الاثنين، 13 يونيو، 2011

من تاريخ المصاصات إلى تاريخ الثورات






من تاريخ المصاصات إلى تاريخ الثورات




" جريدة الرؤية العمانية "




قال مؤلف الأطفال السويدي " أولف ستارك " عندما عرض كتابه الجديد " الصبي والصبية والجدار " مستوحيا فكرتها من خلال زيارته لأطفال فلسطين في الأرض المحتلة : " التقيت بالكثير من الأطفال الفلسطينيين من أماكن مختلفة ، في حي الشيخ جراح بالقدس ، رأيت الأطفال الذين طردوا من منازلهم ليعيشوا في خيمة لا تختلف عن العراء في شيء ....، كان الأطفال يشيرون بأصابعهم إلى الطرف الآخر من الشارع ويقولون : هناك بيوتنا كنا نعيش هناك .."




ولاحظ هذا المؤلف السويدي أن أطفال فلسطين يسقطون رغباتهم وأحلامهم المنقوصة على رسوماتهم ، فهم يرسمون بيوتا ملونة تتسع لأحلامهم وآمالهم ، على تلك الأوراق رأى حنينهم إلى بيوتهم الضائعة أو فردوسهم المفقود ..




كم يتأثر الأطفال بالواقع المحاصرين بأحداثه ..!




مهما غدا هذا الواقع محزنا أو مبهجا ، ولعل أطفال فلسطين ؛ الجوقة التي عرفت جيدا معنى أن يولد المرء وسط الحرب والدم وأصوات قنابل وقذائف مستمرة وبيوت تهدم وتشرد وجوع مرير ، ومن خلال حقبة هذه الثورات الجديدة التي شمّرت ساعدها في كل بقعة من عالمنا العربي ، كان من الطبيعي أن يكون الطفل وهو جزء مهم من كيان هذا المجتمع ، أن يكون حاضرا بجسده وصوته وأعماله التي يقدمها من معين عقله البريء كشاهد عيان لا يعرف تفسير ما يجري سوى أنها حقائق تؤثر فيه حتى أعمق الأعماق ..




فأطفال اليوم مما تكاثف على واقعهم من إرهاصات الأحداث تبدلت شخصياتهم الداخلية ، ما عادوا يكتفون الاسترخاء بكسل مفرط أمام أفلام الكرتونية والمصاصات في أفواههم أو أن يقبعوا برتابة أمام البلاي ستيشن والألعاب الالكترونية المختلفة ، بل جرتهم التغييرات بقوة إلى ساحاتها ومطالبها ، هاتفين بحقوقهم المشروعة منها الكرامة والحرية والعدالة وحياة تستحق أن تضم مستقبلهم بأمان تام ..




ولعل " الثورة المصرية " هي أولى الثورات التي ناهضت دور الأطفال في معيشة تغيير قلب التاريخ المصري رأسا على عقب ، فقد كانوا هؤلاء الصغار ضمن أسرهم في ميدان التحرير ، منددين بالسلطة ، بأصواتهم الهتافية ، وقد حرصن معظم الأمهات على مشاركة حتى الأطفال الرضع ؛ كي يشعروا ويعايشوا التغيير الجاري في البلاد كما أشار معظمهن ، كي يعرفوا أن التغيير لا يأتي سهلا ، بل بالمقاومة والإصرار والاعتصام حتى النصر ..




حتى أن أحد الأطفال وهو ما بين سن الخامسة والسادسة حينما سألته المذيعة التابعة لقناة العربية أثناء ثورة شباب الخامس والعشرين من يناير : لماذا أنت جالس هنا في هذا الوقت المتأخر ..؟ أجاب الطفل ببراءة وابتسامة خجولة تزين شفتيه : كي أصوّت ..




وفي " اليمن " لم يبق طفل يمني من الثوار ، إلا وقد تصدرت وجهه الصغير كلمة واحدة كبيرة وقوية بحسها الوطني " ارحل " ، هذه الكلمة شاملة لكل ما يربو إليه هذا الطفل ، طفل التغيير والحرية متسللة هتافاتهم وخطاباتهم في ساحات التغيير ، بل ما يثير من مشاهد حينما انتصب ضباط يمن الأحرار وسط ساحات التغيير مع أطفالهم الذكور والإناث بالزي الموحد نفسه ، زي ملون ببياض ينم عن جسارة نادرة للتضحية في سبيل حبيب واحد اسمه وطن ..




بينما في " ليبيا " فإذا كانت سلطة " القذافي " الطاغية لم يتوان عن استغلال براءة الأطفال وخداعهم ؛ كي يجدوا أنفسهم وسط ساحات المعركة وفي الصفوف الأولى كجدار لحماية كتائبه ..!




بينما في فريق " الثوار الأحرار " فقد منعوا الأطفال من المشاركة في عمليات الحربية ، واقتصر دورهم المنيط عليهم هو تنظيم حركات السير ونظافة الشوارع ، و رغم ذلك التحق كثير من المراهقين بالثوار على جبهات القتال حاملين رشاشات كلاشنكوف دون مواربة أو خوف ، ومعظمهم هربوا من أسرهم ، وتخفوا خلف أعمار تستر سنواتهم الحقيقة طمعا في النصر والحرية ، بينما يقضي من هم أصغر سنا في رسم علم الليبي القديم وهو يحتضن أحلامهم في العيش الكريم والحرية والنصر ، خاصة في مدينة بنغازي ، تلك المدينة الليبية التي انطلقت منها شرارة التطورات الليبية الراهنة ، علم ليبيا الجديد تصدر لوحات الأطفال ، ليتحول الحائط إلى ما يشبه " جدارية أمل " فهؤلاء الأطفال تشبعت مخيلتهم بأحداث المحورية والتاريخية التي تمر بها ليبيا ، ليتشكل جيل جديد من الطامحين في الحرية والديمقراطية والاستقرار ، فهم أمام مرحلة جديدة يطلقون فيها العنان لإبداعهم البناء ؛ كي يتم إعادة بناء الوطن ، واستئناف الحياة مرة أخرى دونما بطش عسكري وقصف وسجن ، وستكون هذه الرسومات هي شاهد عيان في أزمنة الأجيال اللاحقة وثقت يوميات المرحلة الليبية الراهنة ، بكل ما فيها من منغصات وانتهاكات ومواجهات وطموحات من أخيلة غنية بالمستقبل ، وإن غدا مجهولا عبر ذاكرة صغيرة لكنها كبيرة بأحلامها المتطلعة ..




وماذا عن أطفال " سوريا " الجريحة ..؟ أولئك الملائكة الصغار الذين خربشوا على الجدران وكتبوا بدافع محاكاة أطفال تونس ومصر وليبيا العبارة التي توارثتها كافة الثورات العربية " الشعب يريد إسقاط النظام " ؛ لتكون هذه العبارة التي دونوها عن حماس مفرط وشقاوة عفوية هي القبس التي استطالت السماء السورية وأرضها إيذانا لثورة مدت شرعيتها في أصقاع البلاد ..




ولكن ما يصدم المشهد العربي حقا ؛ حينما اقتيدت القوات الأمن السورية هذه الجوقة البريئة من الأطفال إلى سجونها وكأنهم مجرمي حرب ، فذاقوا ما ذاقوه من ضرب بالسياط والحرق بأعقاب السجائر وصعق بأسلاك الكهربائية ، كسر وبتر أعضاء ونزع أظفارهم بالكماشات في مشاهد مؤلمة تتقطع منها الضمائر البشرية النابضة بحس الحياة والإنسانية ولعل مقتل الطفل " حمزة الخطيب " ابن الثالثة عشر على يد قوات الأمن السورية أعظم دليل على فظاعة ووحشية التعذيب لهذا النظام ، ولا نقول سوى أن وراء ثورة سوريا العظيمة كان أطفال ..!




والتأثير لم يشمل أطفال العرب وحدهم ، بل تقافز إلى " أطفال الغرب " ، خاصة أطفال الدبلوماسيين الذين كانوا يعملون في الدول العربية التي جرت على أرضها الثورات ، ويجد أطفال هؤلاء السياسيين أو من كانوا مقيمين في دولة الثورات حين يرتحلون حاملين حقائبهم إلى أوطانهم بنوع من الفجوة العميقة والتغرب في المكان ؛ لأن الانتقال من مكان إلى آخر بعد تحقيق نوع من التوازن والاستقرار ليس بالقرار السهل خصوصا مع نفسية كنفسية الأطفال ، كما أن هؤلاء الأطفال يضطرون ربما إلى الانتظار حتى تخمد الثورات وتؤتمن الدول ، أو ربما عليهم التجاوب مع الحياة الجديدة وما يترب عليها من منزل ومدينة ومدرسة وجيران وأصدقاء جدد أي خلق تواصل على مستويات عدة مع المجتمع الجديد ، وإن كانوا في قلب أوطانهم الأصلية ، ومعظمهم يفضلون العودة لمعايشة هذه الثورات عن قرب بعد أن شهدوا أولى شراراتها ..




وأخيرا لا يسعنا سوى الإيمان بعبارة الكاتب " باولو كويليو " الذي قال عن عمق حقيقي : " إن القادرين على فهم الحياة هم الأطفال ، أو أولئك الذين ينظرون إليها كالأطفال " ..







ليلى البلوشي




هناك تعليق واحد: