الثلاثاء، 30 يوليو، 2013

قاصرات عبد القوي ولوليتا همبرت ..!


 
 
قاصرات عبد القوي ولوليتا همبرت ..!

 

الرؤية / العرب

 

" القاصرات " أصبحن حديث العام ، وبشكل كبير بعد عرض الحلقات الأولى من مسلسل المصري في موسمه الرمضاني الحالي بالاسم نفسه يجسده الممثل " صلاح السعدني " كبطولة وهو الرجل العجوز الثري الذي يعيش في قصر منيف في إحدى أرياف مصر الغنية بخصوبة أرضها واخضرارها ، و تلك الأراضي الفسيحة الشاسعة يقوم على خدمتها عمال فقراء ، بالكاد يملكون قوت يومهم ، فملكية الأراضي هي لأثرياء كبار كالكبير " عبد القوي " كما يلقّبه أهل الريف في ذاك الصعيد ..

والكبير " عبد القوي " هو رجل كغيره من الرجال أنعم الله تعالى عليه من كنوز الأرض ، جعله هذا المال الوفير إلى منح بعض منه وبمقدار وقدره لأهالي قريته مقابل فتاة صغيرة بالغة ومقياس صلاحيتها كزوجة هو لحظة نزول حيضها سواء كانت في التاسعة أو العاشرة من عمرها تزّف له كعروس ليستمع " عبد القوي " ببراءتها حتى إذا ما بلغت الفتاة الرابعة عشرة أو السادسة عشر استبدل - البضاعة - كما عبر مرة بغيرها ؛ لأنها " عجزّت " - بالمحكية المصرية - في معتقده بفتاة أصغر سنا يتجدد مع حداثة سنها ، حتى تزوج على ما يربو كما تقول الحكاية خمس عشرة  طفلة ..!

" القاصرات " مسلسل يعرض قضية عتيقة و حية وواقعية ومتفشية ، ويعاني منها أطياف مختلفة من الفتيات في المجتمعات العربية أبرزها مصر و المغرب و اليمن وغيرها غيرها من الدول ، والأسباب عادة هي واحدة وإن اختلفت طبيعة البلد ؛ فالفقر واحد ومفهوم الشرف الذي يجب أن يصان هو نفسه وارتباط الانحراف بجسد الأنثى بمجرد ما تبلغ هو نفسه أيضا ..!

في وسط مستنقع من الجهل والأمية والعادات الإجتماعية البالية والهموم المادية المتراكمة كان نتاجها تفشي تلك الثقافة التي ترى أن على الأنثى بمجرد ما تحيض أن تتوكل إلى بيت رجل يكون زوجها ، وإن كان يكبرها بعشرين أو حتى أربعين سنة ؛ فهذا الزوج السبعيني أو الثمانيني هو من يصون شرفها ويشبع غريزتها عن انحرافات العالم المستذئب من حولها ..!

ولا تعتقدوا البتة أن قضية " القاصرات " هي قضية شرقية بحتة أو تمس خريطة العالم العربي وحده ، بل هي قضية أيضا يعاني منها الغرب ، وخاصة أمريكا التي ارتفع لديهم حسب تقاريرهم المتخصصة عن فترة المراهقة أن معدل حمل المراهقات ارتفع عن أعوام ماضية وبنسب كبيرة وارتفع معه بالتوازي معدلات الإجهاض ..!

الفارق أن الفتاة في الشرق وخاصة في المناطق الريفية هي الضحية ، والتي لا تعرف شيئا عن الجنس ومسؤولية الزواج ، فهي تزوّج دون رضاها غالبا أو برغبة ضبابية مع مخزون من الاغراءات الساذجة التي يسكبها الكبار الطامعين في ثروة العريس ، فيقومون بحشو رأسها الصغير بأوهام وخيالات عن حياة شبيهة بحياة الملكات والأميرات التي تراهم في رسوم الصغار ..! 

و غالبا تزف إلى عريس الغفلة دون علمها بعقد يملكّها لرجل يحمل لقب الزوج ، أما في الغرب فإن الفتاة تمارس حياتها الجنسية بلا زواج وهو جزء من ثقافة مجتمعاتهم التي تبيح هذا الأمر وتمارسه بحرية عادة عند شريحة كبيرة من الكبار البالغين ، ومع تحفظ عند كثير من الأهالي ومجتمعاتهم من ممارسة القاصرة أو طفلة الصغيرة هذه الممارسات التي تكون عادة نتائجها وخيمة ؛ ولأن لا ضوابط في الغرب غالبا ؛ فإن هيئات التدريس في المدرسة تحرص على توزيع حبوب منع الحمل على المراهقات للحد من جرائم الإجهاض وعاقبة الحمل المبكر ..!

والمراهقة في الغرب عادة تخوض تجارب الجنس مع شباب مراهقين في مثل سنها ، فقد يكون زميل الدراسة الذي يجاورها المقعد في الفصل أو جار قريب من الحي نفسه الذي تقطنه أو أي مراهق عابر صادفته في حفل ميلاد أو كازينو ..!

أما حين يحاول رجل بالغ ويكبرها بأعوام مديدة على أن يخوض مع المراهقة أو الطفلة الصغيرة تجارب حسية ، فإنه يغدو متهما في قضية تمس " القاصرات " ولها عقوبات قانونية ناهيك عن نبذ المجتمع لشذوذه ..!

و ثمة رواية معروفة تدعى " لوليتا " لفلاديمير نابوكوف عرضت قضية حساسة هزت المجتمعات الغربية وقتها ، وهي حكاية طفلة صغيرة يتزوج " همبرت هبمرت " بطل الرواية من أمها ، لأنه يشتهي الطفلة فيحاول أن يصل إليها من خلال زواجه من الأم ، وتأتيه الفرصة السانحة الخبيثة حين تقضي الأم نحبها ، وتغدو الطفلة " لوليتا " الأداة المشتهاة وحيدة ويتيمة بيد رجل يغتصبها في تجوال له عبر قرى ومدن كثيرة ومن فندق إلى آخر ، وإمعانا في لبس جريمته في الاعتداء على قاصر ثوب الطهارة والعفة ، فإنه يمثل أمام المجتمع دور الأب حنون لطفلة تزوج أمها وبموجبه أصبح وليّا عليها ..!

سعى "همبرت همبرت" إلى إشباع رغبة خاصة قوامها الاستمتاع بصبية تخطّت لتوها العاشرة من عمرها، دون أن يبالي بأن شرط المبادلة بالاستماع غير متوافر بكامله بين الطرفين بل غير طبيعي ، فجاءت الرواية تفضح هوس بعض كبار السن بالفتيات اليافعات ، وهو هوس يختلق ذرائعه بمنتهى الفجاجة والوقاحة ، ويصطنع حججه ويبني دعائمه بمهارة ، ثم يستقيم أمره بوصفه ملاذا ممتعا لرجال غمرهم القنوط الجسدي، فصارت الأجساد الأنثوية اليافعة مثار إغواء لهم يهدف لإرواء ظمأ مبهم لا سبيل لإروائه لأنه شبه منطفئ وأحيانا عديم الحياة ليكون بمنزلة الوهم متضخم الذكورة ..!

وهذا ما يمثله رجل كـــ" عبد القوي " الذي يجدد كل مرة بضاعته رغبة في مزيد من الإثارة والشهوة الجسدية ، ولكن لمثل الكبير " عبد القوي " حجته فهو يريد ولدا ؛ ولأن زوجاته القاصرات الصغيرات لم يحبلن بعد منه ، فقد أرجع الخلل فيهن بينما سعى هو وشهوته تسبقه إلى مزيد من شبق المغامرات مع فتيات صغيرات ..!

وفي النهاية كلاهما سواء الكبير " عبد القوي " أو " همبرت همبرت " يحاولان تضليل رغبات الصغيرات غير المشبعة أو مسروقة عنوة بوسائل الإغداق التي تتم عبر الأموال وشراء هدايا وألعاب يحبها الصغيرات وتسلب عقولهن البريئة بمزيد من العطاء والخضوع ، فهو عطاء بثمن ..!

من الممكن جدا أن تتراجع حالات زواج القاصرات لكن ليس بالقانون وحده ؛ لأن ثمة شريحة هائلة من الناس لا يؤمنون بالقانون العام ، بل لهم قانونهم الخاص .. قانون الزعامة أو القطيع أو القبيلة خاصة فيما يتعلق بمسألة خصوصية تتناول زواج الفتاة القاصر أو حتى الفتى ، وعليه فإن تقليص حدّة هذا الوضع الذي خلّف مزيجا من حالات الطلاق وانجاب جيل من الأطفال بلا شهادات ميلاد موثقة ، لأنها تخالف قانون سن الزواج الذي حدده الدستور للفتى والفتاة وبلوغهما سن الثمانية عشر ، ومعظم المخالفين تتم زيجاتهم قبل هذا السن القانوني ونتاجه الأوضاع الأسرية متدهورة ..!

والسبب كما أشرنا أنه قانون يلتزم به أهل المدن والتحضر ، ولكن لا ولن يلتزم به أهل الأرياف عادة ، خاصة أولئك الذين توارثوا فكرة الساذجة وأعادت بعض العقول الساذجة ومن صلبها تدويرها حتى اليوم بأن الفتاة بمجرد ما تبلغ الثامنة عشر فإنها عانس وقطار الزواج فاتها ..!

إذن المسألة ليست بالقانون وحده بل بنشر ثقافة الوعي ، ولكي نقتل كل " عبد القوي " في مجتمعاتنا الشرقية أو كل " همبرت همبرت " في مجتمعات الغربية ، فلابد من نشر الوعي عند فئات المجتمع الآباء والأمهات والمراهقين والمراهقات ، وهذا الوعي يكون ثقافة حاضرة لا ثقافة طارئة نستدعيه حسبما تأزم الأوضاع في المجتمعات ..!

 و ليس من الضروري أن تكون عاشقا كي تزرع الورد .. وليس من الضروري أن تكون فرحا كي تبتسم لعابر .. وليس من الضروري أن تكون مثقفا كي تنشر ثقافة الوعي ..!

فالـــ" وعي " مسؤولية الجميع ..!

 

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق