الثلاثاء، 9 يوليو، 2013

المملكة من الداخل : ألف فرعون يطاردني وأنا بلا موسى ..!


 
 
المملكة من الداخل : ألف فرعون يطاردني وأنا بلا موسى ..!

 

الرؤية / العرب

 

" أظن أن هذا الكتاب يصلح لأن يكون مصدرا ومرجعا متينا وموثوقا لأي باحث أو دارس في التاريخ السياسي والاجتماعي والديني وغير ذلك من الأمور المتعلقة بالبحث الموزون عن المملكة العربية السعودية " ..

هذه الكلمة كتبها الناشر في تعريفه لكتاب " المملكة من الداخل " الكتاب الأكثر مبيعا في أوروبا وأمريكا والعالم العربي أيضا ترجمه الكاتب والمترجم السعودي " خالد بن عبدالرحمن العوض " لمؤلفه " روبرت ليسي " الذي بقي في المملكة العربية السعودية لأربع أعوام ؛ كي يخرج لنا بحصيلة كتابه الذي جاء في ثلاث وثلاثين فصلا عرض فيها المؤلف أهم ما عاصره آل سعود من أحداث أثرت وبشكل كبير على سياسته الداخلية وتوجهاته الخارجية ..

وأستطيع القول بعد قراءة كتاب " المملكة من الداخل " بكل فصوله الساخنة بالأحداث أن ثمة شخوص بعينها هي من كانت وراء تغيير توجه السياسية السعودية في الداخل تحديدا ؛ ويأتي أولهم على عاتق " الجهيمان العتيبي " في منتصف السبعينيات كان يعيش في المدينة المنورة محاولا تقمص الحياة التي كان يعيشها الرسول – عليه الصلاة والسلام - في ذلك الجزء من العالم قبل أربعة عشر قرنا .. " جهيمان " الذي صنع أزمة هائلة في السعودية حين اختطف هو ومن كان من أتباعه المسجد الحرام في سابقة أولى من نوعها في السعودية لدرجة أن الملك خالد يومها قال من الصدمة : " ليتهم فعلوا ذلك في قصري وليس في المسجد " ولتفاصيل هذا الخطف عديدة اتخذت من الإسلام مشجبا لها، بينما ساد اعتقاد من الأئمة والعلماء أن سبب كارثة المسجد هو عقاب من الله ؛ لأنهم ينشرون صور النساء في الجرائد ..!

والغريب أن هؤلاء العلماء والأئمة اكتفوا بوصف " جهيمان " وجماعته بالـــــ" جماعة المسلحة " وأصروا على منح أولئك الشباب فرصة للتوبة والرجوع ، وهنا رغم مرور تلك الأعوام يتساءل القارئ هل منسوب التطرف ارتفع اليوم بعد حادثة الجهيمان ..؟! ففي السعودية أصبح رشق الآخرين بالتكفير أمرا شائعا ومتفشيا ولأبسط الممارسات وفوق هذا أصبح باب التوبة في كثير من الأحيان مغلقا بعدة أقفال ، ولعل هنا تطفو إلى الذاكرة قضية الكاشغري وغيره ..!

انتهت كارثة المسجد بإعدام آل سعود للجهيمان ولكن جعلوا من أفكاره نهجا للدولة ؛ وتفشى الفكر الديني المتعصب والذي كان من أكبر ضحاياه المرأة ، وهو أمر متوقع فأتباع " جهيمان " يرون أن اختلافه مع الحكومة بدأت عندما سهلت حصول النساء على عمل ، ولكن غير الطبيعي هو هذا العنف والوحشية الذي يسير عليه باسم المرأة ..!

قبل حادثة " الجهيمان " كانت السعودية مختلفة وأكثر انفتاحا خاصة في فترة الثمانينات حيث ثمة الأسواق الخيرية والمسرحيات ودور السينما والأزياء ، ولكن الانفتاح خنق بعد " جهيمان " فقوات الأمن السعودية أصبحت لا تريد أن يفاجئها أحد مرة أخرى ، ومن هنا تم تدريجيا إلغاء معظم مباهج الحياة ويستدعي تفعيلها بسلسلة طويلة وشاقة من شروح الإذن ..!

وكان آل سعود في هذه المرحلة يسعون إلى إرضاء العلماء والأئمة ويخشون غضبها ، وقد شمل هذا الاسترضاء إلى تجييش المناهج التعليمية وجعلها أكثر دينيا مع انصهار دور المرأة وتقليصه في المجتمع ..!

ويبدو أن هذا التعليم الديني لم يخلف سوى جيل من الشباب السعودي جلّ همه الجهاد في سبيل الله في أفغانستان ، والذي تطور الأمر تدريجيا بعد ذلك إلى تخريج إرهابيين سيرا على نهج " أسامة بن لادن " زعيم القاعدة ، والذي يمثل الرجل الثاني بعد " جهيمان " كما أرى أنه أثر على سياسة السعودية خارجيا وداخليا في آن ..!

وهذه الجماعات الجهادية التي وجدت بيئة نابتة لها في السعودية ، ومن ثم غادرت إلى أفغانستان من أجل الجهاد ضد السوفييت ، لم تضع آل سعود ببالها أن هؤلاء أنفسهم سوف يوجهون غضبهم ضد كل ما هو ليس إسلامي صوب أمريكا ، التي كانت أكبر غاياتها خاصة بعد إعلان " أسامة بن لادن " على لسان ملا عمر أن السعودية دولة محتلة من قبل أمريكا ..!

ولهذا وجد آل السعود أن من الحكمة هو التخفيف من جرعة تأثير التيارات الدينية في مناهجها الدراسية أولا لتخريج جيل في الفيزياء والعلوم بدلا من مجاهدين ومتعصبين وسائرين على قدوة " أسامة بن لادن " ..!

وكان للأمير " محمد بن محمد " تأثير كبير عبر مراكز التأهيل والاحتواء العاطفي للمجاهدين التائبين والعائدين بعد ندم من غوانتنامو إلى تأهليهم وتوفير مغريات حياتية جديدة لهم ، وكان لهذا البرنامج تأثير إيجابي لكثير من فئة المتشددين في السعودية وامتصاص التطرف من أرواحهم ..!

أصبح الدين مطية للأسف عند بعض الجماعات ؛ حيث رفع شعار الدين والإسلام في وجه كل ما يراه بعض علماء الدين أنه مخالف لشرع الله حتى أبسط الأمور في الحياة يصدق على هؤلاء عبارة الكاتب " أمير معلوف " في روايته " التائهون " : " أصبح الدين يُقحم في جميع الأمور ويظنون أنهم يخدمونه فيما هم يسخرونه لمآربهم الشخصية ونزواتهم " ..!

وهذه السيطرة للتيارات الدينية المتشددة منها كانت لها تأثيراتها الجمة على الأجيال ومما ذكره المؤلف " ليسي " أن طفلا ذهب إلى المدرسة ورجع إلى المنزل باكيا ؛ لأن أحد معلميه أخبره أنه سيذهب إلى النار .. لماذا ؟ لأنه يستمع إلى الموسيقا ولم يقّصر ثوبه إلى الساق ..!

ونسي بعض أدعياء الدين أن لا إكراه في الدين ، وهذا ما انتج جيل سعودي ازدواجي ما بين ما يريده وما يفرضه عليه التيارات المتشددة ، كما يحدث في الجمهورية الإسلامية الإيرانية التي خلفت جيلا من المواطنين الإيرانيين المزدوجين ما بين ما يريدونه من مظاهر الحياة العامة ، وما يفرضه عليهم وبالقوة وبلغة التهديد والتخويف والوعيد ملالي إيران بمباركة مرشدها الفقيه ..!

نجح المؤلف " روبرت ليسي " من خلال سنواته الأربع في جمع كتاب قيم ومليء بالرؤى المختلفة وآمال وإحباطات وحالات من التردي والفوضى والهدوء واللاتوازن سار عليه نظام حكم آل سعود في السعودية وتجاه قضايا عربية وعالمية شتى ، برزت من خلالها الدور القيادي والفاعل من جهة و مسيطر ومحبط من جهة أخرى  ، و" آل سعود "  قوة لا يمكن الاستهانة بها بأي حال من الأحوال ، وهم الذين حين استولوا على الجزيرة العربية مذ عام 1901م ، قاموا بجمعها تحت راية واحدة وأضافوا اسم العائلة لتشكل وشما تاريخيا في مسمى المملكة العربية السعودية أي الجزيرة التابعة لابن سعود .. وهذا ما دفع الكثير من العالم الآخر يتساءل حول كيف تمكنت مجموعة صغيرة تقود الإبل أن يجمعوا هذا الشتات ..؟ وهذا بدوره يحيلنا لعبارة المؤلف في مقدمة الكتاب حين أشار أنه : " لو لم يكن هناك ابن سعود وأولاده لكانت تلك الحقول النفظية التي تسمى الآن السعودية إمارة أخرى مرفهة وعصرية على ساحل الخليج العربي مليئة بالمناطق الضحلة والعاهرات الروسيات ..! "

ويبدو أن مستقبل استمرارية آل سعود مهدد في ظل عالم متغير .. في ظل عالم عربي تفجر على مسارات ثورات الربيع العربي وجمهورية الشارع التي لم تستطع دول الخليج العربي وليست السعودية وحدها في احتواءها سوى بتهم المؤامرة العالمية الكبرى وتحميلها تهم العمالة والخيانة ومع سيرة الربيع العربي أصبح رشق التهم بالمجان في غالب الأحيان ..!

طرحت إحدى الصحف العبرية في إسرائيل تساؤلات عن نظام الحكم السعودي في الوقت الراهن الذي يخضع لضغوطات هائلة في عنوان كبير " من سيخلف الملك عبدالله " ..؟! والملك عبدالله يمر بظروف صحية غير مطمئنة ، وقلقه منصب على تسليم الحكم لخليفته بشكل مرتب ، من دون سفك دماء ، من دون إثارة ثورة وليس فقط الكرسي ، بل يريد أيضا أن ينقل إرثه أيضا إلى العهد التالي ، العهد التالي ليس بالضرورة الجيل التالي.. كما أشارت المقالة في الصحيفة العبرية ..!

ويبدو أن الحفاظ على التوازن بين الأجيال وبين أصحاب الامتيازات هو سر استقرار المملكة التي حتى الآن نجحت في تفادي موجة الثورات التي تجتاح الدول العربية ..!

ويبقى السؤال الأخير هو إلى متى يبقى هذا التوازن ..؟! وما الذي سيضمن صموده أمام انفجار ثائرة الثورات في العالم العربي ..؟!

 

ليلى البلوشي

هناك تعليق واحد: