الثلاثاء، 10 مايو، 2011

حين يكون الحاكم مثقفا ..!



حين يكون الحاكم مثقفا ॥!



" جريدة الرؤية العمانية "



عرفنا فيما عرفنا ؛ والأنباء بهولها ، العالمية منها والمحلية ، بفرعيها الفضائي والأرضي تشع حول رجل نال عن استحقاق ألقابا متكاثرة كالجراد ، ولعل من أشهرها من - وجهة نظري الشخصية - لهذا العام هو لقب " أكثر شخصية دكتاتورية دموية لعام 2011م " ..!
ولا أدري لِمَ نوبل لَمْ تخصص لهؤلاء المستثنين في أفعالهم ، جوائزها المعترفة بها في أصقاع العالم ..؟!
فكم هؤلاء أحوج من غيرهم بكثير لمثل هذه الجوائز التي تنفخ مقاديرهم الحقيقية في قلب الجمع ، فذاكراتهم تثمّن الأمور بالكسب الثقيل ، واللقب الأعلى ، والجائزة الأعم ..!
عرفنا فيما عرفنا أن العقيد " القذافي " ، بعد أن احتشد وجرّ خلفه ما جرّ من أعجب وأعلى الألقاب رنينا في الكون ، لم يكتف بما أضافته إليه ماضي تلك النياشين ، ولم تشفع طموحاته كتاب واحد رغم قدسيته ، المدعو بجلال قدره " الأخضر " ؛ فها هو يفتح النار على وجه مشتعل من جوانبه التي ألهبها أكثر بقنابل وصواريخ ومدرعات موجهة فوهتها لرأس الشعب الليبي العازل بشبابه وشيوخه ونسائه وأطفاله الرضع ، ها هو اليوم يذّكر العالم أنه كان " كاتبا مثقفا " ؛ فلقد قدم للعالم في عام 1993م كتابه القصصي المعنون بـ " القرية .. القرية .. الأرض .. الأرض " ، لاحظوا أن اسم المجموعة طنانة على وزن كلماته الشهيرة " زنقة زنقة .. شبر شبر " ، هذا الكتاب الذي نفخ فيه النقاد في وقت صدوره حتى غدت موهبته خارقة بحجم صهريج ضخم ، ومن تباهي كماله أقعد على ظهر القمر ، بينما تحاط به وصيفات من النجوم البراقة ..!
ولأن الأديب " القذافي " صاحب الحسب والنسب والمجد والثورة والمؤلف والمثقف ؛ فقد ترجمت هذه المجموعة إلى لغات عالمية عدة ، دون أن يفوتنا إخباركم أن رجلنا من كرمه الطافح المشهود به في محافل ممتدة بامتداد خارطة هذا العالم ، ترجم تلك الكتب على نفقته الخاصة ووزعها ..!
ويا لها من مصادفة ، حين نعلم أن الزعيم الصيني " ماو تسي تونغ " كان هو الآخر شاعرا مرهف الحس ، و" زين العابدين " كان فيلسوفا وصاحب فكر ونظريات وثقافة ..!
هذه الجوقة وغيرها ؛ ممن جامعوا وخالطوا ما بين " الحكم السياسي " و" الفكر الثقافي " ؛ كيف كان العلم ومعارف الفكر في عهودهم ..؟! هل كانت حالة الفكر والأدب بشتى فنونه في أتم وأكمل حالات انتعاشها ..؟!
لدرجة يمكن أن تعيدنا إلى عهود رخاء العلوم والمعارف والفلسفة مما كان عند الخلفاء العباسيين والأندلسيين حينما كان وزن الأدب يماثل وزن الماس بل و أغلى ؛ " بغداد " زمن العباسيين وحكامهم ؛ كانت أهم مدينة في العالم العربي ، إذ بنيت بها مئات المساجد وعشرات القصور الفخمة وتكاثر بها التجار والصناع ، وكان لكل طائفة منهم شارع خاص أو سوق خاصة ، فهذا سوق العطارين ، وذاك سوق الصيارفة مستبدلي النقود ، وذاك سوق الوراقين ، وهذا سوق بائعي الحلى والطرف المعدنية وغيرها ، وأمّها المغنون والمغنيات ، ونزلها الأدباء والعلماء من كل صنف وعلى كل لون ، فزخرفت الحياة هذا في عهد " المعتصم " ، بينما في عهد " المأمون " الذي كان شغوفا بالفكر والمعرفة ؛ غدت الدولة العباسية من أزهى العصور ، ولم يكد يستقر مقامه في بغداد ؛ حتى جعل من مجلسه ندوة علمية كبيرة يتحاور فيها ويتناظر الفقهاء والمتكلمون والعلماء من كل صنف ، وكان يستدعيهم من أقطاب مختلفة فلم يكن يعيبهم اختلاف الآراء والمذاهب والمثل ؛ بل كان ينعش فكرهم ويثري أفئدتهم ، وفي عهد " الرشيد " أقامت الدولة مكتبة ضخمة هي دار الحكمة وعنيت فيها أشد العناية بالكتب المترجمة التي تحمل كنوز الثقافات الأجنبية ، وكانت جامعة كبرى لطلاب العلم والمعرفة ..
لأن حكامهم آمنوا بأهمية العلاقة ما بين تطور المجتمع والمثقف والمفكر والعالم في مجتمع واحد تتوحد فيه قيم المعارف المتباينة كأنهار متفرقة في مجاريها فتصب في محيط واحد ويغتذي من خيرها كافة الخلق على اختلاف مشاربهم ، تلك المعارف التي شرعت لها جموع الأبواب والشرفات والنوافذ ؛ كي تستنشق هواء نقيا ، كفيل في معافاة رئاء الحروف وانتعاش أدمغة الكلمات ، ودفع العبارات بحيوية في عمق النفوس ..
لكن المدهش حقا ؛ بالوقوف على أحوال فكرنا العربي وثقافتها ؛ فلن نرى سوى خرائب متداعية ؛ تثبت حقيقة مفزعة هي أننا أمة تتراجع زمنيا إلى الوراء في تخلفها الفكري والديني والاجتماعي والسياسي ..!
فنحن لم نشهد في عهود " القذافي " أو " ماو تسي تونغ " وغيرهم ؛ هؤلاء الحكام السياسيين المثقفين الأدباء سوى ركلا لكل ثقافة من شأنها أن تعلي من همم الشعب ، وتثري من حماسة الشباب وتناهض قيم المجتمع بكافة طوائفه ، لم نجد سوى مشاحنات ، وجدالات عقيمة عن اختلاف الشعوب في وطن واحد بمذاهبهم وقبائلهم ، وكأن هؤلاء كان يحضّرون ثقافاتهم من أجل توسيع هاوية الاختلافات بين أبناء الشعب الواحد ..!
وبما أن الوضع الليبي على أشده من الاحتراق ؛ فقد حشدت مجلة " بانيبال " ملفا خاصا في عددها تناولت فيه مدى معاناة الكتاب الليبيين الذين زّج معظمهم في سراديب مظلمة ، استطالت أعوام حبسهم من عشر إلى عشرين عاما بتهمة " قلم حق " خاصة الكاتب " راشد السنوسي " والذي لقبه البعض بـ " أمير الثورة الليبية " وهو شاعر كان سلاحه مداد ، حيث رأى فيه نظام القذافي سلاحا خطيرا يهدد وجوده ، فكان القرار بعزله وسجنه ومحاولة قتل قلمه ..!
" حكام في مرتبة مثقفين وأدباء " ؛ يالها من نكتة سمجة فاغرة السخرية ..! وهم أنفسهم كانوا أعداء الفكر والثقافة ، سهام مرمية بمهارة إلى فؤاد كل مثقف ، كان يناشد قلمه صوت الحق والحرية والكرامة وأحقية كل مواطن في خبز شريف وإرساء العدالات الاجتماعية ، وعلى مدى حكمهم المغبون طوال تلك السنوات ما تزال أصوات الحق نفسها تتعالى في مشارق الأرض بمطالب ظلت بذورا ما شامخت أشجارها بعد ؛ فكلما استطالت الحياة فيها قليلا قطعتها فؤوس حاقدة ، فؤوس جنّدت لأداء هذه الخدمة خصيصا دون أن يشغلها أي شاغل سواها ؛ فكم كانت شعوبهم أسلاخ جثث مدلية من قطافها فقيرة اللحم والكرامة والعدالة والحرية والثقافة ؛ يصدق عليهم قول شاعرنا العربي " نزار قباني " الذي قال : " مضت قرونٌ خمسةٌ / ولا تزال لفظةُ العروبة / كزهرة حزينةٍ في آنية .." ..!
ولا مثال أقرب من دولة شاطرت بنبل ما بين سياستها وفكرها المثقف في عصرنا الحاضر المعاصر من إمارة " الشارقة " العاصمة الثقافية لدولة الإمارات العربية المتحدة ، فهذه الإمارة تعطي لكل عابر وزائر ومقيم ومواطن شكلا من أشكال الثقافات الممتدة المتجذرة بعمق في أراضيها ، تحت راية حاكمها صاحب السمو الشيخ " سلطان بن محمد القاسمي " عضو المجلس الأعلى حاكم إمارة الشارقة الذي كرم مؤخرا الفائزين بجائرة الشارقة للثقافة العربية في دورتها التاسعة بباريس ، هذه المدينة التي زاوجت ما بين السياسية والثقافة في أرض واحدة ، في عصر قلّ أن نجد حاكما عادلا ما بين فكره المثقف وما بين فكره السياسي ، لكن تجربة الشارقة ، وهي المدينة التي تهتف مرحبة لكل زائريها قائلة لهم بحب : " ابتسم وأنت في الشارقة " ، ولا نملك سوى أن نبتسم في وجه مدينة حاضنت بصدق كبير وإيمان عميق الفكر والثقافة الكرامة والحرية والعدالة والإنسانية ..
ولا نقول : الشعب يريد حاكما كاتبا مثقفا ..!
كي لا نزيد الكال ما لا يحتمله من مطالب ، بعدما تعثّر أكثرها في مصب الوعود ..
بل نقول : الشعب يريد حاكما يحترم الفكر والثقافة ..
بلا مصادرة ، ولا حجب ، ولا حبس على ذمة كتاب ، أو نشيد حق ، أو معزوفة عن الحرية من مزمار شيخ كبير وسط حشد من الأطفال ..!

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق