السبت، 25 أبريل، 2009

أنا وأمي وأختي حليمة

أنا وأمي وأختي حليمة

في كل صباح اجتث الخطى إلى الشارع العام .. حيث يكتظ بضجة أبواق السيارات وهي تشق طريقها في وسط الزحام مع أفواه تصارع لذة التثاؤب الصباحي ووجوه أخرى يعانقها الخمول .. وبائعي الجرائد وعمال نظافة بزيهم البرتقالي ونسبة شحيحة من أصحاب بعض المحلات التجارية التي تفتح مصراع عملها في بكرة شروق الشمس .. وأصحاب المقاهي الذين عهدتهم مذ بدأت أمارس نشاطي هذا في الصباح بعد ما طلبت مني أمي ذلك .. تقول إنها تخاف علي من لصوص الليل ومن بعض السكارى والشاذين في الطرق المدلهمة .. انتصب أمام إحدى السيارات من نوع " لاند كروزر ".. كم أعشق أنواع هذه السيارات التي تشي مظهرها بالعلو والفخامة ..

وكم أحلم أن أقعد في أحد مقاعدها يوما ما .. هكذا كنت أحدث أختي حليمة وفي كل مرة كانت ترمقني بنظرتها التي لا تخلو من العجرفة والقسوة وتسكتني بلغتها التشاؤمية .. صاحبها ذا وجه بشوش ينتعل نظارة طبية بعدسات دائرية تلاءم أرنبة أنفه الطويل .. أزاحم الخطى خشية أن تظهر العلامة الخضراء .. أصل إليه بأنفاس لاهثة .. أنقر على زجاج نافذته اللامعة جدا حتى أنني أرى انعكاس صورتي فيها وصور بعض المارة من خلفي .. يلتفت نحوي .. يشير إلى هاتفه النقال .. انتظر وعيني على ساعته الذهبية الغالية الثمن .. وأمنّي نفسي بأحلام اليقظة بامتلاك ساعة توفر علي عناء معرفة الوقت بالضبط في كل مرة أخرج فيها .. ينفقئ خيالي على صوت بائع الجرائد وهو يزيحني بقوة عن زجاج النافذة ويعرض جريدته على صاحب " اللاند كروزر " .. فيشرع النافذة وينقد البائع بعد تسلم الجريدة ..

وعندما أقف بدوري بالقرب من النافذة تزعق أبواق السيارات من خلفه فتمرق السيارة مسرعة مع الإشارة الخضراء .. فارتد قافلة بيأس إلى حيث كنت على الرصيف .. أتأفف من يومي وألعن صباحي .. وعندما أعود إلى البيت اشكي لأمي سوء الحال .. ترفع معنوياتي بكلماتها اللطيفة وتقول إنني لم اعتد بعد على العمل الصباحي .. بعد التبادل الذي حصل بيني وأختي الكبرى حليمة التي كانت تتذمر من الاستيقاظ مبكرا .. وعندما تعود أختي من نوبتها المسائية تغيضني بعجرفتها وبكسبها الوفير .. وتقول إنها حين كانت تكد في الصباح كانت كسبها يدرّ ، فتتهمني بالخمول وتنعتني بالغبية.. لكن أمي تفضي النزاع بيننا عندما تضع مخلفات الأطعمة الشهية التي تحضرها من بيت العمة شيخه .. وهي امرأة وسع الله عليها في المال والرزق .. وتعمل عندها أمي منذ أكثر من شهرين كخادمة تكنس وتطهو لهم .. وكل ما يزيد عن حاجتهم من الطعام تسمح لأمي بإحضاره لنا .. وما أشهى الموائد التي نتذوقها وما أغربها تلك التي تزيد من حفلات أعياد الميلاد ومناسبات أخرى التي نترقبها أنا وأختي بفارغ الصبر ..

وبعد الظهيرة ترسلني أمي إلى دورة تحفيظ القرآن في المسجد القريب لحينا .. حيث يجتمع جوقة من الصبية والفتيات الذين كنت أرى معظمهم أثناء العمل سواء في الأمسيات التي كنت اعمل بها وبعض وجوه كنت أقابلها في أصبوحات أيامي وهي تمرق من سيارة إلى سيارة بثيابهم المرقعة والباهتة .. كانت أمي لا تعي بتعليمي مطلقا وتكرر دائما أن شهادات ليست مهمة والكسب باليد أفضل .. لكنها عندما علمت أن هذه الحلقات تخصص في نهاية حفظ كل جزء من القرآن مبلغا نقديا قيّما .. حرصت من خلاله على مواظبة إرسالي وكذلك فعلن أمهات بقية الصبية التي كنت أعرف معظمهم .. وكنت في البداية اضجر من هذه الحلقات ولكنني تأقلمت مع الوضع تماما والمبلغ حفزني أكثر على الحفظ فقد كنت أردد كل ما يكرره المطوع على مسامعنا حينما أقوم بعملي بين السيارات وفي المساجد أو حتى بين المحلات التجارية حيث يتجمهر الناس للشراء ..

وفي مواسم العيد كان المطوع يحرص على تسليم كل منا مظروفا خاصا نسلمه بأيدي أحد والدينا.. ويوم قدمته لأمي أطلق وجهها سرورا عندما وجدت في أحشائه مبلغا من المال ..
أما أمي فقد انكفأت في أيام العيد على أن تلبسنا ثيابا عتيقة ومرقعة في أكثر من موضع فأشبه ما نكون فيها كفزاع رث وسط مزرعة خصيبة .. تعلل أن ذلك يجعل الجيوب الجافة طرية والنفوس الشحيحة سخية .. وقد كان قولها صائبا .. فمجرد وقوفي على الرصيف قدمت لي عدة أوراق نقدية من فئة خمسة وعشرة دراهم .. وذلك قلة ما يحدث في الأيام العادية .. يمرق من أمامي أطفال في ثياب جديدة ناصعة النظافة .. وتحمل الفتيات مثيلاتي في السن حقائب يدوية مزركشة تتماثل مع ألوان ملابسهم الجميلة ومع لون الحذاء والإكسسوار كذلك .. إحداهن ترمقني بنظرة غريبة فتتهامس مع زميلاتها ثم يخطون نحوي جماعات كقطيع من الفراشات زاهية الألوان .. انظر إلى ثيابي الرثة فاخجل من نفسي وأتمنى لو أجري بعيدة عنهن .. اشعر وكأنهن يلتهمنني بضحكاتهن الساخرة ويحتقرنني بملابسهن الجديدة .. فأتقهقر بخطواتي إلى الوراء .. غير أن إحداهن تستوقفني عندما تهتف باسمي : " خديجة " .. تكرره على مسمع من الجميع : " خديجة .. خديجة " .. وتضيف بصوتها الناعم : " ألم تتعرفيّ عليّ .. أنا نوف " فأتذكر أنها إحدى حفيدات العمة شيخه .. تلك العجوز الغنية التي تعمل عندها أمي .. فيتسع فضاء ذاكرتي وأتذكر أنها هي من قدمت لي مصحف القرآن الكريم عندما اصطحبتني أمي في زيارة لبيتهم وعندما علمت أنني التحقت بحلقة الحفظ ولا أملك مصحفا خاصا بي .. أتذكر تلك التفاصيل التي تتلاشى بمجرد وقع الدراهم المعدنية اللامعة وهن يسقطنها الواحدة تلوى الأخرى في الكيس الذي أحمله ..


عادة لا انبس بشيء .. فقط أنقر على زجاج السيارة .. بعضهم ينقدني بمجرد أن يلقي نظرة خاطفة على وجهي الشاحب وعيناي المصفرتان من الداخل .. وفئة لا تقدم لي شيئا لكنها لا تحرم علي بابتسامة تخفي خلفها ستارا من الشفقة .. وفئة أخرى وما أكثرهم أولئك الذين إضافة إلى شحهم فإنهم يكيلون علي بأفظع أنواع الشتائم واللعان .. دون أن أعلم سر غضبهم عليّ ..!

وثمة وجوه تعودت علي كالعم صالح .. صاحب إحدى المقاهي الشعبية .. فكثيرا ما كان يربت على رأسي ويقدم لي قرصا ساخنا مدهونا بالعسل اللذيذ .. كالتي كانت أمي تعجنه لنا عندما يتوافر الطحين الذي توزعه الجمعيات الخيرية .. فتناثر عليها حبات السكر عوضا عن العسل الذي تذوقته لأول مرة من مقهى عم صالح .. لكنني أمقت تلك الأيام التي يغيب فيها العم صالح وينوب عنه شقيقه سلطان .. وهو رجل ضخم البنية ووجه يميل إلى الاسمرار مع حَول في عينه اليمنى .. فكثيرا ما كان يخيفني بصوته المنذر بالشرطة إذا ما وقفت أمام المقهى ..
فترتجف أوصالي من لفظة الشرطة .. فهم الرعب كله بالنسبة لنا .. خصوصا بعدما وقع لعادل الذي عرفت قصته من أفواه بعض الصبية من حلقة الدرس .. أنه في أثناء قيامه لعمله في أحد الأيام أمسك به صاحب إحدى السيارات من عنقه وسلمه للشرطة بعد ما كان يعترض طريقه في كل يوم يذهب فيه إلى دوامه الصباحي .. فادخل الإصلاحية لصغر سنه .. وبعد خروجه أصبح يمارس عمله بحذر مساء بالقرب من دور السينما والفنادق والملاهي الليلية حيث يغدق بعض السكارى بكرم ..


أحيانا أتخيل كل رجل في سيارته رجل شرطة .. وكثيرا ما أحلم بهم في كوابيسي .. فتضطر أمي إلى تخفيف من روعي .. وتطمئنني أن كل ما أتعرض له نتيجة تخيلاتي الواسعة لا أكثر .. أتعلم من أمي كثيرا وأنفذ كل ما تطلبه مني بحذافيره .. فقد بدأت بهذه المهنة في سن مبكرة من عمرها وكانت تحملني في حضنها وأنا رضيعة من بيت إلى بيت وهي تدمع أحيانا وترتجف شفتاها في أحايين أخرى .. وكانت بعض الأبواب ترحب مشفقة والبعض الآخر توصد بقسوة في وجوهنا .. وبينما كنت أبكي في ليالي الشتاء حيث يلفح عظامنا البرد القارس وكانت أمي تجرني من يدي أنا وأختي حليمة .. وكنا نلتصق بعباءتها الرثة ردعا للبرد وخوفا من بعض قاطعي الطرق الذين كانوا يرشقونا بنظراتهم المرعبة .. وبعد مرور سنوات غدت كل واحدة منا تتجه طريقا مختلفا تشير إليه أمي .. بعد أن تلقينا منها الدروس وبعد التدريب الذي خصصته لنا اسابيعا كي نتعود ونتقن المهنة .. وتلتقي ظلالنا عند نقطة الانطلاق .. فنضم أنا وأختي حليمة ما نكسبه من مال إلى كيس أمي .. و بعد إصابتها بالروماتيزم والتحاقها للعمل في بيت العمة شيخه .. أضحينا أنا وأختي حليمة نتناوب على العمل بين الليل والنهار دون أن يضمنا بقعة واحدة أو توقيتا واحدا ؛ لأننا كثيرا ما كن نتشاجر في وسط الطريق أو نتنازع على أولوية الوقوف عند سيارة ما تمر من أمامنا ..

وكثيرا ما كنا نتشاءم من الأيام التي يتضرج أفقها بغيوم رمادية حالكة تنذر عن أمطار وعواصف .. حيث تتصارع السيارات للخروج بعصبية من برك الوحل في الشوارع الرملية ومن المياه الطافحة في الشوارع المعبدة .. وكنت كثيرا ما أمنّي أمي بأن تسمح لي بأن أرتدي المعطف الذي يقي من المطر والبرد .. لكنها كانت تتذمر من ذلك وترفض الفكرة وترى أن أحدا لن يتصدق علي بدرهم واحد فالمعطف غالي الثمن قدمته لنا العمة شيخه كان لأحد أحفادها وقد دهشنا أنا وأختي حليمة من جدته وكأنه لم يعلق على مشجب كتف يوما ما ..
ولكن عندما تصفعني الحمى ويتعطل فيه العمل .. تتذمر أمي وتعبر عن ذلك لأختي حليمة وتردد بحسرة : " لو أنني سمحت لها بارتداء المعطف لما نهشتها الحمى " ..


وبعد عدة أيام استعدت فيه وعيي للعمل .. فخرجت مبكرة ونشاطي يشق دربه مع شمس الصباح كنحلة من سيارة إلى سيارة .. وقد حرصت جدا على تعويض أمي عن الأيام التي سقطت بها في فخ الحمى .. خصوصا أنني كنت احترق من الغيرة عندما اسمع أمي تحوط أختي حليمة بكلمات إطراء عن نشاطها وكسبها الوفير دوما ..
وعند الظهيرة عدت إلى المنزل للغداء .. وضعت كل ما جمعته في كف أمي وكانت سعيدة بكسبي ونعتتني بالنعات التي كانت تكيلها لأختي حليمة .. وكافأتني عن نشاطي بتقديم علبة بها أنواعا من الكعك اللذيذ .. أحضرته من بيت العمة شيخه التي أقامت حفلا بمناسبة نجاح إحدى حفيداتها في المدرسة .. بعدما طلبت مني أن اترك حصة أختي حليمة منها .. وكان الجوع يزعزعني ، فالتهمت حصتي وبعدما تأخرت أختي في المجئ مددت يدي إلى قطعة أخرى من حصتها .. وعندما سمعت نقرا على الباب وضعت العلبة جانبا حتى لا تصرخ علي أختي حليمة كعادتها دائما .. ولكن القادم لم يكن أختي بل كان رجلا في ملابس الشرطة وعندما أبصرته عيناي اختبأت خلف أمي بوجل كي لا يراني .. كذلك غلب الهلع على أمي التي تبدلت ملامحها بمجرد رؤيته .. وسأل الشرطي عن والدي فأخبرته أمي بحزن أنه متوفى .. لكن الشرطي رد بأسى عندما أخبرها أن أختي حليمة لحقت به بعدما دهستها شاحنة محملة بالبضائع وهي تقطع الطريق إلى إحدى السيارات في الطريق العام ..


بعد صدمة وفاة أختي حليمة تحطمت كينونة أمي .. حاولت أن أسعدها بالكدح ليل نهار في الشوارع العامة والمحال التجارية وبين الأزقة والمساجد .. فتركت حلقات الحفظ ؛ لأن ما كنت اكسبه يفوق المبلغ أضعافا .. خصوصا في شهر رمضان الكريم وموسمي العيد ..
وفي إحدى نوبات العمل .. انتصبت بوجهي الكسير عند إحدى السيارات الفارهة .. نوافذها كلها مطلية بالمخفي .. مددت كفي ككل مرة غير أنني صعقت عندما وقع نظري على شابة كانت تشبه أختي حليمة ولكنها في ثياب أنيقة ونظيفة جدا .. وعندما نقدني الرجل والذي كان يشبه الشرطي الذي أخبرنا بموتها رشقتني أختي بنظرات غريبة .. أدركت منها أنها تريدنا أن نمحوها تماما من سجل حياتنا وأن نعدها ميتة كما شيع عنها ..


ونسيت أمرها عندما نقدي صاحب إحدى السيارات المارقة من خلفهم فئة عشرة دراهم .. وعندما عدت للبيت لم أخبر أمي عنها ولم أجد سيارتهم بعد ذلك مطلقا ..

هناك 3 تعليقات:

  1. عُذرا منكِ ولكن... ويح حَليِمة هَذه! وسُحقاً للطُموحِ إن كَان قَواداً إلى إعتلال الفطرة السليمة في الإنتماء والأسرة!!

    لا أعرف أيهما "يسطلوني " هنا.. قوتك ام الشبيه الأنيقة.. كأني أقراء كتابا ما وما قراءته الآن هو أبعد مما يمكن لعقلي تخيلة في عمان!!

    أبدلكم الله خيرا من حليمة يا ليلى :(!

    ردحذف
  2. أعتقد اني اجرفت كثيرا ونسيت ان أسأل أهم سؤال: أهذه قصة حقيقة أم نثر قصصي لا أكثر O.0 ???

    ردحذف
  3. العزيزة " فريال " ،

    هذه قصة وقد نشرت في مجموعتي القصصية ( صمت كالعبث )

    هذه القصة بالذات كتبتها حين كنت اتسوق مرة فإذا بطفلة صغيرة تمسك عبادتي وتمد يدها ..

    أشفقت على حالها كثيرا وفكرت فيها شهورا ممتدة

    حتى كتابة هذه القصة ومازلت أشفق عليها وعلى جميع الأطفال الذين يجبرهم الواقع الصعب على وأد الطفولة قبل الأوان ..

    العالم زاخر ..

    لكن البشر من حولنا لا ينظرون إلى أبعد من أرنبة أنوفهم ..


    :) أرجو أن يكون كلامي قد أشبع دهشتك ،

    كوني على الود ..

    ليلى

    ردحذف