الثلاثاء، 4 أغسطس، 2009

تشكيلية الصورة القصصية وبصرية العلامة عند القاصة ليلى البلوشي



تشكيلية الصورة القصصية
وبصرية العلامة

د. محمد صابر عبيد

تنهض بنية القصّ في مستوى أصيل ومركزي وحيوي من مستويات حداثة صنعتها على فعالية التشكيل الصوري، ولاسيما حين تشتغل القصة على تفعيل الحسّ الأنثوي ببلاغته الإيروتيكية الظاهرة أو المتخفيّة، إذ يتمرأى الجسد في الصورة وهو يعمل على تجسيد الرؤية وتوسيع حدود المجال الصوري للأشياء والتفاصيل والظلال والتخوم .
قصة ((الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ)) للقاصة ليلى البلوشي من مجموعتها القصصية الموسومة بـ ((صمت كالعبث))(*) تفيد كثيراً من فضاء الرؤية القصصية السابقة، وهي ترتهن بمثول الحسّ الأنثوي ببلاغته المتشظية في أكثر من اتجاه بين يدي زمنية فعل القصّ، لترسم تشكيلية صورتها في ميدان السرد، وتفعّل بصرية العلامة فيها من أجل اللعب على إشكالية حضور الزمن وغيابه .
عتبة عنوان المجموعة القصصية ((صمت كالعبث)) المبنية بناءً بلاغياً تشبيهياً يشبّه ((الصمت)) بـ ((العبث))، ينطوي على مفارقة ظاهرة بين حركية العبث وثبات الصمت، غير أن شعرية التشبيه تتمظهر من خلال كشف الغطاء الحاجب للصمت بدلالة العبث الموازية، إذ تنبثق دلالة جديدة تقود الصمت إلى الحركة الصاخبة التي تأخذ من العبث صورة الاضطراب الحركي المنفلت، أو أن العبث يتحجّم لينتهي إلى ثبات يناظر معنى الصمت، في مقاربة جدلية تتنوع فيها دلالة الحركة والثبات وتتغيّر بحسب حساسية القراءة التي ستنتهي إليها قراءة قصص المجموعة .
واستناداً إلى مغزى عتبة العنوان هذه ورمزيتها فقد تناثرت في فضاء المجموعة شبكة من عتبات أخرى، تقديماً وإهداءً واختتاماً، في السبيل إلى دعم عتبة العنوان وتكثيف حضورها السيميائي والرمزي والتشكيلي في القصص جميعاً .
عتبة التقديم تسعى إلى مقاربة جدل السكون والحركة والصمت والصوت، المنبثقة أساساً من جدل ثنائية عتبة العنوان ((صمت كالعبث)) الضاربة في دائريتها الدلالية، وعتبة التقديم مأخوذة من توماس مرتون بالنصّ الآتي:

((أبق ساكناً، أنصت إلى أحجار الجدران .. أبق ساكناً، وحاول أن تنطق اسمك
في الصمت))

وهو نصّ ينهض على مقولة يطلقها راوٍ محاوِر ويوجهها إلى آخر محاوَر ينتظر نصيحة ما للخلاص من أزمة يعيشها، فشبكة الأفعال الأمرية المؤلّفة للسياق (أبق/أنصت/أبق/حاول)) تتجه نحو مفردات صمتية مهيمنة على فضاء المقولة ومحرّكة لفعالياتها ((ساكناً/أحجار الجدران/ساكناً/الصمت))، غير أنّ الفعل المؤوّل ((أن تنطق)) يخرق حجاب الصمت ويحرّض عبر ((اسمك))، بكل ما تعنيه دلالة الاسم من مرجعيات أسطورية ودينية وثقافية ورؤيوية تعريفية، لينبثق الصوت الاسمي محطماً للسكون، ومضاعفاً لإيقاع أحجار الجدران، وخارقاً للصمت، بحيث يسهم الاسم المنطوق وكأنه المفتاح السحري الذي يحوّل الصمت إلى عبث حركي لا يمكن إيقافه .
تمضي عتبة الإهداء في السياق ذاته لتحاكي على نحو ما عتبة العنوان وتخصبّها وتضاعف خصوصيتها التعبيرية والتشكيلية:

((إلى العبث الذي علّمني العبور إلى الحكاية بلذّة الصمت ..))

إذ تحضر مفردة ((العبث)) ومفردة ((الصمت)) بتشكيل جديد، يعطي للعبث موقع المعلّم للذات الراوية ((الذي علّمني))، وهو يفضي إلى مضمون التعليم وصورته ((العبور إلى الحكاية))، إذ تتجسّد فكرة الحركة الناقلة من ضفة إلى ضفة ومن مسار إلى آخر، وحين يكون المسار والآخر والضفة الأخرى ((الحكاية)) فإن الفكرة الحركية تغتني اغتناءً سردياً، وتتصل فوراً بالأداة ((لذّة الصمت)) وهي تنتقل بالصمت من حالة السكون والركود والثبات إلى أقصى الحركة والدينامية والفعل بدلالة اللذّة .
أما عتبة الاختتام التي تقفل بها القصص حفلها السردي:

((أحرقني كي أضيء))

بديل فإنها تنطوي على رمزية إيروتيكية مثيرة، تتمظهر بين فعل الاستدعاء المشحون برغبة إيروتيكية عالية التدليل، وفعل التحصيل الأنوي ((أضيء)) بعد الأداة الناصبة المحوِّلة ((كي))، لترسم صورة سردية تقوم على تشكيل جسدي يوحي بحصول فعل خارق انتهى فيه الحريق إلى ضوء ونور وبهجة وفرح .
تستهلّ قصة ((الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ)) ـ بمضمونها العنواني الذاهب إلى تجلية الحسّ الأنثوي بفضائه الإيروتيكي الواعد ـ، حفلها السرديّ بمنطق أمري يقتضي تغيير وضع جسدي ما إلى وضع آخر :

"ابتسمي" ..
هكذا أشارت عليها المصوّة الفلبينية بعد أن سلّطت على مساحة وجهها الأضواء
الكاشفة ..
تبع ابتسامتها خاطر مخاتل "ستكون الصورة هذه المرّة مختلفة .. سأبدو فاتنة ..
نعم .. سأبدو فاتنة"

إذ إنّ تغيير وضع الفم إلى حالة الابتسام بحسب الإشارة الصادرة من المصوّرة الفلبينية يؤكّد استجابة جسدية تقليدية من أجل الوصول بالصورة إلى أكثر حالة مثالية ممكنة، ثم ما يلبث أن يتعرّض الجزء الأوسع من الفم ((مساحة وجهها)) إلى الضغط الضوئي للمساعدة في إنجاز المهمة ذاتها .
على النحو الذي تتحقق فيه فوراً الاستجابة التي تنطلق من قاعدة الجسد وإغراءاته عبر الخاطر المخاتل الذي رافق الابتسامة المطلوبة، وأنتج إحساساً مختلفاً ضاعف من قدرة الجسد على الإغراء ولفت الانتباه ((سأبدو فاتنة .. نعم .. سأبدو فاتنة))، في حوار مخاتل أيضاً بين فضاء الصورة وحقيقة الجسد عبر علامة الوجه والابتسامة .
ينتقل الراوي كلي العلم من عتبة الاستهلال إلى عتبة التوغل في تاريخ الصورة أو سيرتها في المشهد القصصي، ليروي جزءاً من ذاكرة هذه الصورة وهو يتجوّل في إحساس صاحبة الصورة في بحثها عن جمال صوري، يضمن لها جمالاً مُتمنّى يبلغ حدّ الفتنة ((سأبدو فاتنة/سأبدو فاتنة))، بوسعه أن يجعلها قابلة لأن تكون موضع قبول وإغواء من طرف الآخر (الذكوري) المقصود منذ عتبة العنوان :

وسوس داخلها بذلك .. بعدما طلبت منها المصورة أن تدير جسدها نحو اليسار
وترفع كتفيها قليلاً..خضعت لها بينما حملها خيالها إلى ومضة أول صورة شخصية
في حياتها .. يومها أيقظها والدها مبكّراً .. كي تلتقط صورة للجواز .. ومشيا معاً
إلى يمين الشارع العام بينما النوم كان يعبث بوجهها .. وكلتا كفيها كانتا تتناوبان
على خنق تثاؤب كان يستفزّها بين فينة وأخرى .. اقتعدت كرسياً مترهل الجلد بلا
ظهر ولا أذرع .. والدها يصافح "شفيق" المصوّر الهندي.. طلب منها أن تنظر إلى
الكاميرا بشكل مستقيم..وهو يتلو عليها بلغته المكسّرة تاريخ الصور العريض الذي
التقطه لها وللعائلة وللحيّ كلّه ..
وبعد مرور خمس دقائق كانوا قد تسلّموا الصورة ..
"ستكون عيناها ناعستين .. وهالات سوداء خانقة حولهما بدتا كأطلال شبحين ..
طلبت أن تعتدل في جلستها .. وأن تشدّ ظهرها جيداً ثمّ سلطت الأشعة الضوئية
ذاتها ..
"تبّاً لشفيق .. ولأيام شفيق" ..
قذفت لعنتها في سرّها له بينما كانت تنقد بابتسامة واسعة العربون للمصوّرة
الفلبينية ..
***

فجملة ((حملها خيالها إلى ومضة أول صورة شخصية في حياتها)) تعود بالشخصية الأنثوية الخاضعة لسلطة الصورة، إلى تاريخ الصورة وسيرتها لبناء هيكل الإحساس وتشييد رؤيته في المشهد القصصي، بوصفه الأداة الفاعلة في تركيب المقولة الأنثوية التي تسعى القصة عموماً إلى تقديمها إلى المتلقي .
الجسد هنا يخضع للضغط والتعديل من أجل أن يتهيأ وضعه للوصول إلى أمثل حالة لبروز جمال الوجه وفتنته، على النحو الذي يمكنه تحقيق أكبر قدر ممكن من الإغراء والإغواء والإثارة، ويتمثّل ذلك عبر الإشارات الآتية ((وسوس داخلها/تدير جسدها نحو اليسار/ترفع كتفيها قليلاً/خضعت لها/يعبث بوجهها/كلتا كفيها كانتا تتناوبان/اقتعدت كرسياً/ ستكون عيناها ناعستين .. وهالات سوداء خانقة حولهما بدتا كأطلال شبحين/تعتدل في جلستها/تشدّ ظهرها جيداً/ابتسامة واسعة))، وكلّها إشارات تشتغل على مناطق الجسد من أنحاء وزوايا مختلفة، لكنها تسهم في ترتيب وضعه من أجل غاية واحدة تتمثّل في حشد ما أمكن من طاقات الجسد لتقديمه كما يجب عبر الوجه في الصورة .
يلعب الزمن هنا لعبته في صياغة أنموذج تلقّي الصورة المنتظرة على النحو الذي يُلهب الحماس الإيروتيكي ويفعّله، حين تتحوّل الصورة (صورة الوجه) إلى بصري عن الجسد وممثّل له في منطقة الآخر الذكوري، فتصبح مصدر قلق لصاحبتها لا يمكن أن يتوافر لها الاطمئنان من دون أن تراها وتثق بفتنتها :

لم تستطع النوم .. ظلّ أرق الصورة يلغم حواليها أطيافاً من القلق .. حتى غلبها
غلس طفيف .. تفقأ على ضجيج المنبّه .. هرولت بعد أن غسلت وجهها وارتدت
ملابسها على عجالة إلى الاستديو بينما غفير من الكوابيس كان قد تسلّق عقلها حتى
غدا كصهريج عائم ..
ولمّا تسلّمت الصورة خفق قلبها وارتعشت حنجرتها فرحاً: "ياااه .. أهذه أنا؟"
كانت بين فينة وأخرى تسترق النظر إلى الصورة وهي في طريقها إلى المنزل ..
ومع كلّ نظرة تعقّب بكلمات تغمرها نشوة "ما أجملها".. "لا بدّ أنها ستعجب الجميع"
"سينبهرن بها صديقاتي" ... إلخ ..
قربت الصورة من صدرها معانقة إياها .. وهي تتذكّر صديقتها منال .. "يا ترى
سيكون حظي كحظها .." منال هي أول وجه التقطتها عدسة تلك الفلبينية .. ومن
حسن حظها أنها في الأسبوع ذاته تقدّم لخطبتها شاب وسيم خفق قلبه هياماً حين
وقع نظره على الصورة ..
"سيشاهدها الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ .. وسيخفق قلبه كذلك" .. قالت ذلك بخفر
بينما قهقه داخلها بنشوة ..
***

إن المقدمات الانفعالية والعاطفية التي سبقت تسلّم الصورة ورؤيتها تنبىء عن حساسية نوعية بالغة الخصوصية حيال العلاقة بينهما، على النحو الذي تحوّل فيه اللقاء بالصورة وكأنه لقاء بالجسد في تطلعه وحالته المتمناة، بحيث تجلّت وضعية الانبهار عن استغراب وكأن الرائية للصورة ترى شخصية غيرها ((ولمّا تسلّمت الصورة خفق قلبها وارتعشت حنجرتها فرحاً: "ياااه .. أهذه أنا؟"))، فخفقان القلب وارتعاشة الحنجرة الفرحة والصيحة الاستفهامية المتعجبة من أنويتها في الصورة، تحقق نوعاً من المفارقة البصرية بين الصورة ومعرفة الذات على حقيقتها .
لذا فإن الصورة أصبحت هي البديل واستعاضت بها الفتاة عن جسدها، وبدأت تشتغل عليها في إطار لفت انتباه الآخر الذكوري وإغوائه وتوريطه، لا سيما وأن هذه التجربة سبق وأن نجحت مع صديقتها ((منال)) حيث التقطت لها المصورة الفلبينية صورة، وتمكّنت هذه الصورة من تحقيق المراد ((في الأسبوع ذاته تقدّم لخطبتها شاب وسيم خفق قلبه هياماً حين
وقع نظره على الصورة ..)) .
إن جملة ((حين وقع نظره على الصورة ..)) توحي وترمز إلى أن الصورة هي الأساس في إنجاز الحلم في اللقاء المصيري مع الآخر الذكوري، وهو ما يضاعف من مشاعر وأحاسيس بطلة القصة في أن تحقق حلمها، بعد أن تؤدي صورتها الوظيفة المصيرية التي سبق لصورة (منال) أن أدّتها بعد أن صورتها المصورة الفلبينية .
تنتقل القصة انتقالة زمنية محسوبة بدقةّ تمثل نصف عقد زمني ((خمس سنوات))، لتعيد إنتاج الحال السردية عبر رسم الصورة ذاتها، حيث تتغيّر كلّ الأشياء من حولها بما فيها صورتها ومصوّرتها بقوّة هذه السنين الخمس :

حرصت على هندامها جيداً .. غدا وجهها أكثر امتلاء .. وعينيها أكثر انبهاراً
بخطوط الآي شدو حسب الموضة الدارجة.. كثّفت طبقة البودرة وأضفت رشّة
من البلاشر المخملي وصبغت الشفتين المكتنزتين بلون زهري لامع ..
اقتعدت الكرسي ذاته قبل أكثر من خمس سنوات.. حتى أن المصورة الفلبينية
تكتّل جسدها امتلاءً مغرياً .. وطال شعرها الكثّ المنتصب حول كتفيها كشال
حريريّ ..
رعشت رعشة انبهار .. كلّما تأملت الصورة ..
وظلّ انبهارها يردّد "الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ ستبهره الصورة بلا شك" ..
***

إن جملة ((غدا وجهها أكثر امتلاء)) زائداً جملة ((المصورة الفلبينية تكتّل جسدها امتلاءً مغرياً))، تعكسان معاً أنموذجاً جسدياً لفعل الزمن لا يخلو من تفعيل ما للحس الإيروتيكي الماثل في القصة، ومع تغيّر كلّ شيء بمرور هذا الزمن إلا أن الإصرار على تشغيل الصورة بوصفها أداة للإغواء والإغراء والإثارة تبقى ماثلة كما هي، من دون أيّ حساب لآلة الزمن الضاغطة وهي تفعل فعلها في العناصر والأشياء والثوابت والمتغيرات .
إذ إنّ الجملة الوصفية اللافتة ((رعشت رعشة انبهار .. كلّما تأملت الصورة)) توحي بثبات إحساس البطلة عند خط شروع القدرة على الإبهار عبر الصورة، على النحو الذي تتحوّل فيه الصورة إلى بديل عن الجسد والحياة والأمل والتطلّع والمستقبل، وتصبح هي مركز الفعل والسرد والاستقطاب والاستحواذ والتشكيل .
ومن ثمّ يسمح الفضاء الوصفي والسردي والحواري المونولوجي لاستظهار اللازمة السردية المتنوّعة (("الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ ستبهره الصورة بلا شك"))، وتشغيلها ضمن نسق تعبيري وأدائي ثابت بإزاء كل المتغيرات، بحيث تبقى ((الصورة)) هي العلامة الجوهرية للمراهنة على بقاء الأشياء كما هي، في إطار قوّة التمسّك بالفكرة المركزية التي توجّه الأدوات وعناصر التشكيل نحو تحقيق الحلم .
في تطور زمني آخر للقصة تمضي البطلة في رحلتها قُدُماً مع (الصورة) من أجل الوصول إلى حالة الإنجاز المصيري في بلوغ منطقة الآخر الذكوري، إذ تتجلّى الطبقة الزمنية الجديدة عن تغيّر عميق في المكان والجسد، لكنّ الصورة تبقى بحكم فعاليات الإخفاء والتجميل والتزيين قابلة للإبهار في فضاء الحلم والمتخيّل :

تغيّر الاستديو قليلاً عن السنوات المنصرمة.. عن آخر زيارة لها منذ ثماني سنوات
.. لمست ذلك وهي تتأمل روعة الأرضية الرخامية اللامع .. والأضواء غدت أكثر
إشعاعاً وهي تتدلّى كقطوف عنب في قاع السقف .. والجدران صقلت بورق مزركش
ولكل جدار من الجدران الأربعة طابع خاص .. وبدت الفلبينية أسمن .. وقد ترهلت
رقبتها قليلاً وبدت عينيها أكثر ضيقاً كحبتي زيتون ..
نظرت لبؤرة العدسة بعدما تأكدت من وضع الكريم الذي يخفي آثار التجاعيد المبكّرة
حول العينيين والفم ..
" الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ .. ستعجبه الصورة .. نعم بلا شك" .. كانت تهتف
بذلك كلما تبحلقت في الصورة ..
***

إن مضيّ الزمن ((السنوات المنصرمة/عن آخر زيارة لها منذ ثماني سنوات))، تتفاعل مع التغيّر الحاصل في المكان ((روعة الأرضية الرخامية اللامع/الأضواء غدت أكثر إشعاعاً/الجدران صقلت بورق مزركش))، والتغير الحاصل في الشخصية المركزية ((بدت الفلبينية أسمن .. وقد ترهلت رقبتها .....))، فضلاً على التغيّر الذي حصل للبطلة في السياق ذاته ((تأكدت من وضع الكريم الذي يخفي آثار التجاعيد المبكّرة حول العينيين والفم ..))، على النحو الذي تجلّى فيه تأثير السنين على الأشياء كلّها .
غير أنّ اللازمة التي تُظهِر تشبّت البطلة بالصورة بوصفها عنواناً لشخصيتها ما زالت قيد العمل والسرد معاً ((" الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ .. ستعجبه الصورة .. نعم بلا شك"))، بحيث تمركز العمل السردي على تشكيلية الصورة القصصية بمنظورها العلامي القائم على الترميز والتدليل، ضمن سياق إيروتيكي ماثل في باطنية الإشارة الصورية حين تتحرّك دائماً نحو الآخر الذكوري الحلمي والمتمنى .
إلا إن الحماس يتراجع شيئاً فشيئاً مع فعالية تأثير الزمن في الأشياء لتتكثّف مساحة السرد وتتقلّص حيويتها وحركيتها، بالنظر إلى طبيعة شخصية البطلة التي أخذت تتفاعل مع الأشياء ببطء وتنظر إليها بافتعال وتشيؤ :

كانت حركتها ثقيلة وهي تقترح عليها أن تختار الخلفية التي تلائم ذوقها .. واللون
الذي ترغب في أن يكون خلفية للصورة .. الأصفر، الرمادي، الفوشي ، الأخضر،
الأزرق.. إلخ.. جعلت وجهها يضاجع الكاميرا بدقة متناهية.. بعد أن وضعت شالاً
يخفي ترهل عنقها ..
"الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ .. ستلائمه الصورة .. نعم ستلائمه .."
كانت تؤكد ذلك وهي تتأمل تقاطيعها ملوّنة بطيف من الأزرق الهادىء ..
***

فثقل حركة الصور وأدوات الجسد ((حركتها ثقيلة))، والتصريح بالرغبة الإيروتيكية عن طريق مضمون الصورة ((جعلت وجهها يضاجع الكاميرا بدقّة متناهية))، على الرغم من فشل أدوات أخرى في الوصول والبلوغ والفعل ((وضعت شالاً يخفي ترهّل عنقها))، إذ يتراجع حماس قدرة تشكيلية الصورة على الإبهار والإعجاب وتكتفي بالملاءمة (("الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ .. ستلائمه الصورة .. نعم ستلائمه .."))، في دائرة من التأكيد المفتعل ((كانت تؤكّد)) والتأمل المحمول على أمل مخنوق ((وهي تتأمل تقاطيعها ....))، في السبيل إلى حشد الموقف السردي بأكبر طاقة ممكنة على الاحتمال والمواصلة .
ثم ما تلبث اللقطة القصصية الاختتامية أن تحسم الأمر بعد أن تتكشّف الرؤية السردية عن تدهور الحال التشكيلية الصورية، إثر وصول البطلة إلى أرذل العمر وهي تتشبّت تشبّثاً خائباً بالصورة، وقد التقطتها فلبينية جديدة بعد موت الأولى بموت عمرها وعمر مساوٍ لها من حياة البطلة، وآلت الأشياء كلها إلى غياب وشيك :

التقطت لها الفلبينية الجديدة الصورة بعد أن فارقت القديمة حياتها .. نظرت إليها
بصعوبة .. ثم أمسكت بيدها المرتعشة لتدسّها مع رفيقاتها في الألبوم الضخم ..
آلاف الصور على مدى ثلاثين عاماً.. وعيناها تنتقلان بنظارتها السميكة من صورة
إلى صورة.. روحها يرفرف شامخاً في الأفق .. بينما شفتيها الخاويتين إلا من سن
واحدة تردد:
"الرجل الذي ثيعقد قرانه عليّ ثتعجبه الصور .. نعم .. أنا متأكدة" ..!

إذ إن التأكد من قدرة الصورة على جذب إعجاب الرجل الذي سيعقد قرانه عليها، يصطدم بتغيّر صوت (السين) إلى (ثاء) في ((ثيعقد/ثتعجبه))، على النحو الذي تبدو فيه الصرخة المرافقة ((نعم)) وكأنها تعني ((لا))، والجملة المثبتة ((أنا متأكدة)) منفية قطعاً .
وإذا ما تابعنا تطوّر العلاقة مع الصورة وقدرتها الإيروتيكية على جذب الآخر الذكوري وإغوائه وتوريطه، سنكتشف أنها مرّت بمراحل عبر المشاهد السردية على النحو الآتي ((سأبدو فاتنة/سيخفق قلبه/ستبهره الصورة/ستعجبه الصورة/ستلائمه الصورة/ثتعجبه الصورة))، وهو تطوّر تراجعي ينتهي إلى حقيقة أن ((الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ)) في ثريا العنوان ظلّ غائباً حتى لحظة الإقفال الأخيرة، بالرغم من حضوره القهري على لسان البطلة وهي تتشبّث بالصورة التي تراجعت هي الأخرى، لتغيب في ظلّ الغياب العام الذي لفّ الصوت والصورة معاً .

(*) صمت كالعبث ، ليلى البلوشي، مركز نهر النيل للنشر، ط1، 2008، مصر: 27 ـ 32.

هناك 4 تعليقات:

  1. رائع ليلى

    مجموعتك جميلة كما قيل لي
    تمنيت إقتناء مجموعتك لكن للأسف لم أجدها ...

    تحياتي

    ردحذف
  2. الفاضل " فيصل الوهيبي " ؛

    أشكرك من الأعماق ..

    إن أردت أرسلت لك نسخة الكترونية على البريد الالكتروني ..

    مع تقديري

    ليلى

    ردحذف
  3. ليلى

    اذا تسمحي انا اريد نسخه إلكترونيه من مجموعتك
    كل الود

    ردحذف
  4. بكل سرور يا أمجد ،

    مع تقديري

    ليلى

    ردحذف