الاثنين، 20 يناير، 2014

السلطة والفرد 2-3

السلطة والفرد 2 – 3

الرؤية / العرب

في الأسبوع الذي مضى ألقينا الضوء على سلطة الفرد من حيث النظام الاجتماعي وانقسام الفلاسفة وعلماء الاجتماع حول حقوق حريات هذا الفرد ، ويعود ذلك حسبما سقف الحريات التي أتيحت لكل من الطرفين في أزمنتهم ..
وفي هذه المقالة سنلقي الضوء نفسه على سلطة الفرد من حيث صلته بالقبيلة على صعيد العلاقات الاجتماعية والولاء المبذول ..
يعيش الفرد في وحدة جماعية وذلك ينبع على أساس غريزي في جميع المخلوقات الاجتماعية من ضمنها الإنسان ولعل الصلات الاجتماعية تتضح أكثر من خلال ظواهر عيش كل من النحل والنمل ، تلك الحشرات التي لا يظهر على سلوكها ما يدعو إلا الاعتقاد بأنها لا تسلك سلوكا اجتماعيا ، فظاهرة السلوك الاجتماعي عند هذه المخلوقات في سبيل المصلحة العامة يدعو إلى العجب غير أن ظاهرة التعاون لا تخلو من المساوئ كذلك ؛ وذلك لأن النحل والنمل لا يهيء الظروف اللازمة لأفراده للإبداع الفني أو للاكتشافات العلمية أو لظهور التعاليم الدينية فحياتها الاجتماعية هي أشبه بحياة ميكانيكية جامدة تقتل روح التغيير والإبداع لأنها ماضية على وتيرة واحدة ..!
ولهذا فإن مفهوم التعاون الجماعي على صعيد السلوك الانساني يجب أن يكون عنصر من عناصر الإبداع الفردي ويساهم في التخلص من الركود الاجتماعي الذي يكون سائدا عن النمل والنحل ..!
كما أن حياة الإنسان مر عبر التاريخ بتطورات هائلة من فرد بدائي يعيش في الغابة ويتقي شر حيواناتها المتوحشة التي كانت أقوى منه إلى فرد يعيش في أماكن بعيدة عن الغابات والحياة البدائية ، هذا الإنسان الذي كان يعيش ضمن جماعات ، والتعاون الذي كان سائدا بين أفراد كل جماعة بقدر ما كان العداء مستحكما بين الجماعات المختلفة خاصة عند اتصالها ببعضها ، غير أن الاحتكاك بين الجماعات المختلفة كان نادرا لقلة عدد أفراد النوع الانساني ، فقد كان لكل جماعة حدودها الخاصة ولا يحدث احتكاك إلا حين خرق تلك الحدود ، حتى الظواهر الاجتماعية كالزواج كان محصورا إلى أفراد الجماعة ولا يتعداها إلى غيرها وإذا ما زاد عدد جماعة من الجماعات إلى الحد الذي لا تسمح به مساحة الأرض التي يسكنونها أصبح محتملا أن يحدث نزاع بين تلك الجماعة وبين جماعة أخرى مجاورة لها ..
كان الفرد قديما يعيش ضمن قبيلة ولقد كان الانتقال من العائلة إلى القبيلة انتقالات بيولوجيا ولعل من أهم غاياته هو التعاون في إيجاد لقمة العيش اعتمادا على مهنة الصيد وهي الوسيلة الأساسية للعيش في الماضي ، والتعاون أيضا من أجل الكفاح ضد جماعات أخرى ، من هنا ازدادت العلاقات الاجتماعية قوة عن طريق إثارة الخوف من الأعداء مما ساهم في نمو الجنس الانساني خضع الأفراد لسلطة الجماعة وبمرور الزمن عبّر الناس عن ولائم للجماعة بواسطة ولائهم لرئيسها ..
وكان رئيس الجماعة فردا مقتدرا وله مكانته في جماعته والجماعات الأخرى كذلك وقد سهل ذلك في ازدياد حجم الجماعة غير أنه لم يقض على غريزة الخوف التي كانت سائدة ، بل إن الحروب بين تلك الجماعات تحولت من إبادة المغلوب إلى حروب يستولي فيها الأول على الثاني ، ويصبح المغلوب عبدا يستعمله الغالب لمآربه بعد أن كان معرضا للتعذيب والفناء ..!
وحين تغيرت سياسات الجماعة تجاه الحروب صارت المجتمعات مكونة من قسمين من الناس أبناؤها الأصليون وهم عمادها والناس المغلوبون على أمرهم ، وخضع هؤلاء المغلوبون للغالبين عن طريق الخوف لا عن طريق الولاء الغريزي ..
وقد نشأت مع مرور الزمن أنواع جديدة من الولاء عندما أخذت المدنية تتطور ؛ فظهر ولاء مبني على أساس العقيدة بغض النظر عن الجنس والفواصل الجغرافية وأخذت قوة الولاء للعقيدة بالازدياد حتى أصبح الولاء للعقيدة الدينية يفوق ولاء الشخص لأمته كما اتضح ذلك في أوروبا في القرن السادس عشر وفي بلاد العرب في القرن الحالي ..!
في الوقت الحاضر تتنشر على وجه البسيطة عقيدتان كل منها تحاول كسب ولاء الناس ؛ تدعى إحداها العقيدة " الشيوعية " ولها كثير من الأتباع الذين هم على أتم الاستعداد للدفاع عنها ، أما العقيدة الثانية فتدعى " الطريقة الأمريكية " في الحياة ، هذه الأمركة التي غزت بلاد العالم من شرقها إلى غربها إلى درجة خوف دولة عظمى كفرنسا من تأثير هذه الأمركة على إمبراطورتيها الباريسية الخالدة بتاريخها ..!
على الرغم من الحياة المدنية السائدة إلا أن الولاء للجماعات الكبيرة في الوقت الحاضر ما يزال مبنيا على أسس نفسية قديمة التي بنيت عليها المجتمعات الصغيرة ، ولم تفلح الوسائل المستحدثة كالمدارس والأديان والدعاية والتنظيمات الاقتصادية لتغيير في الطبيعة الإنسانية الموروثة ؛ فالإنسان يميل غريزيا إلى تقسيم البشرية إلى قسمين أصدقاء وأعداء وينبع اختيارهم غالبا من مصلحة فردية ، فالصديق هو الذي تنسجم مصالحنا معه على عكس العدو ، ومع المصالح المتغايرة في حياة الأفراد من الطبيعي أن تطرأ تغيرات على علاقات هذا الفرد ، ومن الممكن أن يكون حينها العدو صديقا والصديق عدوا بناء على مبدأ المصلحة التي فرضتها أنماط ودوافع الحياة الرأسمالية ..!
ومن الغريب ما قرأته أن دولة كاليابان بنت نموذجها الاقتصادي لما بعد الحرب العالمية الثانية على ثقافة اجتماعية تتعامل مع الشركات على أنها عائلة أو مؤسسة اجتماعية يتم من خلالها توظيف الخريجين الجدد ليظلوا في كنفها حتى خروجهم للتقاعد مقابل ولاء تام للشركة ، كما أن الترقي والصعود يتم على أساس الولاء وليس بالضرورة الأداء الجيد ..!
بقيت الغرائز القديمة التي تحدرت إليها البشرية من أسلافها تقف حجر عثرة وتدفعهم إلى كره بعضهم البعض ، على الرغم من أن المثل كالدين والأخلاق والمصلحة الشخصية الاقتصادية وحتى تنازع البقاء من الناحية البيولوجية جاءت لتعزز من أسس التعاون والمحبة بين البشر ، وعلى هذا لن تتحقق الوحدة الإنسانية إلا إذا تخلصنا من الولاء الضيق للجماعة التي ينشأ الفرد فيها ، والسعي على إيجاد ظروف من شأنها العمل على تقوية نوازع التعاون بين الناس ..!

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق