الاثنين، 22 يونيو، 2009

تنمية المحاكمة العقلية لدى الأطفال


تنمية المحاكمة العقلية لدى الأطفال



تقوم الدعائم الجوهرية لحياة الإنسان على خواص طفولته ، والعوامل المؤثرة بتلك الطفولة ، حيث يكون الإنسان الراشد محصلة تلك المؤثرات على اختلاف أنواعها : نفسية وخلقية وعقلية وجسمية ، إذ فيها يتكون الضمير أو الوازع الخلقي من علاقة الطفل بأبيه أو بمن يقوم مقامه الأب .

وفيها تتكون أغلب الاتجاهات النفسية والخلقية والعقلية التي تهيمن بعد ذلك على ذات الإنسان ، وفيها تظهر مبادئ التكيف الأولى التي تستمر في التأثير في مفهومات حياته طوال صباه ورشده وشيخوخته ..!
لهذا كانت الطفولة _ ومازالت _ ميدانا خصبا لأبحاث عدة تتقاسمها علوم مختلفة ، ولهذا أيضا اهتم بفهمها ودراستها الساسة الذين يريدون توجيه الجيل الناشئ نحو هدف خاص معين يرون فيه المثل الأعلى للمواطن الصالح ، واهتم بفهمها ودراستها علماء التربية والمدرسون والآباء ليتخذوا من المميزات النفسية للطفولة أساسا يسيرون بهديه في تنشئة الأجيال .

واهتم بها _ كذلك _ الأخصائيون الاجتماعيون والأطباء وعلماء النفس : كل يحاول أن يفهم في الطفل استجاباته ونواحي حياته المختلفة ، ليقيم بذلك الأسس النظرية التي يقوم عليها حياة الطفل في ألوانها وضروبها المتباينة .
كان لابد لتلك الدراسات أن تتعرض _ عن قريب أو بعيد _ لدراسة النمو العقلي ، ومراحل ذلك النمو وخصائصه ، وكان بين تلك الخصائص : المحاكمة العقلية وكيفية تنميتها ؛ لأنها إحدى مظاهر الشخصية والمنطقية لعالم الكبار ، وفيها تتكون لديه أولى مبادئ التعبير عن الرأي ونقد الذات ونقد الآخرين ، وفي نهايتها يتخلص الطفل من التبعية العمياء لآراء الراشدين وأفكارهم ، ويكون لنفسه منطقا خاصا عن الحياة وعن الوجود ، وتتبلور عنده المبادئ والأفكار الخاصة به ، حيث يبدأ بتشذيب كل ما يسمعه أو يراه ، لينتقي منها مثله العليا ، فما هي المحاكمة العقلية ؟ وكيف تتطور عند الأطفال ؟

المحاكمة كما يعرّفها علم المنطق : هي مجموعة من القضايا مرتبة في مقدمات تحصل عنها نتيجة .
أما علم النفس فإنه يدرس المحاكمة في واقعها النفسي ويعطي مثالا عليها المحاكمات العاطفية ، فنحن _ مثلا _ نبرر سلوك أصدقائنا الذين نحبهم بمختلف الوسائل كما نبرر الكلام الذي يصدر عنا أثناء الغضب بمختلف الوسائل أيضا !
فالأهواء تدفعنا إلى القيام بتصرفات لا يبررها العقل ، ومع ذلك نصر على أن سلوكنا كان عقليا .
وللطفل _ كما للراشد _ محاكمته الخاصة ، وهي تختلف اختلافا جذريا عن محاكمة الكبار ، وكذلك تختلف عند الأطفال أنفسهم تبعا لعوامل عدة أهمها :

1 ـ العمر العقلي : لا يستطيع الأطفال في سنوات عمرهم الأولى القيام بالمحاكمات العقلية المنطقية ؛ لأن نضجهم العقلي لم يكتمل بعد ، ولذلك تكون أحكامهم ذات اتصال مباشر بقدرتهم على التحرر من فكرة التمركز على الذات التي تمتد من السنة الخامسة من العمر حتى الثامنة .

2 ـ الموضوع المطروح للمحاكمة : يؤثر الموضوع المطروح للمحاكمة تأثيرا كبيرا في محاكمة الأطفال ، بمقدار علاقة هذا الموضوع بهم شخصيا ، الطفل يحكم على معلمه الذي يحبه بأنه لا يخطئ أبدا وبأنه أحسن الناس ، والطفل يحكم على معلمه الذي يكرهه بأنه أسوأ كائن وأبشع الناس خلقا بينما يصدر أحكاما بريئة على من ليس له علاقة بهم .

3 ـ المستوى الثقافي : فالطفل الذي يعيش في أسرة يستمع فيها إلى مناقشات أبيه وأمه وإخوته أو الضيوف ، تتكون لديه ثقافة كبيرة عن أمور الحياة ، ويصبح قادرا على نقل صور هذه المحاكمات إلى مدرسته وإلى حياته ، بخلاف الطفل الذي يعيش بعيدا عن هذا المستوى الثقافي .

4 ـ النمو اللغوي : وهو أيضا له تأثيره المباشر في محاكمات الأطفال ، في قدرة الطفل على ربط الألفاظ بالمعاني المختلفة ، وقدرته على التعبير عن تلك المعاني .

5 ـ الخبرة : وهي أهم العوامل المؤثرة في المحاكمة العقلية عند الطفل ؛ لأنها الأساس الأول الذي يربط الطفل بالحياة ، وتجعله قادرا على فهم الأمور كلها فكل معاني الأشياء تنتج عن تكرار الخبرة ومن الاتصال المباشر بالبيئة الطبيعية والبيئة الاجتماعية ، ومن تفاعل الطفل معها .

6 ـ عوامل أخرى تؤثر في نمو المحاكمات العقلية عند الطفل : كالذكاء وسلامة الحواس والإدراك والفهم والانتباه والتدريب .

إننا نتحمل مسؤولية كبيرة في تمنية هذه المحاكمات لدى الأطفال ، وعلينا أن نعمل دائما على تعويد أطفالنا حسن المحاكمة في كل المجالات التي تتوفر لنا ، وعلى ضرورة تهذيبها وتنميتها من أجل تنمية الإنسان الناضج الذي لا يصدر أحكامه جزافا ، إنما يبنيها على مبادئ صحيحة لا انحياز فيها ولا تضليل .

الكاتب : عمر عبدالعزيز
المصدر : مجلة الأسرة .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق