الخميس، 6 فبراير، 2014

حين تكون في بيروت شريد الهوية ..!

حين تكون في بيروت شريد الهوية ..!

الرؤية / آراء

عندما انتهيت من قراءة الرواية اللبنانية " شريد المنازل " لكاتبها اللبناني " جبّور الدويهي " تذكرت موقفا موجعا كنت قد مررت به في إحدى معارض الكتب عندما انتقيت بعض كتب من دور نشر لبنانية ، وبعد نقد ثمنها قلت للبائع الشاب على سبيل المزاح : " ألا تهدون زواركم الكرماء كتابا مجانيا ..؟ " تبسم البائع اللبناني لمزحتي ثم قال بنبرة مضمخة بالحزن ومشوبة بالقهر : " الشيء الوحيد المجاني في هذا العالم يا سيدتي هو الدم العربي .. وحده رخيص ومجاني ..! " ..
رواية " شريد المنازل " تتناول مسألة الأزمة التي تمر بها " لبنان " تلك الأزمات التي تحمل لون الدم نفسه ورائحة الموت المتفحم نفسه ، ولكن ما يميز هذه الرواية هي شخصية البطل " نظام " هو شاب لبناني عربي يولد في عائلة مسلمة سنية له أم وأب وأخت تكبره وأخوين توأمين يولدان بعده بأعوام ، هذه العائلة في إحدى أشهر الصيف تعزم على الاصطياف في مكان يسكنه نسبة كبيرة من المسيحين ، وهناك يلتقي الولد الشقي " نظام " بعائلة مسيحية عندما تقع الكرة التي كان يتقاذفها مع رفاقه في بستان رجل مسيحي يدعى " توما " يقطنه مع زوجته " رخيمة " على الرغم من كل الثروات التي يتمتعان بها لم يرزقهما الله بأولاد .. كان وحيدين كورقتين يابستين على الرغم من ربيع قلبيهما واعتادا على حياة بلا أطفال ، ولكن الطفل " نظام " بخفة فراشة ضوئية ينير حياتهما ويعتادان على وجوده ، الحياة نفسها تكون كريمة معهما فلا تمانع عائلة " نظام " من زياراته المتكررة لبستان هذين الزوجين المسيحيين ، ومع مرور الوقت تتأزم حالة أب " نظام " الذي يكون مطلوبا في لبنان ، فيضطر إلى الهروب إلى سوريا مع أسرته ويبقى نظام مع العائلة المسيحية وتتعهد برعايته ، ويدخل مدرسة مسيحية ويبقى " نظام " في عهدة العائلة المسيحية والكائنين الطيبين " توما " و " رخيمة " حتى يغدو شابا بقامة سامقة ..
حين يكبر " نظام " يعزم على السفر إلى " بيروت " حيث الحرب والأزمات كي يلتحق بالجامعة ويغدو محاميا ، ولكي ترخي العائلة المسيحية مساعيه للسفر والابتعاد عنها تشترط عليه أن يعمد كمسيحي كشرط كي يسمحان له بالسفر إلى " بيروت " ويفعلها " نظام " ثم يحمل حقائبه إلى عالم متداعي التقلبات والأزمات .. ويحمل بطاقة هوية تترك خانة الدين فارغة عندما أخرجها له " توما " المسيحي الذي تولى رعايته طوال تلك الأعوام مع زوجته ..
" نظام " الشاب الوسيم الطيب والحبوب ، يحبه الجميع ويصادقه الجميع يغدو كتركيبة فريدة من نوعها ، فهو لا يشعر بأنه مسيحي أو مسلم حتى من حوله لا يشعرون بذلك بل يرون فيه " إنسانا " يلتف حوله في الشقة التي استأجرها في " بيروت " رفاق على أشكال وأسماء ومذاهب منهم المسيحي والمسلم واليهودي وبلا دين .. هؤلاء الرفقة الذين انفضوا من حوله ليس بإرادتهم أو رغبتهم بل تداعيات السلطة والأزمات الدينية هي التي جعلت كل واحد منهم يرحل إلى منفى بعيد عن ضجة مدينة تحيض حربا مستمرا ولا تنفك عن إجهاض جثث وضحايا ..!
" نظام " في هذه الرواية هو شريد الهوية ، ضال الانتماء بين عائلتين مختلفتين واحدة يحمل اسمها وثانية يحمل كامل مشاعرها ، وبين ديانتين مختلفتين فكل من " توما " و" رخيمة " عايش بينهما أجواء الحياة المسيحية بينما مع عائلته التي يحمل اسمها كانت له فيها عمتين إحداهما تحرص على إسلاميته وتذكره دائما بأنه مسلم سني .. كان " نظام " جامع الديانتين باختلاف صارخ فهو مسلم عمد في كنيسة ثم دفن في كفن كالمسلمين في بستان " توما " المسيحي ..!
هي حكاية " بيروت " التي يحاولون اغتيال روح إنسانيتها في بلد حين تحمل هويتك في جيبك عليك أن تحترس فأنت معرّض بسببها لموت وشيك أو حياة طويلة ؛ وهذا يعتمد على الذي يستوقفه ليسألك عن هويتك عن مذهبك بالتحديد ، فإن استوقفك " مسيحي " وأنت " مسلم " أو استوقفك " مسلم " وأنت " مسيحي " فعلى الدنيا السلام .. هكذا غدت الحياة في " بيروت " لا تعبر دون أن تصرّح بهويتك الدينية ..!
لم يدرك " نظام " يوما هذا الاختلاف فهو " بيروت " التي تحب الجميع وتشرع ذراعيها للجميع مهما كان جنسه أو دينه أو لونه أو اسمه أو شكله ، ولهذا قتل ومسلسل هذا القتل عرضه ما يزال مستمرا باسم الدين ..!
من يمكنه أن يلوم أزمة الإحباط واليأس التي يمر بها شباب العالم العربي وهم يولدون على ضربات المدافع ويترعرعون مع البندقية التي تكون في سذاجة الطفولة لعبتهم شاءوا أم أبوا ، سرعان ما تغدو هذه اللعبة مع الزمن سلاحا اعتياديا يحمله في حله وترحاله بأعذار تبدو مألوفة ولا ينكرها الوطن الذي يحيا فيه كوسيلة الدفاع عن النفس .. يدافع عن روحه وعن دمه وشرفه وأرضه ضد من ..؟ ضد عدو هو نفسه كان أخا وجارا وصديقا ، لكن حالة العماء التي سادت على وعي الإنسان هي التي أحالته من آدمي إلى وحشي بفعل عقول همجية غذّته العنف ، وغذّته منهجا ومذهبا متوحدا ، وأوحت إلى روحه جسارة أن يكون المرء مختلفا وأن كل اختلاف هو خروج عن الملة ، هو كفر ، هو تجديف ، وإلحاد ، هو جهنم .. على هذه المسوغات وغيرها يشهر فوهة سلاحه نحو أخيه المسيحي إذا ما كان مسلما أو جاره المسلم إذا ما كان مسيحيا ؛ من طلقة واحدة طائشة أطلقت سهوا أو عمدا اشتعلت أوطان وحضارات وأرواح بريئة واغتالت ابتسامات ضحايا الاقتتال الطائفي اللعين ..!
ماذا يمكن أن تقول لمدينة فخمة بجرحها كــ" بيروت " والتي لطخت زهرة فتنتها في مستنقع الهوية الدينية حتى ما عدت تعرفها ..؟!
لا أقول سوى : باسم الله .. باسم الرب .. باسم الدين عليك السلام يا " بيروت " ...

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق