الأحد، 5 يونيو، 2011

مكتبة أحذية ..






مكتبة أحذية






"امنح فتاة حذاء لائقا، عندها تستطيع أن تغزو العالم"
مارلين مونرو




***
عندما كنت تلميذة صغيرة، بالتحديد في الصف الأول الابتدائي، اذكر مقرر مادة اللغة العربية في ذاك الوقت، كان الدرس الأول في الكتاب معنونا بـ"حذاء هند ورجل نورة"، وثمة جملة لا تزال ملتصقة بذاكرتي، فالمعلمة كانت تحرص على تلقينها لنا بتكرارها عدة مرات، والجملة كانت تقول: (لبست نورة حذاء هند، حذاء هند كبير ورجل نورة صغير..).
ومذاك الدرس، وأنا لا أتوانى عن انتعال أحذية كبيرة استعرض من خلالها وجه الشبه بيني ونورة الصغيرة، التي كانت دائما تنتعل حذاء أختها الكبرى كسبيل استكشاف عوالم من هم أكبر منها سنا بكثير، تكوّر بعد ذلك مفهوم الحذاء ومدلولاته عندي، وطالما تمنى قلبي الصغير بصغر عقلي وقامتي ورجلاي تحديدا أن انتعل الحذاء الأحمر، دون أن يفوتني حلم حصول على حذاء سندريلا؛ كي تتجسد الأسطورة فيني، وأدركت تلك الطفلة التي كنتني مع الأيام أنه كلما كبر الحذاء كبر معه أشياء أخرى..
ثمة أحذية متعددة تلبسنا على أشكال وأحجام وألوان مختلفة، وبعض الأفراد يفرطون أقدامهم بالتدليل، فينتعلون في العام الواحد أكثر من نوع من الأحذية، فهناك أحذية للمدرسة، أحذية للسوق، أحذية للعيد، أحذية للمنزل وأحذية لخارج المنزل إضافة إلى أحذية نقتنيها بلا مناسبة، أحذية لكل الفصول والمناسبات، وفي السنوات الأخيرة حرصن ـ معظم النساء ـ على أن يكون لكل زيّ حذاء خاصا يتلاءم مع لونه، ويذكر أن المغنية "فيرجي" نجمة فريق "بلاك أيد بيز" واجهت موقفا محرجا قبل دقائق من أداء فقرتها على الهواء في برنامج تلفزيوني، حين وجدت أن الحذاء الذي سوف تنتعله غير ملائم لفستان السهرة الذي ترتديه، فأغاثتها من تلك الأزمة المغنية "شيرلي كول" حين قدمت لها حذاء مناسبا من غرفة ملابسها في هيئة التلفزيون، وحين اعتلت "فيرجي" منصة المسرح علقت بقولها: (لقد وقعت لي أزمة في الدقيقة الأخيرة قبل أن أعتلي المسرح، لذلك شكرا لك شيرلي كول لجعلي استعير حذاءك)..
بينما أفراد آخرين الذين تعوزهم حاجات أخرى أهم بكثير من الحذاء؛ فإن الحذاء يمشي في أقدامهم أعواما طويلة حتى يهترئ كفم تمساح مفتوح، وإذا ما ضاق حذاء على قدمين كبيرتين؛ فإن هناك قدمين صغيرتين أخريين سترثان هذا الحذاء.. وهذا ما حدث مع الكاتب "أنيس منصور" حيث حكى قصته المؤلمة مع الحذاء في كتابه (قلوب صغيرة) قائلا: "لو كان لي حذاء جديد ولو مرة واحدة ما جرى ما كان، فقد كنت ارتدي أحذية إخوتي الأكبر مني، هم أكبر مني والأحذية أكبر من قدمي، وكنت أشعر براحة في قدمي وحرية في الحركة أو هكذا كنت أقول لنفسي، ولا بد أنني كنت أقول ذلك في حالة دفاع عن النفس، عندما يتعجب زملائي في المدرسة من هذا المنظر الغريب، ولم يكن دفاعا عن نفس ضد شخص واحد وإنما ضد كثيرين، فقد كان بعض زملائي يجيئون ليتفرجوا على حذائي كم هو طويل، كم هو كبير، وصرت أشعر بأنني فعلا مضحك والذي كان يؤلمني أنني لا أستطيع أن أفعل شيئا ولا أعرف كيف أداري حذائي ولا أين أضع قدمي.."
عقدة الكاتب "أنيس منصور" تفاقمت مع الأيام بحيث أخذ يتصور أن كل تلميذ يقع منه قلم على الأرض أو مسطرة إنما هي حيلة ليلقي نظرة على حذائه، لدرجة أصبح أول من يدخل الفصل وآخر من يخرج منه..!
وللكاتب التركي الساخر "عزيز نيسين" قصة ظريفة بعنوان (الحذاء الضيق) حيث تروي القصة عن رجل له صديق عاشق لفتاة، اضطرته الظروف إلى أن يستدين مبلغا من المال؛ كي يشتري حذاء جديدا ليرافق صديقه إلى منزل الفتاة التي يحبها، فيجد أن الحذاء الذي على مقاس قدميه أعلى سعرا من الأحذية الأخرى، ونتيجة قلة ذات اليد يشتري حذاء أقل من مقاسه بدرجة واحدة، وطوال الطريق تتوجع قدماه من الألم، وفي أثناء الزيارة كان صديقه يثرثر ويحكي لأهل الفتاة قصصا ساخرة بينما هو تقبّع في صمته، متعرق بشدة والاحتقان يأخذه بينما كل قطعة من جسده تلتهب من الحمى ، ولم يملك صاحبه أمام حجر صمته سوى أن ينعته بالخجول أمام أهل الفتاة، وحين خروجهم من منزل الفتاة تسأله والدتها إذا ما كان متزوجا، فيحرك رأسه إشارة بلا.. وطوال الطريق يؤنبه صاحبه على صمته، بينما يتحامل الألم كثيرا على قدميه، وحين يصل إلى مقر عمله يلقي بجسده على الأريكة وتتداعى أيادي كل من زملائه لمساعدته في خلع الحذاء الذي كان لاصقا ويأبى على النزع، حتى يحمل كل واحد منهم سكينا ومشرطا وموس حلاقة فيمزقوا الحذاء قطعة قطعة، وعندما عانقت قدميه حريتهما ظل لمدة ثلاثة أيام غير قادر على المشي، ويبدو أن تلك الحرية كلفته فاتسع معه مقاس قدميه حتى غدا أكبر من مقاس قدميه المعتاد بمرتين، لكن الطرافة هو أن والد الفتاة زاره في منزله عدة مرات وعبرّ له عن إعجابه بخلاله الكريمة وخجله وارتأى أن يختاره زوجا لابنته ، عوضا عن صديقه التافه والثرثار وعديم الحياء، ولكن حينما كثف والد الفتاة من زياراته ، توجه هو إلى درج طاولته واخرج منه الحذاء المقطوع الذي ضاق على قدميه ورماه أمامه صارخا: ها هي الأخلاق والتربية والخجل خذه وزوجّه ابنتك..!
إذا ما كان حذاء ضيقا على القدمين يكفل زواجا مباركا على صاحبه؛ فلينتهز الفرصة كل ذي حاجة إذن..! لكن ماذا عن استغناء شخص محتضر عن حذائه مقابل رغبة أخيرة يحصل عليها بعد مغادرته روحا إلى العالم الآخر..؟!
ففي قصة "ليف تولستوي" (ثلاث ميتات) يطلب حوذي شاب بعد أن ترهل حذاؤه من العم خفيدور الحوذي المريض حذاؤه ، بعد أن اتفق الجميع من حواليه أن شخصا مريضا مثله وعلى شفا الموت لن يحتاج إلى حذاء، وافق العم خفيدور على الاستغناء عن حذائه مقابل أن يشتري له الشاب شاهدة قبر بعد موته.. فأخذ الشاب الحذاء ومات العم خفيدور دون أن تزين قبره شاهدة..!
ويحكى أن "غاندي" كان يجري للحاق بقطار وقد بدأ القطار بالسير وعند صعوده القطار سقطت إحدى فردتي حذائه ، فما كان منه إلا أن أسرع بخلع الفردة الثانية ورماها بجوار الفردة الأولى على سكة القطار، فتعجب أصدقاؤه وسألوه، لماذا رميت فردة الحذاء الأخرى؟ فقال غاندي بكل حكمة: أحببت للذي يجد الحذاء أن يجد فردتين فيستطيع الانتفاع بهما ، فلو وجد فردة واحدة فلن تفيده..
لا اذكر أبدا عن حذاء ضاق على قدمي أو تاه عني أو سبب لي مشكلة كحذاء الطنبوري الذي ضاق منه الويل وتبهدل بسببه كثيرا، لكنني اذكر جيدا حكاية مكتبة كتبي مع أحذيتي، وكان ذلك حين استبدلت مكتبتي القديمة بمكتبة أكبر ذات سعة بحيث تتنفس كتبتي بحرية دون أن تضيق بها الأنفاس، ووضعت المكتبة القديمة في زاوية من المنزل ؛ فقد عزّ عليّ التخلص منها، وبقيت عزيزة النفس في زاويتها تشكو الفراغ والوحدة بلا صوت ، وحدث أنني من النوع الذي اقتني أحذية كثيرة لكن قطعا هوسي ليس بمستوى النجمة الاستعراضية "بيلي مادلي" التي تملك أكثر من 800 حذاء للاستخدام الشخصي ، إضافة إلى 900 حذاء للاستخدامات الأخرى..!
وكلما اقتنيت حذاء جديدا، أضم الحذاء القديم إلى مجموعة الأحذية العتيقة المخبأة أسفل السرير، وإن كنت لا انتعلها إلا مرة أو مرتين حسبما المناسبة والظرف والمكان والزيّ، وحينما تفاقمت عدد الأحذية المحبوسة تحت السرير، أشفقت على حالها هناك في ظلمتها بلا أنيس ولا ونيس ولا أنفاس متجددة، فخطرت برأسي فكرة تصفيفها مكان الكتب في المكتبة القديمة، ومذاك اليوم ومكتبتي القديمة زاخرة بالأحذية بعدما كانت للكتب، والأهم من ذلك كله يسهل عليّ الوصول إليها بلا عناء، فيما كنت في السابق أواظب أحيانا حين يعييني الحصول على فردة دون أخرى ، على انتعال الحذاء بعينه ، كيفما كان أمامي عدة مرات..
***





"بقيت أتذمّر من عدم امتلاكي حذاء ، حتى رأيت رجلا بلا قدمين"
كونفوشيوس





ليلى البلوشي

هناك تعليق واحد:

  1. أنتي رائعة جداً، دعيني أخبرك سبب زيارتي للموضوع، وانا جالسة في غرفتي كنت أتساءل عن مدى الرضا الذي كنت اشعر به وانا أردد لبست نورة حذاء هند ... الخ وفجأة شعرت بالغثيان ولا أعلم لماذا ربما لأنني تذكرت كم من الوقت لبست حذاء أختي الحقيقية هند ؟؟ لا أعلم لماذا أكره هذا الدرس الذي جعلني أفكر في الحذاء أكثر من تفكيري بمدى حجم اتساع الحذاء نفسه، لقد تمنيت أن يكون أول درس خاص بالجزء العلوي من جسدي،
    ها أنا ذا أنسى إخبارك عن سبب دخولي بسبب الحذاء
    كنت بصدد كتابة موضوع يشبه موضوعك في مقدمته فقط فاستخدمت محرك البحث لأرى شخص آخر شغله الحذاء بغض النظر عن الموضوع، ولما قرأت ما كتبت إبتسمت حقاً وراق لي ما دونتي، فقررت ان لا أكتب شيء عن الموضوع، وكأنني كنت عطشا ورويتني
    امينه الظاهري
    Twit: amina_aldhaheri

    ردحذف