الجمعة، 20 مايو، 2011

ليلى في مهب هويات






ليلى .. في مهب هوّيات






إنه يومك الأول حديث الولادة لك وحدك ، وستدركين لحظتئذ أن كل شيء في أرجائك متلون باللذة الأولى ، والدهشة الأولى ، والتلهف الأول ، والسر الأول ، والسؤال الأول ؛ وهي أشياء كفيلة أن تتيه بك في مغارة تلجينها شئت أم أبيت ؛ فلا خيار إلى حياة ممهّدة بقدر غامض هو لك كما لبقية الخلق ؛ فهناك أجوبة إن رغبت تصيّدها حقا ، بالمجازفة وحدها تسعفك وتسعف كل كيان تتأجج فيه رغبات متلهفة في حياة متوحدة ، يمضي منها ما يمضي بلا أجوبة شافية وبضجيج الأسئلة المطلسمة ..




عندما تشرعين ظلال أجفانك عن نافذة عينيك الضئيلتين في ذاك الليل البهيم ، وأنت بعد طفلة صغيرة في قماط رقيق معصوم حول أطرافك الهزيلة ، في يومك الأول في لحظتك الأولى مع الكون بعد أن قاومت بشدة للتزحلق من نفق ضيق هو وطنك الأول وبلادك الأولى إلى فضفاض عالم ، كم ترينه رغم غشاوة الرؤية كبيرا جدا عليك ..




تحدقين حواليك في رؤية ضبابية ، لا تميزين سوى هسيس أصوات تتعالى و تنخفض ، حينا تشتد باحتفالية وهي تشدك إليها في حضن ممتد ، وحينا تغيب تلكم الأصوات والأحضان والقبل المنفلتة متداعية خلف روائح فوضوية ..




وأنتِ لا تجيدين سوى لغة التحديق ، في الخارج من زجاج المشفى العاري تتفرجين على غيمات مشاكسات يسكبن بشقاوة حافلة ماؤهن الرقراق على وجه الأرض ، بينما هي تتشربها ببهجة وهو المنظر الذي ظل يغسل نفسه طوال شهر كامل كما أبلغت فيما بعد : " يوم ولادتك هطلت الأمطار بغزارة لمدة شهر كامل دون تعب ؛ لدرجة فكرنا جديا لو أنك كنت صبيا ؛ لأسميناك " مطر " " ..




وصوتان آخران مميزان جدا ينفجران من بلعومك بتناوب يكاد يكون منتظما : البكاء والصراخ ، ولا تدركين أهميتهما إلا حينما تتمدد فيك الحياة ، تمططك لدرجة تنسيك حنجرتك تلك التي تعالت في شلال أصوات مختلطة بالمطالبة فقط ، أنها أمست مع تكاثر الأعوام بلا أصوات ولا مطالب ، رغم زخم الكلمات وضخامة الأحداث وسعة الأشخاص والمسميات ..!




وحدها تلفك في حضنها بحميمية وفيرة ، لم تتذوقِ مثلها ولن ، تسير بك في خطوات متمهلة إلى طريق محفوف لا تعرفين إلى أين تقودك .. ؟ لكن الاطمئنان يسري في شريانك ؛ فالرائحة التي تتضوعين في كنف حضنها الناعم هي رائحة إنسانة تحبك ، هكذا تتوقعين بل تؤمنين ، والمحبة كفيلة برسم دفء الراحة في جنبات أحاسيسك الصغيرة التي أخذت تتغضن .. منزل ذويك ، هو ذا أول مكان تطئينه بحواسك المتزاحمة ، التي استلمتك لتطبخك مضغة مضغة ، ومن عالم أصوات مبهمة وخليط من الروائح القريبة والغريبة إلى عالم المرئيات أشبه بشاشة سينمائية عريضة ، وهو أول عالم يلعب معك لعبة الإثارة ، تبدئينها بالتحديق ، فالشقلبة ، فالحبو ، فالتعثر في الخطوات ، ثم قدمين ثابتتين ، تسلمانك بخجل إلى أقران في مثل طولك ، تلك هي أول صداقات الحياة وألذها براءة ، يدفعك شيء لا تعرفينه في طلّة اللقاء ، وكم هي البدايات شاقة بهدير مفاهيمها دون أن نحظى ما يروي ريقنا منها ، لكن شيئا ما يتهافت فيك نحوهم ودافعان يومضان في حواسك هما بلا شك : الفضول ، ورغبة التوحد مع الآخر ..




في تلك السنة في عامك الخامس ، قيل لك أنك ستزورين وطنك ، ورسمت لفظة استفهام ضخمة في مخك الطفل حول لفظة " وطن " ..؟ وسؤال بريء تخضض في داخلك فيما بعد مضي قطار السنوات : أليس المرء إلى حيث يولد يستقبله موطنه وتحفّ به هويته ..؟!




وقبل هذا السؤال الذي تأخر صببت فهمك في مصب استفهام ، و ركنتيه حيث هو ينتفخ كبالون في خبايا عالمك دونما تفسير واضح ، ولم تبال بمعرفة شيء وقتئذ ، ففكرة السفر خضخضتك ، أخيرا تستحيلين إلى نورس كذاك الذي صادقتيه رغم لقاؤكما الفارغ من الأصوات بدنو شاطئ صادقك هو الآخر مع محاراته ورماله المبتلة بقصور أحلامك التي كثيرا ما سلبتها الأمواج في مزاج متعكّر ، الترحال إلى مكان آخر مجهول أغرى آمالك بسعات مكثفة ، وفي اللحظة الحاسمة حين وطأ قدماك ذاك المكان المجهول الذي قيل لك أنه وطنك ، لا تعرفين ما الذي خربطك وانتشل ثباتك على حين فوضى ..؟




لكن رائحة المكان التي تشعبت في صميم رئتيك نفختهما في حمّة أقعدتك الفراش ، في ليلة وصولك الأولى حد التوهان في خليط من أشياء وأماكن وشوارع وحلة لم تعتد على مثلها ، وطالت الليالي تسقطك الحمّى من كابوس إلى آخر ، وأبت مفارقتك كرفيقة وفية ، وكأنها تشاطرك نبذ أشياء لا خطوط موصولة بينكما ؛ حتى قطع ذويك بقية أيام السفر بمقص العودة إلى ديار تألفك جيدا وتألفينه ..




مذ يومها ربطت عقلك الساذج برباط محجج عقدته أن الذهاب إلى ذاك المكان لا يواتيك ؛ فهو من افترشك في ظلمتين الغثيان والحمى ، حتى الكبار ساروا على ما تحججت ؛ بل اقعدوا بجانب اعتقادك تفسيرهم الخاص : لكل وطن رائحة ، وهي لم تواتيها رائحة وطنها ..




والتبس عليك هنا لفظتا " وطن " و" وطنها " ، دون أن تعرفي مدى خاصية تلك " الهاء " ، ولا غرضها في قلب أحاديث يتراشقها الكبار من حواليك ..؟!




طمست فكرة السفر وذكرى المكان كليا ، فتظلين مع من يظل من أهلك ، بينما يطير البقية إلى هناك في إجازاتهم ..




عدّت السنوات على هذه السيرة المطموسة عنك ، حتى طالت قامتك بأشبار، لتجدي نفسك في الثانية عشر إلا قليلا ، في تلك السن اقترح عليك والديك أن ترافقيهم في سفرتهم إلى وطنك ، مراهقتك التي لم تنضج بعد استحسنت الفكرة ، في هذه الرحلة ، كان كل شيء مختلفا ، الروائح ، الأحاسيس ، صخب الأماكن ، غدت رائحة ذاك المكان الذي يقال أنه وطنك مختلفة جدا ، رائحة لا رائحة تشعبت في كيانك ؛ لتمزجي منها تركيبة عطرك الاستثنائي ، و بروح تحد مراهقة وعدت تحديك بأن تتخذيه رفيقا ، وحين فعلت وتصالحت مع الرائحة الجديدة تجددت معك حكايا الأشياء المتهافتة ، وأمسى وطنك في عينيك وطنا ، تنتمين إليه بكل أطرافك ، الماضية والآنية ، وغدا للوطن معنى ونشيد وذاكرة بانورامية على أماكن وصداقات ومسميات وروائح أخرى ، بلا شك أحببتها وأحبتك ، بل دللتك في سفرتك أيما تدليل ..




في هذه الرحلة أدركت معنى الوطن الحقيقي ، الوطن الذي ننتمي إليه ونحمله معنا حيثما ولدنا وكنا ، هو الوطن عينه الذي سيشرع لنا كل أبوابه ونوافذه وشرفاته في أي وقت شاء هوانا ، حتى إن كنا مكفنين في بياض موت ؛ فإنه لن يبخس علينا بشبر من لحد يحرسنا فيه ثراه حتى أفول شمس الإنسانية ؛ وإن لم تغرس نطفتنا في تربته ، وإن خبزتها بمحبة تربة أخرى .. وفي ذكرى هذه الحادثة قرأتْ بعد مدة طالت حوارا للأديبة " غادة سمان " قالت فيه : " ثمة نقطة مضيئة أسجلها للأهل في سوريا بوجه عام ، لديهم عادة تعريف الطفل ببلادة ، واعتقد إن أبي طاف بي دمشق التاريخية منذ صغري ، ضمن إطار هذا التقليد المتوارث لتربية الأولاد ، بعد انقراض عادة إرسالهم إلى البادية لتعلم الشعر والفروسية ، لقد عرفني على الطبيعة والوطن ، والماء والنار ، العنصرين اللذين صنعت منهما مادة حياتنا بأكملها تقريبا .." عادة " تعريف بالوطن " في بحبوحة الطفولة ؛ يالأهميتها ، هو أول وأهم درس على عاتق كل أسرة مسؤولية ممارستها مع أطفالهم ؛ فحب الوطن حب يتأثث بأصالة مذ نعومة الحياة في أعطافنا ..




وفي تلك المرحلة الحاسمة ما بين الطفولة والبلوغ ناهض داخلها رائحتان ، متماسكتان ، قويتان ، مترابطتان ، محبتان ، عميقتان ، كبيرتان .. كانتا تباغتانها على هيئة سؤال وظلتا ملتصقتين بها في حلها وترحالها ، كمصيران لا تنفكان عن بعضهما مطلقا : أنت عمانية أم إماراتية ..؟




وتجيب بتوضيح مفصّل تسبقها بابتسامة : أنا عمانية ، ولدت وترعرعت ومازلت مقيمة في الإمارات ..




هويتان ، حملتهما مبكرا جدا في حياتها ، تفرعا بهدوء حتى نضجا على أتم نضج ، وعلى أتم حب ، وعلى أتم انتماء ..




وطني " عمان " هو معشوق ثقيل وزنه في فؤاد الفؤاد ، في البعد يتحلى في لوعة الحنين ، وفي الأزمات يثقل وزن هذا الوطن يثقل حد كبرياء عاشق جفته الصحة في علل تواكبت عليه ، تواكب ما تواكب عليه وهو بعد قوي ، متماسك .. في نظر محبوبته ؛ كي لا يثقب بـ " آهة " الشكوى خاصرة قلبها ، قد تسقطها في نفق حزن غائر ..




وطني " الإمارات " و معشوقة غالية ، لها حكاية معها تطول كحكايات شهرزاد ، تتأبط يدها في كل فسحة ، وعندما تفرقهما المسافات في طارئ سفر ؛ تتشابك خطوط اللهفة إليها ، لتعيدها إلى مسقط رأسها " رأس الخيمة " ؛ وكم يشعرونها أولئك العابرون ، كأن هذه المدينة الشامخة بتاريخها تحتويها وحدها : " مررنا بالقرب من رأس الخيمة ، وكانت روحك في سماواتها " وآخرون من الطرافة يبلغونها : " ستزور ابنتي قريبا رأس الخيمة ، كم يسرني استقبالك لها في المطار " وهم ليسوا سوى غرباء لا تعرف عن تفاصيلهم شيئا ، لكنها كم تبتهج للطف رسائلهم في صندوق بريدها الافتراضي ، وهي الوفية لا للروائح فقط ، بل يتسامق وفاؤها الأماكن ؛ ولهذا لم يدهشها مطلقا حينما أشار - المحلل الفسيولوجي- في إحدى محاضرات تحليل الخطوط ، حين أمعن النظر في تركيبة حروفها قائلا لها : " ليلى ، تجدين مشّقة في مغادرة الأمكنة " ؛ لدرجة تدعوها أحيانا إلى ممازحة رفقتها الطيبين من حولها : جدوا لي منطقة حدودية تفصلني عن هذين المعشوقين المعذبين ، اللذين أجهداني في هواهما الشاسع ، كلوحة السوريالي " سلفادور دالي " وحياة زهرته الحمراء المعلقة ما بين لا سماء ولا أرض ..




وأعود متخوّفة انقبض من اقتراحي هذا ؛ فماذا إن وقعت في غرام تلك المنطقة الحدودية لتضيف ثقلها على ظهر قلبي .. !




في الكتابة من هي ..؟!




هكذا واجهتني بفلاش هذا التساؤل الكبير والمهم ، من هي ليلى في الكتابة ..؟!




في الكتابة ، كما في كل يوم إنسانة هي ، لكن وحدها الكتابة حملتهّا عدة هويات ، وعدة مذاهب وأديان ..




في الكتابة هي متعددة ، مجموع ، يستقيل الرقم واحد عن أصله ، في الكتابة اعتقد المصريون إنها مصرية ، وذهب السودانيون إنها شربت من نيلهم ، واللبنانيون أجمعوا على قرار لبنانيتها ، ورفيقاتها الفلسطينيات لا يصدقن سوى كونها واحدة منهن تشاطرهم نبض القدس وأكثر ، ما أكثر الأوطان التي استكانت في أعماقها ، متخبطة مع أتراحها وأفراحها ، تلك المقيدة والمحررة ، المتحضرة والمتخلفة ... تلك وتلك وتلك .. في الكتابة عالميون ، كونيون ، الآخرون ، كل رفقاء القلم وهي ..




ليلى البلوشي




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق