد القوة والسيطرة في كل من " مستكة " صاحبة النزل في " أرض السودان " وبين " نديمة مشغول " في رواية " توترات القبطي " .. والنصراني " ميخائيل " والذي يدعى بعد إسلامه بـ" سعد مبروك " يكون طباخا في البدء ومن ثم إلى حارس خاص للأمير " عبادي طلسم " مع شخصية " آدم نظر " حين يستحيل إلى " دمدوم " الخصي الذي يخدم مع الجواري تحت خدمة " مسك النساء " ومن ثم تعلو مرتبته إلى ظهوري في كتيبة حرس السلطان ..

نهار وليل

للنهار والليل مدلولاته في روايات " أمير تاج السر " .. فالنهار هو ضوء الحياة والانطلاق للاسترزاق والفوضى على أشدها " الرجال المندسون في الجلابيب والعمائم البيضاء .. النساء المزركشات بزينة الفقر .. والأطفال الحفاة ، العراء ، الدواب المترحلة ..." بينما الليل هو ليل مظلم يستدعي كل نوره من فم المشاعل والقناديل ، لكل حامله نصيبه من خبايا الظلال والأوهام.

.. " جلبرت أوسمان " هرب من ليالي لندن الرتيبة وجاء هنا إلى أرض السودان لتحمل له لياليه مغامرات وحكايات شتى كليالي الخميس في نزل " مستكة " وليلة تتبع خرائب " شرفية " الجنية كما يراها أهل القرية .. وفي رواية " زحف النمل " البطل " أحمد ذهب " يحلم بليل مضمخ بالترف : " ألقيت ببصر الريف على ليل العاصمة المضاء بالكهرباء .. وتخيلت شعبا متحضرا يحملني في نبضه حين أصدح بالأغنيات التي تمجده " .. بينما ليل الجنوبيين يغدو أقصر قامة كلما تخايلت الظلال المرعبة على الحوائط في " رعشات الجنوب " فهي حكاية سطر ّ رعبها " رابح مديني " في وجه " تابيتا " جنية الليل بشعرها الأخضر الغزير وعينيها النازفتين وجسدها الضخم الذي برك عليه وأشعله تلك القصة التي حكاها آلاف المرات بل خلدها في لوحة من رسم الرسام النمساوي المعاصر " كرستوف أوجين " بمبلغ وقدره وعلقها على واجهة متجره دليلا ساطعا على تلك المغامرة الليلية ..

ليل ونهار

وفي " مهر الصياح " لليل والنهار دلالات أوسع لينصهرا في ألفة غريبة تارة : " تتضفر إلفة الغرابة بشدة ، يخترع الصباح زوارا ، وسائلين ، وحاملي لغة فضولية وأطفالا أشقياء ، يخترع المساء شهوته في البن ، في الثرثرة ، في عرض التفاهات .. عن ولادة الماعز ، احتضار قط ، وختان لصبي في عشة ما .. " سرعان ما يستحيل إلى ليل مشبوب بوصفاته الخاصة تارة أخرى : " يخترع الليل وصفته .. الظلام .. الخوف .. الصراع .." لكل رواية ليلها ونهارها ولكل شخصية ليل مغموس بآثار حكاية مقمرة وشمس تبدد ظلمة الروح ..

جاء توظيف الشخوص في الروايات بشكل متقن وإبداعية راسخة .. فلا يمكن إبعاد أو إسقاط أي منها أو بتر دورها في بؤرة الحدث من أكثرها فعالية في التأثير إلى أقلها في أحداث الرواية .. وحين يذوي دور إحداها في الحدث ؛ فإن الكاتب يتخلص منها إما بمصير مجهول أو تعليبه في كفن الفناء كـ" رابح مديني " في " رعشات الجنوب " و" الرزينة " في " مهر الصياح " ورغم المغادرة يظل ذكرهما خائضا ..

خيال

تجنح روايات " أمير تاج السر " إلى التلاعب بالخيال إما بتوسيعه أو تقليصه .. والخيال الناقص لا ينتقص من الخيال الشاسع الحافل في فكر الروائي في شيء بل على العكس يؤجج من تأثير الأحداث ويمدد من فضول القارئ ليكمل الناقص .. وما كان ذاك الناقص سوى لإشراك القارئ في لعبة السرد والشخوص والحدث .. كما يقول الروائي الكبير " عبدالرحمن المنيف " : " اللوحة غير المكتملة لوحة كاملة في كثير من الأحيان ، لأنها طريقة لاستفزاز الخيال ولإشراك الآخر في أن يعمل شيئا من أجل اكتمالها " ..

في " زحف النمل " برزت في البداية شخصية " أكوي شاويش " وكان لها تأثير جم ولكن في ثنايا الأحداث طفا " أكوي شاويش " سوى كونه اسم يتردد والقارئ يستفز خياله ليتتبع أثره في ثنايا الرواية ولكن يلجمه مصير مجهول في النهاية .. وفي " رعشات الجنوب " كان يمكن أن يرضي الروائي خيال ولهفة القراء كي يعرف " الجريح سالمان " مصير ولادته الغامضة لكن الروائي أبى إلا أن تظل المعرفة ناقصة تاركا القارئ وحده يؤول اكتماله في خيالاته ..

رموز ذكية

رمزية موظفة بذكاء .. تلك الرمزيات سواء التي بثها في أسماء الشخوص أو أحوال تلك الشخوص عينها في الرواية وفي مجملها هي صورة السودان كوطن متعدد الصراعات والأزمات والقضايا على أصعدة تاريخية وسياسية ودينية .. فـ" عبد الرجال " تتعاظم الرمزية هنا في هذه اللفظة تحديدا في تبعية السودان وعدم تحديد مصيرها في الحرية ، فعندما يعزم " جلبرت أوسمان " على شرائه من مستكة وعتقه إلا أن الوثائق الرسمية تسلسله بصعوبات جمة فيضطر في النهاية عتقه بناء على مسؤوليته الشخصية ..

بينما في الرواية نفسها " جلبرت أوسمان " لكونه وافدا من انجلترا فإن أبواب الحياة مرفهة يقتطفها بسهولة بينما يعيش أبناء البلد على هوامش الحياة ..تلك الشعوب الناهبة شافطين لخيرات البلاد بلا رقيب ولا حسيب بينما ابن البلد المنهوب لخيارة أو رزمة من الخس والجرجير فإنه يجلد على دكك الطين ..!

استبداد

ويتماهى استعباد الغرب على أصوله في مواقف قصيرة ذات تشعبات ممتدة في " مهر الصياح " حين يتذمر السلطان " رغد الرشيد " من " أولاد جون " وهي كناية عن استبداد وقوة قبضة الاستعمار الأجنبي ؛ لعدم السماح لهم باستخدام البارود أو حتى شمه : " يرسمون ذنوبنا ولا يرسم أحد ذنوبهم ، ويصنعون البارود لحرقنا ، ولا نملك سوى الخناجر .."

حسية التركيز على أفكار جديدة ومبتكرة يكاد يكون تناولها ضئيلا عند بقية الكتاب كقصة المغني " أحمد ذهب " ومشوار الشهرة والغناء والأضواء في روايته " زحف النمل " وكما الابتكار في طرح قضية " الكوراك " والذي يبدو لوهلة لفظا غريبا على مسمع القارئ ليوضحه الكاتب بالصياح أو المناداة بالصوت العالي ويجعل لهذا الصياح رواية تاريخية ضخمة بالمغامرات وحس التجريب وروح المغايرة في " مهر الصياح " .. وتلاعب الروائي في " صائد اليرقات " ..


من الواضح أن الروائي المثري " أمير تاج السر " يؤمن بحكمة التغيير وهي حكمة وظفها في إحدى أقرب الروايات إلى نفسه – كما أسر لي ذات لقاء – ففي رواية " مهر الصياح " تقول إحدى شخصياته :" الأشياء تتغير .. الناس يتغيرون وما كان طاعما بالأمس قد تسد مرارته الحلق في يوم يجئ " ..

ويفتش قراؤه عن مغزى ذاك التغيير في نفوسهم بفضل شخصيات أبدعها خيال صاخب بضجة الإبداع وبحسية التجديد ؛ فهو صانع شخصيات حقيقية لها مذاقها الحسي لدرجة أن المرء يفتش عنهم بعد الانتهاء من الرواية مع سؤال حاسم : هل هم حقيقية أم شخصيات ورقية من خيال الروائي فقط ..؟!


ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق