الاثنين، 8 يونيو، 2009

الرجل الذي سيعقد قرانه علي ّ



الرجل الذي سيعقد قرانه علي ّ


" ابتسمي"..
هكذا أشارت عليها المصورة الفلبينية بعد أن سلطت على مساحة وجهها الأضواء الكاشفة..
تبع ابتسامتها خاطر مخاتل " ستكون الصورة هذه المرة مختلفة.. سأبدو فاتنة.. نعم.. سأبدو فاتنة "
وسوس داخلها بذلك.. بعدما طلبت منها المصورة أن تدير جسدها نحو اليسار وترفع كتفيها قليلا.. خضعت لها بينما حملها خيالها إلى ومضة أول صورة شخصية في حياتها.. يومها أيقظها والدها مبكرا.. كي تلتقط صورة للجواز.. ومشيا معا إلى يمين الشارع العام بينما النوم كان يعبث بوجهها وكلتا كفيها كانتا تتناوبان على خنق تثاؤب كان يستفزها بين فينة وأخرى.. اقتعدت على كرسي مترهل الجلد بلا ظهر ولا أذرع ..ووالدها يصافح " شفيق " المصور الهندي.. طلب منها أن تنظر للكاميرا بشكل مستقيم.. وهو يتلو عليها بلغته المكسرة تاريخ الصور العريض الذي التقطه لها وللعائلة وللحي كله..
وبعد مرور خمس دقائق كانوا قد تسلموا الصورة..
" ستكون الصورة هذه المرة مختلفة.. سأبدو فاتنة.. نعم.. سأبدو فاتنة"
أكلتها الكآبة.. حين وقع نظرها على الصورة في ذلك اليوم.. كانت عيناها ناعستين.. وهالات سوداء خانقة حولهما بدتا كأطلال شبحين..
طلبت منها أن تعتدل في جلستها.. وأن تشد ظهرها جيدا ثم سلطت الأشعة الضوئية ذاتها..
" تبا لشفيق ..ولأيام شفيق "..
قذفت لعنتها في سرها له بينما تنقد بابتسامة واسعة العربون للمصورة الفلبينية ..

* * *
لم تستطع النوم .. ظل أرق الصورة يلغم حواليها أطيافا من القلق.. حتى غلبها غلس طفيف.. تفقأ على ضجيج المنبه.. هرولت بعد أن غسلت وجهها و ارتدت ملابسها على عجالة إلى الاستديو بينما غفير من الكوابيس كان قد تسلق عقلها حتى غدا كصهريج عائم..
ولما تسلمت الصورة خفق قلبها وارتعشت حنجرتها فرحا: " ياااه.. أهذه أنا..؟ "
كانت بين فينة وأخرى تسترق النظرة إلى الصورة وهي في طريقها إلى المنزل.. ومع كل نظرة تعقب بكلمات تغمرها نشوة " ما أجملها ".. " لابد وأنها ستعجب الجميع " " سينبهرن بها صديقاتي " ... الخ.. قربت الصورة من صدرها معانقة إياها.. وهي تتذكر صديقتها منال.. " هل يا ترى سيكون حظي كحظها. ." منال هي أول وجه التقطتها عدسة الاستديو تلك الفلبينية.. ومن حسن حظها أنها في الأسبوع ذاته تقدم لخطبتها شاب وسيم خفق قلبه هياما حين وقع نظره على الصورة..
" سيشاهدها الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ.. وسيخفق قلبه كذلك ".. قالت ذلك بخفر بينما قهقه داخلها بنشوة..

* * *
حرصت على هندامها جيدا.. غدا وجهها أكثر امتلاء.. وعينيها أكثر انبهارا بخطوط الآي شدو حسب الموضة الدارجة.. كثفت طبقة البودرة وأضفت رشة من البلاشر المخملي وصبغت الشفتين المكتنزتين بلون زهري لامع..
اقتعدت على الكرسي ذاته قبل أكثر من خمس سنوات.. حتى أن المصورة الفلبينية تكتل جسدها امتلاء مغريا.. وطال شعرها الكث المنتصب حول كتفيها كشال حريري..
رعشت رعشة انبهار.. كلما تأملت الصورة ..
وظل انبهارها يردد " الرجل الذي سيعقد قرانه علي ستبهره الصورة بلا شك "..

* * *
تغير الاستديو قليلا عن السنوات المنصرمة.. عن آخر زيارة لها من أكثر من ثمان سنوات.. لمست ذلك وهي تتأمل روعة الأرضية الرخامية اللامعة.. والأضواء غدت أكثر أشعاعا وهي تتدلى كقطوف عنب في قاع السقف.. والجدران صقلت بورق مزركش ولكل جدار من الجدران الأربعة طابع خاص.. وبدت المصورة الفلبينية أسمن.. وقد ترهلت رقبتها قليلا وبدت عينيها أكثر ضيقا كحبتي زيتون..
نظرت لبؤرة العدسة بعدما تأكدت من وضع الكريم الذي يخفي آثار التجاعيد المبكرة حول العينين والفم..
" الرجل الذي سيعقد قرانه علي.. ستعجبه الصورة.. نعم بلا شك ".. كانت تهتف بذلك كلما تبحلقت في الصورة..

* * *
كانت حركتها ثقيلة وهي تقترح عليها أن تختار الخلفية التي يلاءم ذوقها.. واللون الذي ترغب في أن يكون خلفية للصورة.. الأصفر، الرمادي، الفوشي، الأخضر، الأزرق ..الخ.. جعلت وجهها يضاجع الكاميرا بدقة متناهية.. بعد أن وضعت شالا يخفي ترهل عنقها ..
" الرجل الذي سيعقد قرانه عليّ.. ستلائمه الصورة.. نعم ستلائمه .."
كانت تؤكد ذلك وهي تتأمل تقاطيعها ملونة بطيف من الأزرق الهادئ..

* * *
التقطت لها الفلبينية الجديدة الصورة بعد فارقت القديمة حياتها.. نظرت إليها بصعوبة.. ثم أمسكت بها بيدها المرتعشة لتدسها مع رفيقاتها في الألبوم الضخم.. آلاف الصور على مدى ثلاثون عاما.. وعيناها تنتقلان بنظارتها السميكة من صورة إلى صورة.. روحها يرفرف شامخا في الأفق.. بينما شفتيها الخاويتين إلا من سن واحدة تردد :
" الرجل الذي ثيعقد قرانه علي ثتعجبه الصور.. نعم.. أنا متأكدة" ..!

هناك 3 تعليقات:

  1. i like it
    حلوة القصة..
    عجبتني! خفيفة وسهلة الهضم..

    بالتوفيق دائما

    ردحذف
  2. أهلا بالفاضل " بدر الهنائي " ،

    شكرا على اللطلف الذي غلفت به القصة ..

    تحاياي لك ولك كاميراتك الجوالة ..

    مع التوفيق ،

    ليلى

    ردحذف
  3. " الرجل الذي ثيعقد قرانه علي ثتعجبه الصور.. نعم.. أنا متأكدة" ..!

    ونست أن تتأكد من أن عمرها تساقط مع ما سقط منها

    وربما انضمر... وجفت ينابيعه


    ليتك لم تذكري (بينما شفتيها الخاويتين إلا من سن واحدة) فما لحقه كان سيكسبه وهجاً وشجن عميق

    ولكن الإشراق الإنساني أضاء الإنعطافات... البريئة
    (إرتعاشة شفاه)

    ردحذف