الثلاثاء، 1 يناير، 2013

" يوسف ندا " من داخل الإخوان المسلمين ..


 
 
" يوسف ندا " من داخل الإخوان المسلمين

 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب اللندنية

 

" يوسف ندا " من داخل الإخوان المسلمين عنوان يتصدر هذا الكتاب الذي بين يدي يحكي سيرة حياة رجل غامض بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى .. " يوسف ندا " قبل أن ينشر سيرته في كتاب ورقي سبق وعرى كثيرا من حقائق ومؤامرات عالم السياسة العالمية في برنامج لقناة الجزيرة " شاهد على العصر " الذي يقدمه المذيع أحمد منصور ..

" دوجلاس تومسون " كاتب سيرة " يوسف ندا " يقوله في المقدمة عنه : " هذا الرجل الذي يعلم الجانب الأكبر مما لم يروه أحد عن نصف قرن من الغضب والثورة لقد حضر وشهد الحروب وحوادث الإرهاب العالمي والأزمات الدولية المعقدة ورآها من الداخل فهو شاهد عيان على التاريخ ومشارك حقيقي ومفاوض في صنع الأحداث التي شكلت هذا التاريخ " ..

بعد هذا التعريف الصاخب عن " يوسف ندا " يحاول كل قارئ للكتاب أن يعرف من هو هذا الرجل الذي يحمل رصيدا تاريخيا لا يستهان به البتة حول العالم ..

" يوسف ندا " هو مصري يعيش في المنفى ويقول لكل الناس إنه تشرف بعضويته في جماعة الإخوان المسلمين لأكثر من 60 عاما وهي أكثر المنظمات الإسلامية في العالم العربي تأثيرا وغموضا وإثارة للجدل ..

مر " يوسف ندا " مذ بلوغه بأحداث جسام أجرت تغييرا جذريا على حياته ولعل من أهمها حدثين ؛ الأول حين ألقي القبض عليه وهو في عامه الثالث والعشرون بتهمة انضمامه للإخوان المسلمين وذلك في عهد الرئيس " جمال عبدالناصر " وهنا تبدأ مرحلة جديدة في حياة " يوسف ندا " حيث اقتاده الجنود العسكريون من منزل أهله في الإسكندرية إلى سجن حربي فعايش رعبا حقيقيا عن الويلات التي ذاقها السجناء هناك ؛ مفصحا بذلك أهم تفاصيل القمع الذي تعرض لها جماعة الإخوان المسلمون في عهد زعيم القومية " جمال عبدالناصر " كما تشير اعترافات الكتاب بنصه : " هذه الوحشية أصبحت من نظام الحياة في مصر بعد استيلاء البكباشي جمال عبدالناصر على السلطة في أعقاب ثورة 1952م .. كان يخشى أن يفقد السيطرة وأن يخسر قلوب المصريين وعقولهم أمام الإخوان المسلمين الأكثر شعبية فكان رد فعله هو إزاحتهم عن الأنظار وهكذا امتلأت السجون بأكثر من 300 ألف عضو من جماعة الإخوان في السنوات الأولى من عهد عبدالناصر " ..

السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : متى أصبح " يوسف ندا " عضوا في جماعة الإخوان المسلمين ..؟

يحكي " يوسف ندا " حادثة كانت سببا فعليا لدخوله إلى عالم الإخوان المسلمين ؛ حيث يصف أنه في يوم من عام 1948م كان يمضي في طريقه فصادف اثنين يتقاتلان بالسكاكين ؛ لقد هاله ما رأى واعتقد أن الشرطة ستصل بين لحظة وأخرى لتفض المشتبكين ، ولكن ما حدث أن مرت جماعة من الشباب وعمدوا إلى فض الاشتباك بين الطرفين المتناحرين وتباعد بينهم بالكلمة الطيبة والاحتضان مهدئة الخواطر والموقف كله .. كان الوسطاء هم من جماعة الإخوان المسلمين ومن هذه الحادثة تقرب منهم وأصبح عضوا فاعلا فيهم وتوسعت من خلالها صلاته حول العالم .. حيث يعرض الكتاب كيف أن " يوسف ندا " كان وجها بارزا لحل كثير من قضايا الشرق والغرب في العالم بمباركة مرشد جماعة الإخوان المسلمين ؛ حيث كانت تلك الدول تسعى إلى طلب مساندة الإخوان لحل معضلة عالقة ومن ذلك استعانة أمريكا بهم حين حجز أتباع " الخميني " رهائن أمريكية في مظاهرة شعبية حرضها المرشد الإيراني لتحدي أمريكا ؛ فحاصر الشباب السفارة الأمريكية في طهران وحجزوا حوالي 36 أمريكيا وقتئذ .. فلجأت أمريكا مستعينة بالإخوان قائلة لمرشدهم الذي كان " عمر التلمساني "  : " أنت رئيس منظمة إسلامية وإيران دولة إسلامية وأنت تعرف كيف تخاطبهم وبإمكانك أن تتدخل فهلا ساعدتنا ..؟" علما أن علاقة إخوان المسلمين بالثورة الإيرانية ومرشدها كانت طيبة ؛ حيث وقفوا إلى جانبهم حين دعوا إلى إسقاط حكم الشاه وهنا يبرر " يوسف ندا " عن هذا التأييد بقوله : " اعتقدنا أننا نرضي الله بتأييدنا للثورة وكنا نعتبر أي حركة في العالم ترفع الظلم عن كاهل المسلمين هي حركتنا " لاحظوا أن كلمة " اعتقدنا" ترمز اليوم إلى خيبة أمل مريرة عن موقف إخوان المسلمين من الثورة الإيرانية ومرشدها ..

كما عملت جماعة الإخوان المسلمين وعضوهم الفاعل " يوسف ندا " في تسوية كثير من القضايا كوصول لتسوية حرب العراقية والكويتية ؛ حيث قابل رجل الإخوان " يوسف ندا " الرئيس العراقي السابق " صدام حسين " لحل أزمة الحرب التي كانت قائمة وقتذاك بين العراق والكويت ..!

ودوره في تسوية الخلافات ما بين المملكة العربية السعودية واليمن على مسألة الحدود .. وقضية اليمن من جهة أخرى والتي ربحتها بواسطة " يوسف ندا " التي كانت ضد أرتيريا في التحكيم الدولي على جزر حنيش وسقر .. هذا إضافة إلى كشف كثير من وثائق وصلات سرية كانت بين الزعيم الليبي المقتول " معمر القذافي " وصلاته الوثيقة بإسرائيل ..!

أما الحدث الآخر الذي نكأ بحياة " يوسف ندا " بعد أحداث 11 من ستمبر تصدر اسمه قوائم الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب ؛ فقد اتهمت سياسة بوش الأمريكية بنكه المعروف " التقوى " بتمويل القاعدة وعلى رأسهم " أسامة بن لادن " ..!

تعرض " يوسف ندا " بعد هذا الاتهام الموجه له لسوء سمعة ونتيجة لسياسات تجميد كافة أمواله وحساباته فقد تعثرت تجارته التي قضى أعوام في إنعاشها .. وقضى بقية سنواته الأخرى لاستعادة سمعته وصورته أمام العالم حتى احتكمت الأدلة الأجنبية إلى براءته وبنكه " التقوى " من تهمة تمويل الإرهاب ..

جاءت سيرة " يوسف ندا " حاملة لكثير من التجارب السياسية ، وكما احتوى على بعض رؤى يراها هذا السياسي المحنك بعد صلات واسعة حول العالم ، ومن ضمن تلك الرؤى بين أن الثورات التي قامت قبل هذا الربيع كانت انقلابات عسكرية أكثر من كونها ثورات شعوب .. لكن ثورات الشعوب برزت مع الربيع العربي حيث الشعب هو من يسقط الطغاة وليس العسكر .. كما أشار أن اشتعال الربيع العربي قد يكون امتدادا لاشتعال الربيع الخليجي ومما قاله في هذا الشأن : " هناك أماكن أخرى تتهيأ للانقلاب القادم لكن الثورة القادمة من المحتمل أن تقوم في المملكة العربية السعودية والخليج هذه أكثر الدول عرضة لذلك ، وعندما تحدث ثورة هناك فسوف يدبر الأمريكيون انقلابا له من الآن ، إما من خلال أحد أفراد الأسرة الحاكمة وإما الجيش وإما الأجهزة  الأمنية .. فهم يريدون أن يكون الجالس على العرش أحد رجالهم ومسيطرا على الأمور " ..!

كما أنه خصص حديثا عن الثورة المصرية وكيف أن جماعة الإخوان المسلمين لم تكن لها نية في ترشيح أعضاءها لرئاسة الجمهورية .. في الوقت نفسه يرى " يوسف ندا " أن ترشيح الإخوان للرئاسة وفوز أحد أعضائهم بها منح جماعة الإخوان المسلمين شرعية بعد 84 عاما من النضال في ظل الملكية والدكتاتورية .. كما أنه أثنى على الدكتور " محمد مرسي " مشيرا إلى أنه و" سعد الكتاتني " من أكفأ وأفضل الإخوان ..

وأخيرا يرى أن جماعة الإخوان المسلمين كان ضحايا الآلة الإعلامية وأنهم بين حجري الرحى فالناس العاديون المطيعون للقانون قد حصروا بين رجال الإرهاب المجانين والحكومات الدكتاتورية المستفزة من قبلهم ..!

لا شك أن سيرة " يوسف ندا " سيرة غنية وثقيلة بأحداث جسام كشاهد مرّ على العصر وشهد أهم فتراتها اشتعالا وتحديا وعبر جماعة عرفت بالإخوان المسلمين ما تزال تحظى بالرفض النسبي وتُعرف بالغموض .. ولعل قادم الأعوام يكون مع أو ضد " إخوان المسلمين " وحده التاريخ يدوّن ذاكرة العصر ويراكمها لأجيال قادمة ..

 

ليلى البلوشي

هناك تعليق واحد: