الأحد، 3 مايو، 2009

أعاقبك لأني أحبك





أعاقبك لأني أحبك



لست مع الذين يعاقبون أعداءهم ، ويتشغفون الفرص للنيل منهم بشراسة آكلي لحوم البشر مع بني جلدتهم .. ولأنه على رأي " نيتشه " : (حذار من مقاتلة عدوك الشرس ؛ لئلا تكون أشرس منه حين تتغلب عليه ) أضيفوا عليه قول شاعرنا العربي :
اصبر على مضض الحسود فإن صبرك قاتله ** فالنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله



لذا صنعت قناعة في ذاتي أن لا أتعارك مع أعدائي مطلقا .. كيفما كانوا وأينما أضحى عتادهم مني ؛ كي لا أورِّث نفسي وحشيتهم الطاغية محتفظة حتى آخر رمق بالبراءة في داخلي .. غير أنني وبشدة مع معاقبة الذين نحبهم بصدق وعمق ؛ لأن امتدادهم عبر شراييننا الدموية الدافقة بهم كان أغور مما يمكن قياسه أو حتى تصوره بأدق مجاهر هذا القرن دقة وتقنية ..!



طافحين بأمان هناك حيث مساحات وفائنا الروحي لهم .. وعليه وجدت لذة خارقة في معاقبة إحدى صديقاتي .. اللاتي لهن منزلة شامخة في طيات روحي .. فجفاءها قدحا من الزمن ومض وجع الحزن في أيامي المتبقية دونها ، وأهمّ الصداقة الوثيقة التي كانت حبائلها ممتدة بيننا .. ولما كان يوما مشمسا من أيام يوليو أدهشني على حين فجأة رقمها .. وكانت المسافة بيني والهاتف فاصلة بحيث حاجز اهتزازاته عن مسمع أذنيّ ؛ لذا ظل رقمها يضيء بلا مجيب على شاشة هاتفي .. ولما أعياها ردي .. بَعثتْ رسالة ملفوفة كباقة برقة أنثى حديثة العهد بالصداقة شبيهة برسائل المحبين المراهقين .. وكأن بكبرياء البعد المتراخي بيننا مدّ عنادي قليلا فوق مستوى لهفتي بها ومهاتفتها فإذا بي أفسح الوقت متسعا في الرد عليها ..




فهاتفت مضمخة بالفرح عوضا عنها صديقة أخرى ولما تناهى بيننا الكلام حتى شارف نهايته .. أخبرتني بأن صديقتنا المغضوب عليها هاتفتها البارحة فأنزلت عليها عتابا حارا شغف جوفها حسرة وتأنيبا عن تقصيرها في وصالنا معا .. وإذ ذاك أدركت بعد أن أخذني الإحباط مأخذه أن إلحاح اتصالها كان نتيجة ما تلقته من صفعة مؤلمة من قبضة صديقتي هذه .. !




فرقص الشيطان الرجيم في فكري .. وتلبسني مسّه المجنون .. ولأن النسيان حرفة يتقنها المهملون فقط ؛ هكذا أطل عتابي في رسالة قصيرة منفوخة جمرة حنقي وإن كنت في داخلي أعلم أن نوعا من العبث ما كنت أنا فاعله .. وظل عتبي هذا يفاجئها لمدة أسبوع كامل ببهرجة الرسائل الكوابيسية التي تقض مضجع الجن قبل الإنس وتنذر الكبير قبل الصغير .. بمضامين موجعة جدا عن الفراق والخيانة وتفشي عرى الصداقة بيننا .. وغرني الشيطان الذي زين خطتي بجنهم التعذيب والتأنيب .. محتفية مع كل رسالة متفجرة بعبث أغراني بمزيد من الويل .. لكن العبث الذي تغلب عليه الجد في النهاية حرك شجوني هو أن الذين نحبهم لابد من معاقبتهم كلما تراخت مساحات النأي بيننا مهددة ؛ لأن الذي نحبه ليس من حقه أن يختار قدر النأي عنا بعد أن أغرانا بفضائله وعلقّنا بشموخ نقائه .. فبجفوته يحرم علينا مصافحة نعاته الجميلة التي طالما بهرنا بها فيه .. ولطالما طفنا حولها هائمين كالنحلة وهي تلثم عبق أريجها .. متلذذة وفرحة في آن ..



ولأن الذين نحبهم .. بهم افترشنا الدرب الصعب زهرا فواحا .. وبهم كانت أيامنا حية .. تتخللها لحظات حلوة كمذاق الكرز .. نقية ببياض أحاسيسهم الحميمة .. ولأن الذين نحبهم هم من بذروا فينا شجرة الوفاء الحقيقي .. ولذة عتب اللذيذ في زوبعة الخصام ... وهم من علمنا أن الإنسان لا يستطيع أن يحيا وحيدا دون أن يشاطره أحد ما همساته ويشاغبه جنونه .. يحتفي مع أفراحه وينغص لأتراحه .. هائمين يدا بيد ونبضا بنبض .. رفيقين يعانق جبينهم شمس الصداقة الحقة وآثارهم معا على رصيف الوصال الأبدي لا يمحوه زهايمر الزمن في سرمدية الآتي..



وإذا بصديقتي يملأها العقاب خلقا جديدا في فضائل الصداقة .. وعبرة أن العهد الذي يكون بين الرفقاء ليس من حق أحد الطرفين المتعاهدين عليه مذ البدء أن يُعري شفافيته ويهتك بكارة وفائه .. وإذ ذاك عاد الود ما بيننا على ما كان بل زاد حبتي مسك ..



و شاعرنا المجهول يطوق كلينا بنظمه الشجي :
( نحن / أنا وأنت / مثل إبرتي ورق صنوبر / تجفّان / تسقطان / لكن لا تفترقان أبدا ً )
لكن ................. ، بالله عليكم .. هل لي بحل ناجع يكفني إزعاجها اليومي لي ..؟!

هناك تعليقان (2):

  1. أظن المواجهة أفضل
    لستُ شجاعةً كفاية لأفعل
    لكني لو كنتُ مكانك لأجبت الهاتف وكلمتُها بصوتٍ بارد كصقيع شعوري تجاهها

    ردحذف
  2. ..

    عقاب المحبين لذيذ ..

    ويبقى لذيذا دائما ؛

    افعليها وإن مرة ..

    كوني على ود ..

    ليلى

    ردحذف