الاثنين، 12 ديسمبر، 2011

العرب من وجهة نظر يابانية ..!












العرب من وجهة نظر يابانية ..!







جريدة الرؤية ..







من البؤس أن تكون عربيا والأكثر بؤسا أن تعيش في دولة عربية ..!




هذا ما جسسته بعمق وأنا أتجوّل كقارئة أولا ، وبنبض عربي ثانيا ؛ في سطور كتاب المؤلف الياباني " نوبوأكي نوتوهارا " في كتابه الذي خصصه عن العرب وقد كتب بلسانهم أيضا وانتخب عنوان " العرب من وجهة نظر يابانية " كونه قضى أربعون عاما وهو يرتحل بوفاء كالنورس في عواصم العربية وتواصل بصداقات شاملة مع الفلاحين في أرياف مصر والبدو في بوادي الشام ؛ فما أدق بصيرته وهو يتحسس جراحات الوطن العربي الغائرة ، تلك التي من المشقة ترقيعها إلا بجهد جهيد وبمسؤولية مشتركة ما بين الحكومة والشعب ..!




ولقد أشار في كتابه إلى نقاط مهمة ؛ قل أن يجسها سوى خبير بالنفس العربية ؛ فالمستعرب الياباني توصل نظير إقامته الممتدة في أصقاعه أن أول ما يفتقده الإنسان العربي في وطنه هو " غياب العدالة الاجتماعية " ؛ وقال بالعبارة : " تحت ظروف غياب العدالة الاجتماعية تتعرض حقوق الإنسان للخطر ، ولذلك يصبح الفرد هشا ومؤقتا وساكنا بلا فعالية ؛ لأنه يعامل دائما بلا تقدير لقيمته كإنسان ، واستغرب باستمرار لماذا يستعملون كلمة الديمقراطية كثيرا في المجتمع العربي ..؟ إن ظروف الواقع العربي لا تسمح باستعمالها لأن ما يجري فعلا هو العكس تماما .."




لقد أفرزت غياب هذه العدالة الاجتماعية نتائج سلبية على سلوكيات الفرد في هذه المجتمعات ؛ لعل من أبرزها التوتر والإحباط والكآبة ؛ هذا يمكن رؤيته بوضوح في شوارع المدن العربية ؛ فالناس ليسوا سعداء وليسوا مرتاحين وثمة صرخات في هذا الجو الخانق وهي صرخات مكبوتة ، وحين يشطر المرء ناظريه إلى الطوابير الطويلة لشراء الخبز أو رؤية الحافلات المكتظة تجري بينما يتعلق الركاب بالشبابيك والأبواب لكي يركبوا بأي ثمن ؛ كل هذا يشعر بمرارة هذا الإنسان ..!




بل إن غياب حق الفرد من العدالة الاجتماعية برز تأثيره على شخصية الفرد وتعاطيه مع الآخر في المجتمع الواحد ؛ على سبيل المثال سائق التاكسي مضطهد هو الآخر ؛ فهو ينتقي ركابه حسبما المكان ومظهره أما الذي لا ينال إعجابه فلا مكان له في التاكسي ، وهو شأن لا يمكن أن يحدث في اليابان كما يرى المؤلف ..! والأمر نفسه تجاه معاملات الفرد في مكاتب الحكومية المكتظة بالمراجعين ، لينهي الموظف الحكومي ذاك الطابور الممتد بلفظة " بكرة " ؛ وهذا يعني نفس المنظر والمراجعين كل يوم ، وثمة استثناء لمن لديه معارف من أولئك الموظفين فينهون معاملته بأسرع ما يكون ..!




كما تغيب مسؤولية الفرد تجاه أخيه الفرد في المجتمع ؛ فالسجين السياسي الذي هلك نفسه من أجل الشعب ؛ يتصرفون مع قضيته كأنها قضيته وأسرته وهي وحدها تتحمل أعباءها لا المجتمع ، وهو أخطر مظاهر عدم الشعور بالمسؤولية كما ذهب الكاتب ..!




ولا يقتصر غياب المسؤوليات تجاه الفرد ، بل إن الأفراد أنفسهم يتعاملون مع ممتلكات العامة كالحدائق والشوارع ووسائل النقل بإهمال وغياب المسؤولية ، فالتوتر الذي ينجم من محيطه العام يفرغه في تدميرها أو إتلافها وكأنها ممتلكات الحكومة لا ممتلكاتهم هم ..!




كل تلك السلوكيات التي تمارس على نحو كبير وبشكل يومي هي محبولة بالقمع ، فالمجتمع العربي هو مجتمع يتماهى في أساليب قمعه ، لعل من أبسط أنظمة القمع هي منع بعض الإصدارات في معارض الكتب ونشر بعض المقالات لكونها تتناول موضوع السلطة أو النظام ، وهي من المحرمات تداولها في أنحاء العالم العربي ؛ فالمجتمع العربي هو مجتمع قائم على نمط الحاكم الواحد والقيمة الواحدة والدين الواحد ، والتوحد قائم حتى على مستوى المأكل والملبس والآراء ؛ والناس تميز ما بينها بالكنية أو العشيرة أو الثروة أو بالمنصب ، وفي هذه التوليفة تذوب استقلالية الفرد ..




ويضيف الكاتب قائلا : " دائما كنت اسمع في التلفزيون والراديو وأقرأ في الجرائد كلمات مثل : الديمقراطية ، حقوق الإنسان ، حرية المواطن ، سيادة الشعب وكنت أشعر وأنا أتابع استعمال تلك العبارات أن الحكومة لا تعامل الناس بجدية ، بل تسخر منهم وتضحك عليهم ، فهل يستطيع المرء أن يتجاهل الصلة القائمة بين هذا الأسلوب الذي يستغبي الشعب والتوتر الذي يسيطر على جموع الناس العاديين ..؟ " .




في اليابان حين لا يستطيع المواطن الياباني التحدث بحرية يقول : عندما افتح فمي ؛ فإن هواء الخريف ينقل البرد إلى شفتي ، والعربي عندما لا يستطيع أن يصرح بما في نفسه عليه أن يقول : تحت لساني جمرة ..!




والمسألة ليست وحدها لسان مجمر ، بل اللسان وصاحبه يلقون في مجمرة مشتعلة ، لذا الفارق شاسع بكثير والتوصيف أعمق في أوطاننا العربية يا أيها الياباني ..!




وهناك مسألة مهمة جدا ؛ تطرق إليها المستشرق الياباني وهي مسألة " الخوف " في أرجاء العالم العربي من خليجه إلى محيطه ؛ ثمة مفردات تكاد تغدو مستحيلة في سجل النشر في الصحف الرسمية وإذاعتها في المحافل العامة وأكثرها أهمية لفظة " النظام " ؛ ربما لأنها تحتمل تأويلات شتى تزرع شيطان الخوف عند السلطة ..!




وقد أورد عدة معالجات لكثير من القضايا التي تمس العربي ؛ وذلك من خلال القضاء على الخوف ووضعه في قمقم وسد فوهته بإحكام ، والبعد عن لغة النفاق والمجاملات كمواطن في وطنه وفرد لديه حقوق كما لديه واجبات ؛ فعليه ألا يظهر مجاملته على حساب مصالحه ؛ والتي هي حقوق مشروعة له شاء الآخر أم أبى ..!




والمطلوب من المواطن هو الإخلاص في عمله وشعوره بالمسؤولية تجاه جميع قطاعات الوطن فالملكية العامة كالملكية الخاصة ، وعدم تشويه صورة الوطن عن طريق استغلال الوظيفة ، والأهم هو عدم التغافل عن قضية " النقد الذاتي " أولا كفرد مع نفسه ، و" النقد الخارجي " البناء وينصب في مصلحة رفعة الوطن وسموه مع الآخرين سواء سلطة أو حاكم أو فرد من الشعب أو مسئول أو مؤسسة ..




ناهيك عن تلك الفوضوية في تطبيق القوانين ؛ فهناك من هم تحت القانون وما هم فوق القانون ، وأساليب القمع المختلفة والتي يتم تحريضها على الصمت منذ الصغر ، والتعامل العنصري والنظرة الفوقية ما بين الأغنياء والفقراء ..




وما لا يقل أهمية عن كل ما ذكر هو أن المجتمع العربي ليس لديه استعداد لتربية المواهب ؛ فمدارس اليابان مجهزة بكل الهوايات المتباينة التي يتعاطى معها الصغار حسبما تباين مواهب وقدراتهم ؛ أما الوضع في العالم العربي فيكاد يغدو مأساويا ..!




ولأن أشكال الـ " قمع " تتعدد في بقاعنا العربي وهو في تكاثر متنام من قمع روحي وآخر جسدي وعقلي وفكري ولساني ونفسي ، بالمجمل كل ما له صلة بمسمى الحواس ؛ والوسيلة المثلى والوحيدة لمنع تفشي المحسوسات الداخلية والخارجية بكافة توجهاتها هو قمع " الجسد " ؛ فالأنظمة القمعية لا تفهم سوى لغة الضرب والسحق والبتر والنفي والحبس ؛ ولأن بقية المحسوسات معنوية ؛ فإن وحده _ المسكين – الجسد هو واجهة القمع ..!




ليلى البلوشي

هناك تعليق واحد:

  1. صدق وصدقت كلماتك .. (الى متى ياوطننا العربي).

    ردحذف