الثلاثاء، 17 يوليو 2012

آلموت " الحسن بن الصبّاح " ..!



آلموت " الحسن بن الصبّاح "..!



" آلموت " رواية لــــــ" فلاديمير بارتول " ماذا أقول عنها ..؟ سأقف على طلل البدء لأعترف بأن صدفة لم تكن عبثية البتة في معرض أبوظبي للكتاب عند منشورات الجمل .. هناك حيث كنت اربض أمام جموع الكتب المتراصة انحت ضياعي في محاولة التسلل في قاع أفكار المؤلفين الخبيئة .. لم تكن صدفة عبثية البتة في أن أقابل في ضياعي ذاك أحد الأصدقاء الشعراء وبعد تبادل عناق التحايا ساقني إلى " آلموت " التي كانت ترقد بسلام أبدي بعد أن حملته الأسطورة تحت جناحها في واجهة أحد الرفوف وكان الصديق يبجّل الكتاب دون أن يشير إلى محتوى فكره ؛ ساعيا بذلك إلى تأثيث نهم فضولي في حيزي القرائي .. لم يشبعه سوى في لهفة شرائه والانكباب عليه .. !

" آلموت " هو حصن قديم فوق صخرة عالية وسط الجبال وبنيت بطريقة لا يكون لها سوى طريق واحد يصل إليها كل من يريد الوصول إليها هذا إن وصل ؛ مما يؤهلها لصفة المنع لتغدو منيعة بالفعل ..! ويقال أن من بناها أحد ملوك الديلم القدماء واسماها " ألوه أموت " ومعناه " عش النسر " .. وبقيت هذه القلعة في يد حاكم علوي قام بتجديدها واتخذها له مذ عام 860 إلى أن جاءت طائفة من الإسماعيلية ويدعون بالباطنية مع أميرهم " الحسن بن الصبّاح " في رجب مذ عام 483/ 1090م وطرد منها الحاكم بالخديعة وبقناع التدين واتخذها منبرا ؛ لبث خططه ودسائسه على السلجوقيين والعباسيين حيث امتد الصراع بينهم ردحا من الزمن إلى أن جاء هولاكو واستولى على القلعة ..!

ومن يعبر " آلموت " سوف يجد كائنا غير الإنسان وسوف يجد الوحش وسوف سيجد العبد وسوف يجد الذكورة الممنوعة وسوف يجد الأنوثة المباحة والأهم من كل تلك النماذج أنه سوف يصدم بوجود رجل دين وزّن نفسه برتبة " نبيّ " يتأّله بالقدرة والتقديس ..! : " كيف يكون لسيدنا الحق بإباحة الخمر في حين أن النبي حرّمه ..؟ له الحق بذلك .. قلت لك إنه هو الأول بعد الله .. إنه نبي جديد .." متجسّد في شخص " الحسن بن الصبّاح " الذي اشتهر بلقب " شيخ الجبل " وهو مؤسس ما يُعرف بالدعوة الجديدة أو الطائفة الإسماعيلية النزارية أو الباطنية أو الحشاشون .. ولد في قم ثم انتقل لريّ حيث معقل الاسماعيليين  ..!

" الحسن بن الصّباح " هو داهية عرف كيف يختفي خلف ستار الدين لبث أفكاره و أوهامه متخذا من حصن " آلموت " قاعدة عزلته .. وقد أفلح من خلال ذكائه الحاد في التخطيط على تحويل " آلموت " إلى عالم متكامل وشامل يحكي تفاصيلها بصبغة تاريخية مغموسة بالواقع التاريخي والخيالي الروائي السلوفيني " فلاديمير بارتول " الذي عكف على كتابتها لمدة عشر سنوات ( 1927م _ 1937 م ) وقد تأثر " بارتول " بعصابات الحرب العالمية الأولى فعّبر عن رؤاه البشعة وسخطه عن ذلك من خلال هذه الكتابة في وقت كانت الفتن والدسائس والتضارب ما بين المذاهب مشتعلا ، فجاء هنا ليصور حجم الضلال وحجم الدسائس التي يخترعها رجال الدين باسم الدين .. وعن تجاوز البعض لبشريتهم ليحفلوا على أنفسهم سمات النبوة .. بل ليتسلقوا على كتف مهامات إلهية ؛ ليوهموا العامة بمدى قدسيتهم فيمنحون صكوك الغفران ويوجبون العقاب في الجحيم لكل من يخالف آراءهم ويوعدون بجزيل العطاء بجنان الفردوس لكل من ينصاع لهم ؛ لتصل زندقتهم حدها إلى امتلاك مفتاح الفردوس و" الحسن بن الصّباح " هو النموذج البشع الذي لم يكف بالنبوة بل فرط إلى حد التّأليه ..!

وكان من الطبيعي أن تكون هذه الرواية ملعونة وأن لا يعاد نشرها سوى بعد مغادرة الكاتب للحياة .. ومن الإبداع أن " فلاديمير بارتول " جسّد كل تلك اللعنات ونفخها في روح رجل واحد هو " الحسن بن الصبّاح " الذي روّض الحيوانات المتوحشة في جنته ألموت كما روّض الإنسانية تماما في شخص " الفدائيين " : " لم تستطع أن تستوعب كيف بإمكان فهد وغزالة أن يكونا صديقين في هذا العالم .. إذ إن الله وبحسب قول النبي قد ادّخر هذه الأعجوبة إلى قاطني الجنة .." فمن يقرأ " آلموت " سوف يتعرف على عالمين متضادين على عالم أنثوي مغري في جزء الأروع من آلموت حيث كما وصفها المستشرق " ماركو بولو " التي زار آلموت من بعد وفاة " الحسن بن الصبّاح " بقوله : " الحسن بن الصبّاح حول أحد أودية جبال آلموت إلى حديقة من أكبر وأجمل ما يمكن أن تقع عليه عين ناظر مليئة بكل أنواع الفاكهة نصبت فيها خيم وقصور أنيقة فارهة جميعها مفضفضة ومذهبة وسواقي تجري فيها الخمور والألبان والعسل والماء .. " وقد استقى " فلاديمير بارتول " بعض تلك الأوصاف من الرحالة " ماركو بولو " وبثّها بخيال ساحر في روايته ليبرع في رسم عالم أنثوي بجدارة حيث جواري من كل صنف يتعلمن فنون الغناء والرقص والخياطة والتزين والكتابة على يد " مريم " القريبة من قلب " الحسن بن الصباح " فهي من يسكب في حضرتها فحوى أسراره وخططه بينما يتعاطين فنون الحب الجنسي على يد " أباما " الذي سرق الزمن جمالها وقلّص من اغرائها وانتهت إلى عجوز شمطاء بائسة الحظ لا تملك سوى ذاكرة حكائية مضمّخة بقرنفل الأبطال والعشاق .. مع وجود خصيان مخلصين يقومون بخدمة الجواري ..

ومن هذا المخبأ المنيع الذي يسمح فيه كل شيء حتى التفسخ يكمن في الجانب الآخر من جدران آلموت عالم يكاد يفصله عن الجانب الأول بشكل فاغر ؛ حيث هنا آلموت عبارة عن قلعة أشبه بمدرسة لتأهيل صبية صغار ما بين الثانية عشر والعشرين من أعمارهم يقوم أساتذة من الإسماعيلية بتلقينهم تعاليمهم السرية بأسلوب مجاهر ومكشوف ويتلقون فنون الفلسفة وفنون القتال ناهيك عن فرض قوانين جادة وصارمة حيث يمنع هؤلاء الصبية من شرب الخمر والزواج .. بل إن مجرد إطلاق الفكر في خيالات الاحتلام يعد خطيئة يعاقبون عليها أشد عقاب ..! وهؤلاء الصبية يؤهلون بعد اجتياز الاختبار إلى مسمى " فدائيين " وهم جيش اتخذه " الحسن بن الصّباح " للتنكيل بأعدائه ولبث دسائسه وقد استولى على عقولهم من خلال زرع الأوهام والأباطيل على كونه النبي الذي يجب تقديسه وما يسوغ ذلك هو امتلاكه مفتاح الفردوس ..!

وسوف يرى القارئ كيف أن بعض هؤلاء الفدائيين يفلح " الصبّاح " في خداعهم بجنات الفردوس من خلال تنويهم بمادة الحشيش ومن هنا جاءت تسمية " الحشاشين " وعبر ذلك يدخلون في عوالم وهمية تتضارب فيها الحقيقة مع الخيال ؛ ليجدوا أنفسهم في الفردوس حيث حوريات الجنة والخمر والمتع الحسية بمساعدة الخصيان الذين يقومون بنقلهم وهم منغمسون في ترف نوم مسكر .. وكم يدرك القارئ هنا مدى فداحة خبث " الحسن بن الصّباح " ..!

وما أثرى شخصية " الحسن بن الصباح " هي هالة الاعتزال أو العزلة فــــــ" شيخ الجبل " تذكرني هنا – شخصيا - برواية " نجيب محفوظ " في رائعته " أولاد حارتنا " وشخصية " الجبلاوي " في مبدأ العزلة والرهبة .. هذا الاعتزال عن الآخرين خاصة فدائييه وعن جواريه عدا " مريم " و" أباما " وبعض الخصية وبعض مقربيه جعل الآخرين يقدسونه كنبي ويؤّلهون كل الأساطير التي كانت تحوم حوله .. : " - لماذا لا يكشف الزعيم لنا عن نفسه للمؤمنين ..؟ سأل ابن طاهر بإلحاح .. - إنه قديس – قال معترضا – يدرس القرآن طوال النهار يصلي ويسن التعاليم لنا والوصايا " ..!

كان " فلاديمير بارتول " المحرر من الوهم يعلم أن الخير والشر يتآخيان غالبا في النفس الإنسانية .. يموت غوله عندما يعترف لنا بأن تعصّبه نفسه لم يكن إلا التنّكر لعقل تخلّص من كل وهم .. و" الحسن بن الصّباح " صانع الخزعبلات والأساطير والأوهام قد تشبّع من أوهامه وبددها بإلقام الآخرين لها ؛ ليحيك فراغه في عزلة أسطورية فقد كان يعرف حيث لا يعرف الآخرين سر الإسماعيلية وكانت في عبارة صغيرة ملفوفة بورق الوهم : " لا شيء حقيقي وكل شيء مباح " ..!

و" حيث يبدأ وهم الحياة تنتهي الحقيقة " .. كما تشير إحدى سطور الرواية ..!

ليلى البلوشي


هناك تعليق واحد:

  1. الحسن الصباح العربي اليمني الشهير المجرب دواليب الحكم يتقمص من جديد و يزلزل اركان التجسيد و الكفر بنعم مولانا العلي القدير سوف ياتيكم متخفيا في الف ستار فلا تنكرونه يا اعداء الافكار يمن تعبدون الشيطان المتجسد في فكركم وتظنون انكم تعبدون الله ما حقيقة معبدوكم ان كنتم تنكرون على حسام الحق الشيخ الحسن الصباح

    ردحذف