الأحد، 15 مايو، 2011

ليلى البلوشي في حديث عن المشهد القصصي الجديد في الإمارات






المشهد القصصي الجديد في الإمارات




عثمان حسن / جريدة الخليج القسم الثقافي




14 / 5 / 2011م




الإطلالة على المشهد القصصي الجديد في الإمارات يحمل في طياته كثيراً من الأسئلة القلقة لجهة تعدد مصادره وتنوع تناولاته وانشغالاته، ولجهة ما يحمل من هموم خاصة بوعي الجيل الجديد الذي اختزل العالم في بوتقة مشكلاته الكونية من سياسية واقتصادية واجتماعية، وأيضاً بتلك المعرفة التي ازدحمت إلى حد طرح الأسئلة المقلقة .







وإذا كان هذا الاستطلاع اقتصر على بعض الأسماء الجديدة من القاصات الشابات، فإن الموضوع على تشعبه يكاد يلخص مرحلة أخذت حيزاً كبيراً من اهتمام المبدعين بصرف النظر عن جنسهم سواء كان الكاتب رجلاً أو امرأة، وهو ما التفتت إليه الناقدة الأكاديمية زينب الياسي التي قدمت مداخلة مهمة في نهاية الاستطلاع .







تروي ليلى البلوشي تجربتها منذ إصدار مجموعتها القصصية الأولى “صمت كالعبث” التي صدرت قبل ثلاثة أعوام في مصر، بنوع من التشويق فتؤكد أن هذه المجموعة كانت تحمل حال إعدادها هاجساً يمر به معظم الكتاب الشباب، وهو هاجس إصدار “كتاب”، وقالت اعتلى هذا الهاجس فكري كما توسمت مسألة مكانة هذا الكتاب الذي أصدره وقيمته وسط زوبعة تأليفية إصدارية تضخها أقلام جمة، ولهذا حينما طبع الكتاب اتبعت طريقة الكاتب “بورخيس” حينما نشر أول إصدار له في حياته، بتوزيع معظم النسخ مجاناً، بوضعها في جيوب معاطف الموظفين والعاملين في المكاتب، وفي يوم سأله مديره الذي وجد في جيب معطفه كتاباً: لا تقل إنك تبيع هذا الشيء؟ فرد عليه بورخيس: لست مجنونا، كي أبيع كتابي الأول .




وتضيف البلوشي “في الكتابات الأولى، غالباً ما يضخ الكاتب معظم القضايا التي كانت تلح عليه، أو يسعى حثيثاً في رحلة البحث عن أجوبة لتساؤلات أرقت عالمه، والوسائل تتفاوت عن طريق جرعات من الخيال يتكئ عليها الكاتب، كي يضع أفكاره أو حفنة من المبادئ أو فضاء فلسفياً مشرعاً هو الآخر على فضاءات عدة لا نهاية لها” .






وتعرّف البلوشي الفن القصصي فترى أن الزمن سيكشف للكاتب أن الفن القصصي هو فن اختزال، يطرح قضية ما، من دون أن يضطر إلى تقديم حلول أو نتائج أو حتى تحليل موسع، بل يكتفي في كثير من الأحيان بالدوران حول القضية كأنها متاهة من دون أن تقوده إلى نهاية النفق، وهذا ما يربك القارئ، وما يثير فيه انفعالات متكاثرة، تعطّش لديه مغزى العمل الفني المعروض عليه، وعندها تكون القصة قد فعلت مفعولها فيه، وهو ما يريد الكاتب أن يصل إليه من وجهة نظري الشخصية .





وتعتقد البلوشي أن “حياة الكاتب هي عبارة عن مخزون غني بالتفاصيل، ما يعيشه الكاتب على أرض الواقع سرعان ما يتحول تلقائيا إلى خبرات، تتكاثف فيه، تعصره، تقوّلبه، تكسره شظايا ثم تعيد لمّ نفسها، مثله مثل أي شخص لديه مخزون تجارب، لكن الفارق هو أن الكاتب يوثق تجاربه في سجل كتابي، بينما العادي يكتفي بعبورها لقسط من الزمن، ثم تنتهي ليكمل من بعدها مشواره في الحياة كأن شيئا لم يكن، بل إن علاقة الكاتب مع الأشخاص ليست كعلاقة الأشخاص العاديين بأشخاصهم، فالأشخاص في قائمة حياة الكاتب هم “حقول تجارب” إن عني بذلك على وجه التحديد أم لم يعن” .





وتضيف البلوشي: “ليست القراءة وحدها تكفل للكاتب ثقافته عن الأشخاص، بل غوصه في خضمهم، التقرب منهم، التحدث معهم والنزول إلى مستواهم، فالذي يكتب عن المعدمين لا يكتب عنهم بالطريقة الجيدة، إلا إذا نزل إلى مستوى تلك الحالة الشخصية التي يسجل عنها شواهده، وتضيف “ألم يقر البعض بأن المرأة الكاتبة إن لم تتحرر من دائرة جنسها، فإنها لن تستطيع الكتابة عن الرجل . .! نعم، الأمر على هذا النحو المرأة الغارقة في عالمها لا يمكن لها الكتابة عن الرجل إلا بالتبحر حول طبيعته وسماته وخصائصه التركيبية، تتحرر من ذاتها وتتقمصه والعكس صحيح، كما حدث مع “غوستاف فلوبير” حينما كتب “مدام بوفاري”، وكما عايش “ليو تولستوي” رائعته “آنا كارنينا” وهو يعرضها لقرائه في صورة مشوقة، لدرجة يصعب على المرء التصور أن “آنا كارنينا” كاتبها رجل وليس امرأة” .






أما بشأن القواسم المشتركة ما بين جيلها والأجيال السابقة، فترى البلوشي أنه يمكن القول إن القصة تأتي منكّهة بتوابل، وتوابل اليوم تختلف عن توابل الأمس، فالعالم تتضارب فيه الاختلافات، وهذا يعكس هويتين مهمتين يتكون منهما كيان الإنسانية هما المجتمع والأفراد المنتمون فيه، واليوم كل شيء من حولنا ارتدى طابع التغيير حتى أطعمتنا لم تعد كما كانت في عهدها السالف لا في مذاقها ولا في رائحتها، وإن اتبعنا طريقة الإعداد والمقادير عينها، وهنا سيقف الفرد من الجيل السابق معترضاً واجماً على الطبق الأصيل الذي فقد أصالته العتيقة التي طالما تعودّ عليه لسانه، والاعتراض ليس منه على وجه الخصوص، بل من ذاكرته التي راكمت ما راكمت من سنوات فظل وفياً يحن ويتقبل فقط ما توافق عليه جيله، في المجال القصصي من الممكن أن أتبع أسلوب القدامى في كتابة نص قصصي فغالبا عناصر القصص هي نفسها، لكن لا ولن يأتي على الشاكلة نفسها، لاختلاف الرائحة والذاكرة، فلكل جيل رائحته وذاكرته، ومن هذين العنصرين تتشكل عوالمنا الداخلية انطلاقا إلى عوالمنا الكتابية” .





عائشة عبد الله التي صدرت لها مؤخرا مجموعة قصصية تحت عنوان (اعتراف، اعتراض، رجل) التي تبحث في هموم وقضايا الإنسان الذاتية، كما سبق لها إصدار مجموعة بعنوان (أوراق امرأة) اعترفت بأنها استفادت مما كتبته القاصات الإماراتيات الأوائل على الأقل ما نشر في غضون السنوات العشر الماضية، وهي تؤكد أن تجربتها في الكتابة وازنت بين حفاظها على الموضوعات والثيمات التي سبق طرحها، ولكنّ ذلك تم توظيفه أو إسقاطه على الواقع الراهن وبوعي من تجربتها الشخصية في تناول الموضوعات وبناء الشخصيات واختيار الحبكة والحلول الدرامية، كما أكدت عبدالله أن الهموم الجمعية لا تزال من الموضوعات التي تحفز الكاتبة المرأة على تناولها، وأن التحدي الجديد يستوجب عدم الاستغراق في المحلية، التي كانت ضاغطة “ربما” في سنوات سابقة، وقالت آن الأوان للاستفادة من هامش الحرية المتاح .






أما عن انشغالاتها الجديدة فهي تدور حول موضوع طريف يتعلق بمشروب القهوة، الذي تعتبر أنه بمثابة “هوس” يسيطر على الأغلبية العظمى من الناس وبالأخص الكتّاب، حيث ستقدم صورا متعددة من القصص المصاغة برؤية جديدة في هذا المجال .





في السياق ذاته، ترى صالحة عبيد أن الزمن الحالي قد اقترح موضوعاته بصورة طبيعية فنحن قلما نجد أدباً معاصراً لا يكترث بالتفاصيل البسيطة التي تتعلق بهموم الناس المعاصرة، بل يجب على الكاتب والقاص بوجه خاص أن يتمتع برؤية ثاقبة تجاه ذلك الجانب المخفي في مجتمعه، أما بالنسبة لاشتغالاتها هي، فترى عبيد أنها معنية بترجمة مثل هذه التفاصيل في قصصها، كما تلتفت لما سبق تناوله من موضوعات اجتماعية ولكن، بمعالجة مختلفة وبأسلوب جديد يعير اهتماماً أكثر لبنية السرد، وترى عبيد أن المعالجة القصصية تختلف عما تعالجه الأجناس الأدبية الأخرى مثل قصيدة النثر، فهي تهتم بالحادثة وتغوص في تفاصيلها وتتحرى أن تكون المعالجة بلغة جديدة، من وحي قراءاتها لمدارس عدة، فاللغة بالنسبة لها ليست جامدة ويجب أن تتطور، فهي استفادت من تقنية الصورة التي وفرتها التكنولوجيا الحديثة وغالبا ما تقترح أكثر من توجه تجريبي في صياغة القصة، وفي إطار رصدها للأحداث المعاصرة بوصفها أحداثاً جديدة في الساحات العربية فإن عبيد ترى فيها ما يمكن أن يشكل مادة قصصية تستثمرها في كتاباتها اللاحقة .


وقد أصدرت عبيد مجموعتها القصصية الأولى “زهايمر” عن مشروع قلم كما تعد لواحدة جديدة ستصدر قريباً .





وتعبر القاصة مريم الساعدي عن وعي مبكر في كتابة القصة، ويشعر من يقرأها بأنه أمام كاتبة مثقفة معنية بتناول التفاصيل في هامش إنساني غير محايد، ومثل هذا المنحى الفلسفي بدا جلياً في مفتتح مجموعتها القصصية (أبدو ذكية) حيث قالت “ما هذه الحياة سوى سطح أملس هائل، نمضي العمر محاولين السير عليه بثبات واستقامة، فإذا بنا نقضي الوقت منزلقين متدحرجين متسلقين . . إلخ) .





(أنا والكتابة) واحدة من مقالات مريم الساعدي المنشورة على أحد المواقع الإلكترونية تقول فيها: (الكتابة . . . هي المكان الوحيد الذي أعرف إني أستطيع أن أكون فيه على حقيقتي . من دون رتوش، من دون أقنعة، من دون محاولات لأن أبدو أجمل لأكون مقبولة ومحبوبة ومرغوبة، في الكتابة أكون كما خلقني الله من دون أن يجعلني هذا شخصاً منبوذاً، مترهلاً، صادماً وخارج السياق ومن دون أن أهتم لو جعلني كذلك .أعتقد من المهم جدا أن يجد الإنسان مكانا ما يستطيع فيه أن يكون نفسه، فقط نفسه من دون أن يتلفت في كل الاتجاهات خوفاً من عيون تحدق مستنكرة أو شفاه تُقلّب مستهجنة، بالنسبة لي وجدت الكتابة مكانا أنسب، ولكن ما أهمية أن أكون نفسي بالنسبة للقارئ، ربما فقط من خلال كينونتي على الورق يجد القارئ نفسه أيضاً، وأعتقد هذا أمر بالغ الأهمية) .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق