الثلاثاء، 29 يناير، 2013

كتاب في الحمام ..!


 
 
كتاب في الحمام ..! 

 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب / البلد

 

انتشرت في الآونة الأخيرة صورة كاريكاتورية تظهر مجموعة أطفال صغار وفي أيديهم أجهزة من هواتف حديثة وآيباد متحلقين بحذر حول عدة كتب ملقى على الأرض أمامهم ويحاولون جسها بعيدان من خشب وكأنهم يتساءلون : ما هذا الشيء الغريب ..؟!

ويبدو أن هذا الكاريكاتور عمل ضجة نوعا ما بين أوساط من الناس بمختلف فكرهم وثقافاتهم ؛ فمنهم من رأى أنها إهانة لقدسية الكتاب وهناك من تساءل عن زمن يندثر فيه الكتاب كليا في مجتمعاتنا وتحل محله أجهزة مستحدثة فقط ، بينما آخرون حمّلوا الأمر رؤى متباينة ..

هذه التساؤلات ووجهات النظر المختلفة جعلتني أتساءل بدوري : ألا تعبّر الصورة عن هذا الزمن ..؟! عن عصر الذي نحن فيه الآن ، حيث الكتاب أصبح واقعا مهجورا في حياة أطفالنا اليومية ، ليس فقط الأطفال حتى الكبار بعيدون عن ثقافة الكتب ..!

ولعل من يحرص للذهاب إلى معارض الكتب التي تقام سنويا سوف يشهد ظاهرة تفشت في مجتمعاتنا العربية عموما ، وفي مجتمعاتنا الخليجية خاصة وهي أن معظم الداخلين لمعارض الكتاب هم الذين لا علاقة لهم بالكتب ، الذين غالبا يكونون مرافقين لفرد من أفراد أسرهم أو أقاربهم أو أصدقائهم جاء يقتني كتبا وماذا يفعل هذا الفرد الذي جاء مرافقا سوى أن يزجي وقته في مقاهي المعارض وحين يحين موعد المغادرة من معرض الكتاب يغادرون وهم حاملين في أيديهم أكواب الذرة المتبّلة أو آيسكريم أو قهوة ..!

أفراد مجتمعاتنا ليس لديهم ثقافة شراء كتاب أو حتى الاهتمام الكافي بحدث الكتاب نفسه رغم اهتمام مؤسسات بعض الدول والتي تحرص سنويا على إقامة أكثر من معرض للكتاب وتدشينها بمهرجانات وندوات تعنى بالتثقيف ولكن عادة لا يحضرها سوى المهتمين بهذه الثقافة ، ولكن ماذا عن باقي شرائح المجتمع .. ماذا عن دورهم تجاه الكتاب وتجاه تثقيف أنفسهم في عالم يخوض في صراع الفكر والاختراعات ..؟!

 هذا الاهتمام المتراخي بثقافة الكتاب من الطبيعي أن يؤثر بدوره على أبنائهم في زمن كزمننا أصبحت الأجهزة باختلاف أنواعها هي التي تثير اهتمامه أكثر من كتاب لم يتعرف عليه في صغره ؛ وحين بدأت علاقته بالكتاب ابتدأت مع الكتاب المدرسي المزدحم بالمعلومات التي تفرضها عليه وزارة التربية والتعليم ، ويتعاطى معها مضطرا كفرض مدرسي تؤهله للانتقال إلى مرحلة دراسية أخرى ..!

 هذا الكتاب المدرسي الذي يعطّله عن ألعابه وعن أشيائه المحببة ؛ بتأكيد طفل اليوم ليس كطفل الأمس .. فطفل الأمس أوضاعه النفسية والحياتية ليست كما طفل اليوم ؛ الطفل في تلك الأزمنة كانت المدرسة بالنسبة له فسحة يتلقى منها أشياء كثيرة لم يسبق أن تلقاها أو سمع بها في بيئته التي كانت ضئيلة في إمكانياتها المغرية وغالبا ما كان التلفاز هو وسيلة متعته الوحيدة .. ونظرا لظروفه وظروف العصر لم تكن الكتب متوفرة له ولم تكن ثمة معارض سنوية تقام بتلك الكثافة التي نشهدها اليوم ولهذا كان الكتاب المدرسي بيئة خصبة للتلقي والمعرفة والانفتاح ..

بينما طفل اليوم نشأ في عولمة اختصرت أمامه كل شيء ، ترعرع في بيئة مدهشة فمن خلال كبسة زر يحصل على كميات مهولة من المعلومات وهي متوفرة له في جهازه الخاص الذي يحمله معه في كل مكان والتي تشغل وقته كليا ، فالأجهزة التي يحملها ليست للمعرفة وحدها بل غنية بألعاب يحبذها ، وبما أن المدرسة مكان لها نظام خاص وقوانين تطلب من الطفل الالتزام بها فحين يذهب سيخلف وراءه سلسلة من الأجهزة هي وسيلته الماتعة للتواصل مع العالم ، هنا تكون المدرسة بمثابة حجر عثرة في طريقه ويكون الكتاب المدرسي والكتب الأخرى ليست من ضمن مخططاته أو ميوله واهتماماته ، وتبدأ علاقة التصادم ما بين رغبات الطفل ومصلحته في الحياة ..!

فهل يحرص الأفراد في مجتمعاتنا العربية لخلق صلة ما بين الطفل والكتاب منذ الصغر ..؟! هذا السؤال أما الإجابة فعليكم ولكن قبل أن أنهي المقالة سوف أعرض عليكم حكاية طفل مع الكتب رواها الكاتب الروائي " باولو كويلو " .. تقول الحكاية : " كنت عاكفا على توقيع الكتب لقراء في مينا بولس في الولايات المتحدة الأمريكية عندما طلب مني أحد القراء أن اكتب إهداء لابنه البالغ من العمر 16 عاما .. فسألته ضاحكا : " ألا تعتقد أن الوقت مبكر قليلا بالنسبة له في هذا الصدد ..؟ ورد الرجل : " لا ، فهو يحب الكتب حبا جما وعادة ما يلتهمها كلها .." وفي وقت لاحق وعندما علقت على هذا مع بعض الأصدقاء اكتشفت أن هذا الرجل لم يكن يأخذ الأمر على محمل الفكاهة ، فالآباء في الولايات المتحدة يعرّفون أطفالهم بالحضور المرتبط بالكتب .. "

ويضيف الروائي " باولو كويلو"  بقوله واصفا أهمية الكتاب عند هؤلاء الأطفال وحرص آبائهم : " في مرحلة مبكرة من العمر وعندما يدلف الصغار إلى أسرتهم فإن كتابا لابد أن يكون موجودا إلى جوار دمية الدب الشهيرة ووقت الاستحمام تجد كتابا بلاستيكيا جنبا إلى جنب مع اللعب التي تأخذ شكل المراكب والسفن في حوض الاستحمام مع الصغار وشيئا فشيئا يعتاد الأطفال ذلك وينتهي بهم الأمر إلى قبول الكتب باعتبارها جزءا مهما لا يتجزأ من حياتهم .."

 

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق