الاثنين، 23 ديسمبر، 2013

طبلة تطرب السلطان ..!

طبلة تطرب السلطان ..!

الرؤية / العرب

في خبر موجع ومؤسف من نوعه تفاجأ به عالمنا العربي رحيل الروائي والشاعر والفنان التشكيلي والعازف السوداني "محمد حسين بهنس" الذى جاء خبر وفاته صدمة لمثقفي السودان وأصدقائه من المصريين ، وليس خبر الموت هو صدمة بحد ذاتها ؛ فالموت حق يموت طفل في مهده أو حتى قبل ولادته أو رجل أو امرأة  .. ولكن ربما أسباب الموت هي التي توجع الإنسان وتصدمه في واقع الحال .. كحالة الكاتب والفنان السوداني " محمد حسين بهنس " الذي فوجئ من حوله بموته في فجر يوم الخميس متجمدا من البرد على أحد أرصفة وسط البلد بالقاهرة ، حيث كان يحيا مشردا بلا مأوى ولا غطاء لينضم بهنس إلى قائمة طويلة من المواطنين واللاجئين الذين رحلوا هذا العام موتا من البرد في بلدان العالم العربي ..
" محمد حسين بهنس " لم يكن مبدعا عاديا وهذا ما أكده معظم المقربين منه .. صاحب الرواية الشهيرة ( راحيل) التي كتب عنها النقاد في السودان عند صدورها بأنه أشبه بمولد " طيب صالح " آخر قادم يحمل الخير للسودان ، بل ما أكدته أعماله الفنية وجهوده كفنان تشكيلي ؛ ففي السودان أطلق بهنس الفنان الكثير من الفعاليات المناهضة لانفصال الجنوب عن منظومة أسسها وكانت تدعى " سودان يونيت " ونظمت عددا من المعارض والرسم على الشوارع كاعتراض وصرخات احتجاج على الأزمة التي سقط بها بلده المنفصل داعما كإنسان وكفنان إلى الوحدة ..عرضت لوحاته في فرنسا وألمانيا وأفريقيا .. كان متعدد المواهب من كاتب وفنان تشكيلي برسومه الضوئية البديعة .. شاعر و عازف جيتار يحمل حنجرة سحرية ..
هذا الفنان الذي عاش متشردا ومات متجمدا في ميدان التحرير بينما على جدران قصر الإليزيه بباريس لوحاته الضوئية تتباهى بفنها هناك ..
هذا الكاتب العربي وغيره مما عانوا الظروف عينها من التشرد والفقر والمرض والموت المتجمد كالراحل " نجيب سرور ، والكاتبة المغربية " مليكة مستظرف " ، و الشاعر " أمل دنقل " والشاعر المصري " أحمد فؤاد نجم " الذي كان يعيش على أسطح المنازل ، والمبدع الأسواني " إبراهيم فهمي " ومات الناقد " عبد الرحمن أبو عوف " ولم يجد قبرا يواريه ..!
لا يخفى حال معظم الكتاب العرب والأدباء والفنانين في أرجاء عالمنا العربي الذي يحيا في ظل ظروف صعبة وقاسية سواء على الصعيد الاقتصادي أو الاجتماعي وعادة الأسباب كاشفة ؛ فمعظم هؤلاء الكتاب المشردين والذين عانوا من ظروف قاسية يعزو إلى مواقفهم السياسية .. إلى روحيتهم الثائرة ، ووقوفهم الصامد مع الشعوب عبر كتاباتهم وأشعارهم ، وعبر إنسانيتهم ، وعبر كامل حواسهم البشري ..
بينما يتمتع معظم كتاب السلطة أو المقربين من السلطة بحياة مرفهة ، أنموذج من الكاتب " التوي " وهو مصطلح أطلقه الكاتب المسرحي " برتولت بريخت " على كتاب مقربين من السلطات أولئك الذين يبيعون آراؤهم لخداع الشعوب ، وامتصاص وعيهم الحر ، وبث الأوهام والخديعة ، في سبيل حفنة أموال ومنافع يحصلون عليها من السلطات .. إحدى طرق الطغاة الملتوية ليخيّم ظلام الوعي على فكر شعوبهم .. لتسميم آراء كل ثائر وحر ونزيه وللسيطرة البوليسية ، وللتحكم في الشعوب كأراجيز تحت قبضتهم ..!
ما يزال الكاتب الإنسان يدفع ضرائب ضميره الحي والواعي .. الضمير الذي ينبذ فكرة تقفيص الآراء وتوجيهها كما يريد لها القبضة السياسية .. أولئك الذين يودون لو يحرقوا كل الكتب التي تحرض على الفكر ، لو يخترعوا مهنة إطفائي الكتب تلك المهنة المتخيلة التي تناولها الروائي " راي برادبوري " في روايته " فهرنهايت 451 " وهي فرقة إطفائية وظيفتها تكمن في إشعال الحريق وسكب الكيروسين على كل منزل يحتوي كتبا توقظ الضمير وتحرض الوعي .. تلك الكتب التي تراها السلطات كقنابل موقوتة مدمرة يجب حرقها ..!
هذه العقول نفسها والتي ترعبها الكلمة ودها لو يضعوا تحت المقصلة كل حنجرة تغني الحقيقة ؛ في عالم ما تزال فيه الكلمة مدانة والفكرة تكفيرا والضمير الحر يهدد أمنا قوميا ..!
كأنهم ينقلون لك رسالة فحواها : لا تكن مبدعا . لا تكن واعيا . لا تكن إنسانا . ولكي تحيا آدميا في عالمنا العربي عليك أن تكون طبلة ومن المهم جدا أن تطرب أغانيك وألحانك السلطان ..!
" بهنس " الفنان الذي كرمته فرنسا وأحبطت السودان آماله وصقيع القاهرة أودى بحياته .. باختصار حال معظم موهوبي العالم العربي ..!
" أنبياء الحقيقة لا يموتون .. لأن الحقيقة لا تموت .. يموت المزيفون وأشباه الرجال .." قاله في رثاء بهنس صديقه " منتصر زاروج " ..
رحم الله الروائي السوداني الإنسان والفنان " محمد حسين بهنس " وكل متشردي عالمنا العربي ...

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق