الثلاثاء، 14 مايو، 2013

رصاصة الرأي والرأي الآخر ..!


 
 
رصاصة الرأي والرأي الآخر ..!

 

الرؤية / العرب

 

مع رائحة الياسمين وتوهج حضوره تفجر الوعي العربي بشتى صنوفه وأشكاله ، وتداعى مفهوم كان مغيبا في الساحة العربية ، لم يكن مغيبا فقط بل كان لفئة دون أخرى ، كان لشلة دون أخرى ، كان لأصحاب الرتب العالية حيث تأمر وتنهي وتعلق وتحتكر في مقابل دراويش كانوا يتقنون حاسة واحدة دون غيرها " الصمت " ربما الوصف الأدق " الخرس " لأن العقاب كان وخيما .. قاسيا كحد ساطور وجمعيا .. فمن كان يدلي برأيه في زمن خفافيش الظلام كانت جثته تلقى وراء الشمس ، ولم يكونوا يكتفون بذلك ، بل بلغت ظلاميتهم حد جبروتها إلى حجب كل من له صلة بصاحب الرأي وقامته ..!

ومع ثورة الياسمين تداعى مفهوم مهم ما يسمى بـــــ" الرأي والرأي الآخر " بعدما كان هذا الرأي محصورا برأي وحيد متوحد ..!

وكان صاحب الرأي الجسور يفنى عن الوجود وكأنه لم يكن قط ، دون أن يعلم بحاله أحد ، ودون أن يعرف قدره أحد ولكن الحال من المحال وأصبح العالم اليوم يعرف باختفاء قشة من كومة القش ، والمعرفة والأخبار والأنباء متاحة للجميع وبأريحية مطلقة ..!

والرأي الآخر اليوم ليس في مأمن من مطاردة شباك العنكبوت ، لكنه أكثر بروزا وأكثر حضورا وأكثر تأثيرا والفضل كل الفضل لشبكات التواصل الإجتماعية التي فجرت الآراء دفعة واحدة ، ضختها في وجه كل جبار ومستبد وطاغية ، وأنهار الرأي الوحيد المتوحد في زمن لم يتوقع فيها وقعته ، في زمن عولم نفسه في جهاز صغير هو بمثابة قنبلة نووية أسقطت من العروش ما أسقطت ، والبقية منها في دبكة الديك المذبوح هو وكل معاونيه ، بينما الباقية منها كفلت كوابيس العرش في ترعيبهم ، وفي تعطيل نومهم الذي كان مسترخيا ممددا لقرون في أسرّة الدعة والاطمئنان ..!

" الرأي والرأي الآخر " كحبل مشنقة حول أعناق المفسدين ، أعناق كل من استبد برأيه وطغى ، كل من اعتقد أن خريطة الوطن ستكون أبدا كما يهوى ، كل من اعتقد أنه خالد مخلد في ذاكرة التاريخ والشعب والوطن رغم طغيانه الذي بلغ الزبى ..!

أجل .. لقد انفجر مفهوم " الرأي والرأي الآخر " بشكل فاجع ودموي ومع ثورات الربيع العربي لم يكن الصوت الإنساني وحده هو الرأي الآخر ، بل استطال هذا الرأي وتسلق الجدران بخربشات الحرية ، تسلل إلى الخبز الملتهب من فرن الدم و الحرمان إلى ساحات وميادين ورايات وهواتف وحواسيب انطلق وبقوة مفهوم " الرأي والرأي الآخر " ..!

هذا الرأي والرأي الآخر حين تمدد كظاهرة في ساحات الرأي المختلف والمتناقض والفردي والجمعي .. الرأي بكل تباينه وتشكله ومساعيه وغاياته ومثله أصبحنا اليوم أمام تحد أكبر وهو متى يكون لــــ" الرأي والرأي الآخر " في مجابتهما ، في اختلافهما ، في صنوف توجهاتهما .. كل ذلك أكثر وأكثر الحق في الإدلاء والمشاركة ..؟!

لعل أحد أهم الأمور التي يمكن بها ومعها اعتبار الرأي والرأي الآخر جديرا باعتباره رأيا كامل الأهلية هو حين يكون ناتجا عن حرية ، حين يكون هذا الرأي والرأي الآخر نتاج حرية شخصية من ذات الفرد وتفكيره لا من ذات سلطة بعينها مهما كانت شكل هذه السلطة وسماتها ومكانتها وكيانها في المجتمع ..!

وهذه الحرية يلزمها وسط مناخي كلي حر ومستقل ؛ لأن لولا هذه الحرية وهذا الوسط المستقل ، فإن حق الرأي والرأي الآخر يفنى في بوتقة السيطرة والتحكم والتبعية ..!

أن يكون هذا الرأي والرأي الآخر مستقلا عن تأثيرات جمعية يحشو بها المجتمع فكر الفرد ويكون نتاجها مواطنا متبلد الإحساس ، بمعنى أن يكون هذا الرأي متحررا من تراكمات موروثة ومستحدثة أيضا كالطائفية والقبلية وعقد التقاليد البالية التي عفا عليها الدهر وشبع وتجشأه حد التقزز ، ولكنها بقيت كما هي بتأثيرها السلبي على عقل الإنسان وروحه حتى قضت على كافة حواسه الفكرية والشعورية كإنسان مستقل وحر مذ خلقه - الله - تعالى بكامل الأهلية والإنسانية إلى أن استحال إلى مخلوق تبعي ضمن قطيع جمعي يقدسون الرأي الواحد المتوحد الذي لا شريك له ..!

يكون الرأي والرأي الآخر معافى حين يصلا لمرحلة التوازن ، القدر نفسه من الحرية والقدر نفسه من الاستقلال والقدر نفسه من المسؤولية الإدلاء برأي قد يكلف صاحبه نفسه وكل ما ينبثق من روحه ، الرأي والرأي الآخر حين يحظيا بالقدر نفسه من الاحترام دون أن يعترض أو يشجب أو يحارب " الرأي " " الرأي الآخر " لكونه خالف فكره وتوجهه وعقيدة من عقائده أو ناصر جماعة أو وقف مع حزب يبغضه الرأي الآخر ..!

يكون الرأي والرأي الآخر بكامل الصحة دون أن يعترض على اعتراضك أو تأييدك أحد كما ذهب الصحفي " إبراهيم عيسى " : " يقولك أنت معارض على طول .. ما أنت مؤيد على طول ومن غير ليه " ..!

والمشكلة اليوم بعد أن وصلنا لمرحلة " الرأي والرأي الآخر " بكل إيجابياته وسلبياته برز فريق نعت نفسه بــــ" المحايد " الذين اخترعوا المنطقة الرمادية نتاج خليط أشهب ، وهذه الجوقة لم يكتفوا باختراع المنطقة الرمادية بل ابتزوا النظام ليستحيل إلى كائن فوضوي متشرد لا يعرف يمينه من شماله .. حمال أوجه ..!

وحمالي الأوجه هم أشد خطرا على الأمة من أبيض واضح وأسود كالح ، ولعل أعظم عاقبة يمكن أن يناله حمال أوجه هي أن الرصاصة القاتلة التي تخترق قلبه لا يعرف أي جهة ردمته بها ..!

والجزاء من جنس العمل ..!

 

 

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق