الاثنين، 27 أبريل، 2009

عمشه

عمشــــــــه
" لا حد للأزرق في مقلتيك ،كرمش الموج يهدر .. حين يحكي للبحر عشقه المخضب .."
ما أكثر ما تقولوا عنها .. مرة أنها ساحرة .. ومرة أخت إبليس .. و طورا ابنة العاهرة .. كنت صغيرا وقتها .. تلتقط أذناي الصغيرتان تلكم النعات التي يتقاذفون بها عمشه .. وعمشه هذه امرأة توارت في خيمة سوداء يستر بدنها من رأسها حتى أخمص قدميها .. مما يبرز قواما من الصعب تحديد دقة خصره وعضد عظمه .. كما كانت على عادة نسوة الحي تضع " برقعا " على وجهها .. لكن ما كان يميزها عنهن جميعا هو عينيها النجلاوين.. المخضبين بالأزرق .. فلم تكن عينا أمي كعينيها ولا خالتي ولا جدتي ولا أحد من نسوة الحي .. فقط عمشه تميزت بمحيط عينيها الأزرقين .. وما أكثر ما لصق بهما من أفواه القيل والقال .. فقد كنت اسمع أمي تقول لأبي وهي مضطجعة إلى جنبه على الحصير بينما أنا وأخوتي على جانب الآخر منه مع شخيرهم الذي يمزق صخبه الرتيب سكون النوم في كل ليلة .. سمعتها تثرثر في أذن أبي أن عينا عمشه ليسا أصيلتين ؛ فنساء البدو يتميزن بأعينهن الكحيلة السوداء .. أما عمشه فعيناها عينا رجل غريب وفد على الحي وكان عشيق أم عمشه حينها والتي كانت تعاشر معظم الرجال الذين كانوا يفدون ضيوفا على البدو من الحواضر وأكثرهم تجار وأصحاب حرف .. وكان الغريب والذي كان يدعى " عتيق " عيناه زرقاوان تماما كعيني عمشه ..
كما سمعت من فم جارتنا " أم سعيد " عندما كنت ألعب " الجحيف "(1 ) في حوش دارها مع صاحبي سعيد .. أن عمشه ساحرة .. وأن معشرا من الجن طوع أمرها .. وأن الغراب الذي يحوم بشؤمه في قطع الليل على البيوت إنما هو رسولها ولطالما صادفوه يتبعها كما يتبع الخادم أميره من مكان إلى آخر .. هكذا كن نسوة الحي بألسنتهن يلعكن حكاياتهن عن عمشه.. غير أن الرجال كانت أحاديثهم تحيك على وجه آخر .. وكان " عم عبيد " صاحب المقهى في الحي وكبار رجالها .. وكلمته لا تصل الأرض أبدا ..
وكم كنا نخشاه كما نخشى جسده الضخم وكرشه الكبير المخبأ في قعره بطيخة كبيرة يعوز إليها أيام القحط والمجاعة هكذا أسّر لنا صبيه " سعدون " .. كما أخبرنا أن " عم عبيد " يحب عمشه .. وقد صارح رجال الحي بحبه لها ورغبته بطلب يدها وعزز رغبته بأنها " امرأة وحيدة ومن العار تركها بلا رقيب ولا حسيب ولابد من اتخاذ موقف رجولي حيالها .. ولا ضير في أن تكون زوجتي الثالثة فشرع الله أحل لنا أربع .. " وحدث أن ذهب " عم عبيد " إلى دارها غير أن الباب لم يفتح .. وفي الليلة ذاتها داهمت حمى غريبة " عم عبيد " استمرت لمدة يومين وفي الليلة الثالثة فاح من جسده رائحة الموت .. وشيع أنها لعنة عمشه .. فتناءت عمشه عن ثرثرة النساء وعنعنة الرجال خشية من لعنتها عليهم وعلى أبنائهم ..
* * *
" يا برق ،انثرغواياك في الأفق العقيم ، واقذف في رحمه ، بهاءك العنيد .."
مرقت السنون .. وفتل شاربي .. واخشوشن صوتي .. وفي ليلة من ليالي الشتاء وقد غط معطف الصقيع ضواحي الحي الذي كان محتضنا هدوءه في فراشه البكر .. بعد ضجة الدفوف وزغردة الزغاريد وزنّرت الأضواء احتفاء بعرس صديقي سعيد .. كنت في طريقي إلى المنزل .. يعبر ظلي الزقاق الضيق .. يخال إلي من الهدوء المسترخي في ثنايا الزقاق كأنني في قرية مهجورة ينتشي التثاؤب في قعر بيوته الطينية و على نوافذه الخشبية المسدلة الأهداب.. وبينما خطواتي تكرع مسافاتها .. وخيالي يعزّي نفسه عن لسعات الصقيع على بشره بالفراش الدافئ الذي يترقب جسده .. صادفتها .. ولم أصدق عيناي .. عمشه .. إنها تلج بيتها .. كانت الطريق خالية إلا منها .. وعندما أحكمت الباب خلفها .. راودتني فكرة .. لطالما داعبت شجاعتي في صغري فكنت أتخوف وأتراجع .. وقررت الليلة أن أتشجع .. فخلعت نعلي ورفعت ثوبي بفمي وهممت بصعود الجدار الذي يفصل بين بيت عمشه ومطوع القرية الذي علمنا القرآن الكريم والحديث الشريف وحكايا الأنبياء والمرسلين .. وكان المطوع قد هجر بيته هذا بعد أن خصص له شيخ القرية بيتا ملاصقا له في المسجد .. صعد جسدي الجدار فأرخيت رأسي .. والليلة كانت ليلة حالكة جدا ينذر حداد أفقها عن مطر غزير ورعد وبرق .. وبعد أن اطمأن جسدي على الجدار الموازي لمنزل عمشه نصبت عيناي على النافذة التي شرعت للريح .. انبعث عنهما ضوء " فنر" (2)باهت .. يبرز عن جزء من الدار جدرانها متآكلة من أثر السنين وقد فحمت معظم أجزاؤها .. وعندما حرك الفنر من موضعه برز جانب السرير ..
تهادى الرعد يصفع الأفق المظلم بجبروته مما أفزع اطمئناني وأرعد فرائصي .. وعلى صوته انطفأ فنر عمشه فلعنت الظلام ألف مرة .. غير أن برقا قويا شق ضوئه رحم الأفق نفذ إلى نافذة عمشه .. حيث صوبت عيناي .. فهالني ما رأيت .. حاولت أن أتبين غير أن البرق أطبق فمه .. تلاه رعد مفزع .. فهدهد صدري المنقبض من هول الصدمة ..
وراح يرجو : " يا رب ضوء .. يا رب ألهمني ضوءا من فم البرق .. ضوء .. ضوء يا رب .. " ..
واستجاب الرب لرجائي ..فاشتعلت السماء مرة أخرى .. وعمشه في عريها تتهادى كالعرائش .. عارية كما ولدتها أمها .. ومن فم البرق رأيت أنها تدهن جسدها بمادة .. جلبت الريح القوية رائحتها إلى خيشوم أنفي .. كانت عطرية .. خمنت أنها " المخمرية "(3) أشبه بالرائحة التي شممتها من أمي ومن جارتنا " أم سعيد " .. وامتد مشطها يتخلل شعرها الليلي تسرحه من أعلى الغرة حتى أسفل الفخذين .. وأنا مبهور .. مبهور بالنهدين الذين حبسا أنفاسي .. خيالي .. كياني كله .. جسد بض .. شعر يسترسل كالحرير .. امتد من دارها حس ضوء خفيف .. افترشت عمشه بعريها السرير .. تتقلب فيه .. كأنها تضاجع شخصا ما .. وتصاعد عزف الرعد .. وانكمشت أنفاس البرق ودمعت السماء .. مطرا .. مطرا أغرقني دمعها الوحشي حد الحمى .. تقهقرت مبهورا .. وعمشه تتخبط في عمقي بعد أن تعششت رائحتها الفاتنة في روحي كله ..* * * " كان عطرك الموسوم يقطر في جوفي عبقا بنفسجيا .. واحمرا .." وبقيت لمدة ثلاثة أيام محموما .. اجتاحتني حمى كالتي اجتاحت " عم عبيد " ولا نجاة لي ؛ هكذا لهجن نسوة الحي مولولات عند رأسي .. وأمي كانت تنوح وصدرها ينتحب .. وكان صوتها يحوطني بأدعية الشفاء والرحمة وهي تستغيث ربها .. وسمعتها تنذر .. " تالله إذا شفيت يا راشد، لأصومن شهرا كاملا ولأذبحن بقرة اطعم من لحمها أهالي الحي " .. بعد مرور خمسة أيام .. تنفست أعضائي على رائحة " اللبان " و تمتمات أمي واستغاثاتها.. وغادرني التعب بلا رجعة .. وتذكرت عمشه .. التي بقيت طوال فترة الحمى تزور روحي من وعي إلى وعي .. وتركت أمي تراقص فرحها مع النسوة .. وذبحت البقرة وصامت شهرها المنذور .. وأنا كل يوم مرابط على سطح بيت المطوع وعيناي لا تفارقان عمشه وجسدها الذي يتلوى .. وثديها البرجي .. الذين دار عليهما رغباتي ولم استطع أن أتحمل أكثر من ذلك .. صارحت أمي .. " أريد الزواج " .. انشق فمها عن زغرودة صمت آذاننا ووسط الفرحة التي لم تدم عندما أخبرتها عن رغبتي بالزواج من عمشه.. فصعقت أذنها.. واتهمتني بالجنون .. وشاع الخبر من فم إلى فم .. وقيل " إن راشد ولد عفراء تخلل عقله الجنون .. يريد ساحرة .. لابد أنها السبب .. هي التي راودته عن نفسه .. شاب في مقبل فحولته .. وعمشه عاهرة كأمها ...
* * *
" مضيت حيث كنت ، حكاية تؤطر في علق الفؤاد ، طواه كفنا صوتهم ..وبعثه صوتي .."
قرر أهالي .. طرد عمشه نهائيا من الحي .. وحاولت ردعهم .. لكنهم وثقوا يدي ورجلي كما يوثق مجنون وألقوا بي في سرداب مظلم .. توجهوا إلى بيتها وغضبهم يشهر عصيه وخناجره رجالا ونسوة .. وأصوات تتهادى مع لعنات الريح الهمجية .. " إنها أخت إبليس.. ساحرة .. عاهرة كأمها .. لا نريدها في الحي .. إنها تغوي رجالنا " ..وقلبي كم كان يتمزق كما تمزق العاصفة شراع سفينة تهيج وسط المحيط .. وكسر الباب .. ولجوا بأقدامهم عتبة دارها .. و لم يجدوا عمشه .. فتشوا في الدار كلها .. وعمشه لا أثر لها .. لكنهم وجدوا على السرير صورة مؤطرة لرجل لم يتعرفوا عليه .. قيل إنه زوجها .. وقيل أحد عشاقها .. أو أحد الأبالسة أولئك الذين كانوا يمدونها بالقوة .. فكانت عيناه مخيفتان وأنفه ضخم .. يعلو وجهه بثور كثيرة وله أذنان كبيرتان .. واختفت عمشه وطوى خبرها مع الحي الذي خلا إلا من عواء الذئاب .. بعدما قهقرتهم الحضارة إلى المدن .. وكنت منهم ..وفي نهار مشمس الأفق .. كنت في سيارة " بيك آب " .. مرقت من أمامي فتاة دنت منها التفاتة .. صعقتني عيناها .. كبست بقوة على الفرامل حتى توقفت ..ترجلت من السيارة .. وتبعت خطواتها وصوتي يتخبط في أنفاس مناداتها : " عمشه .. عمشه .." وما إن تناءى إليها حسي حتى قفلت راجعة ثم دنت مني وهالت بكفها صفعة أسقطتني أرضا .. دوخت وسط زعيقها : (تبا لكم .. ولأساليبكم الرخيصة ..) ارتدت قافلة بعدما بصقت كل غضبها في وجهي .. غّيمت الرؤيا في عيني بينما تسابقت أياد مجهولة نحوي كحبال مشدودة وعلى سحناتهم نظرة انبهار ممزوج بسخرية .. وأصوات تتهادى بفوضوية من كل الجهات ( قدم في حياة وقدم في قبر ويبصبص على المراهقات في عمر أصغر أحفاده !) .. بينما حسي يهتف : " عمشه .. عمشه .. "
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1)الجحيف : لعبة شعبية قديمة .(2)الفنر : مصباح إضاءة .(3)المخمرية : عبارة عن خلطة من العطور ممزوجة ببعض أنواع من الأعشاب العطرية .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق