الثلاثاء، 10 يوليو، 2012

اللغة الإنجليزية في ورطة ..!



اللغة الإنجليزية في ورطة ..!



جريدة الرؤية العمانية



تناولت مرة في مقالة تدعى " سجين لأنه عربي " مبعث  تفوّق اللغة الانجليزية في حياتنا نحن _ العرب _ من خليجنا إلى محيطنا ، ولا نبالغ قط إن أشرنا بأن الخليج العربي يكاد يصبح الخليج الانجليزي ؛ نتاج تحدث أهلها هذه اللغة حتى فيما بينهم وأبناؤهم الصغار مما شكّل إشكالية جسيمة لا يمكن تفاديها مطلقا هو تزحزح مكانة اللغة العربية وتراجع أهميتها بين العرب ..!

وهل ثمة لوم على من جعل الانجليزية لغته الرسمية وهو مواطن عربي وفي وطن عربي ..؟! في وطن جعل اللغة الانجليزية لها الأولوية ولها الصدارة في كل شيء ؛ في الوظيفة وفي التعليم والتواصل ومن لا يتقنها فهو رجعي ومتأخر ويفقد ما يفقد من مؤهلات وطموحات تؤهله للرقي والتقدم في وطنه ..!

ليس هكذا فقط بل قمة القهر أن تذهب إلى مطعم عام .. فيأتيك العامل العربي ويستقبلك بتحية انجليزية مرموقة وحين يعرف أنك عربي تقل وهج التحية أو يختار الصمت غالبا وينسحب ..! أو عامل أجنبي يتقدم إليك ويضع أمامك قائمة الطعام بالانجليزية وحين تطلبها بالعربية يعتذر بأن ليس لديهم قوائم طعام سوى بالانجليزية ونحن في عقر دارنا العربي ..!

في هذا المجتمع العربي تكون مطاردا بهاجس عدم إتقان اللغة الانجليزية وتضطر إلى التسجيل في معاهد تعليم اللغة الانجليزية ؛ كي تتحدث بها مع عامل المطعم أو مع مسؤول العمل أو مع زائر أجنبي لبلدك يسألك بلكنته ومن العار ألا ترد عليه بلكنته الانجليزية وكأنك أنت الزائر العابر وهم الدائمون ..!

لكن لندع أزمة اللغة العربية جانبا ؛ فهي غائرة ومتمددة وكاشفة للجميع بالمقابل لنسأل أنفسنا هل تزّعم اللغة الانجليزية في صالحها بالمعنى الكلي ..؟! وما أبعاد التأثير وما نتاجه عليهم وعلى بقية اللغات ..؟!

وهذه الاستفسارات ناقشها وعرضها من زاوية عميقة قلّ أن جسها أو فكّر بها الآخرون ؛ فالباحث والكاتب الفرنسي " جورج ستينر " لاحظ وهو يتحدث عن اللغات أن اللغة الإنجليزية وبفضل انتشارها العالمي هي العامل الأساس في تخريب التعدد اللغوي الطبيعي وقد يكون هذا التدمير الأكثر استعصاء على العلاج بين الثورات الأيكولوجية التي يعانيها العصر ، ذلك أن اقتصار الإنجليزية على حقول التجارة العالمية والتكنولوجيا والسياحية لها آثار ضارة على الانجليزية نفسها ..!

فالحضور المطلق على وفق تفسير " ستينر " دائما يوّلد تغذية سلبية لهذه اللغة والتوحيد اللغوي والثقافي يتولد منه الضجر والرتابة والاختناق فالفناء ..!

 ويتابع تفسيره بأن مع انفراط لغة تنفرط إلى الأبد خيوط تواصل الإنسانية مع الأمل ، والتعددية لا تؤمن ثراء حياة الإنسان المعنوية والذهنية فقط بل تؤمن حياة أو الحيوات المجاورة ..

وهذا يشير إلى انعطافة مهمة وهي أن اللغة الأنجليزية فقدت خصوصيتها من هذا الشيوع وهذا كما وفق تنبؤات الباحث الفرنسي " جورج سيتنر " قد يتسبب في فنائها عبر حقب الزمن ..!

فإذا ما كانت اللغة الإنجليزية في ورطة الشيوع ، فإن اللغة العربية في ورطة الاندثار قبل أن تحقق شيوعها المستحق ؛ لهذا وجب أن تتكالب الجهود لصون اللغة العربية وحمايتها وهناك بالفعل جهود لا يمكن نكرانها أو التغاضي عنها كمبادرة مجلس محمد بن راشد للسياسات حيث تبنوا مبادرة تعزيز مكانة اللغة العربية ؛ وهي محاولة جادة لإعادة هيبة اللغة العربية ومكانتها التي تأثرت بشكل كبير جدا خلال السنوات العشر الأخيرة مما أدى إلى تراجعها مقارنة باللغات الأخرى وهو أمر لا يمكن تقبله والرضوخ له ..

وإذا علمنا أن ثلاث دول من أصل خمسة تمتلك حق " الفيتو " في العالم لا تجيد " الإنجليزية " يجعلنا نتساءل بقوة : لماذا نحن لا نرد الاعتبار للغة " الضاد " إذن ونفرض شرعية ممارستها كلغة مهمة في كافة أرجاء العالم ..؟!

مما لا شك حفنة من الرأسماليين استجلبوا ثقافة الاستهلاك إلينا وداسوا على هويتنا العربية حين أجبرونا أن نتحدث مع عمالهم بغير لغتنا ونحن في عقر دارنا .. ومن هنا اقترح أن تفرض المؤسسات الحكومية المختصة على كل موظف يأتي للعمل في بلداننا أن يأخذ دورة تأسيسية في العربية ؛ حفاظا على لغتنا العربية من التهميش والتكسر والألفاظ الدخيلة ..

وعندما يتاح الأمر سيغدو سهلا ومقبولا من قبل الجميع .. من ذلك قابلت منذ فترة قريبة في مدينة دبي بائع " صيني " في إحدى المحال التجارية وعندما سألته بالإنجليزية عن سعر البضاعة ردّ عليّ بلغة عربية نقية وفصيحة فاجأتني جدا وحينئذ بادرته بالسؤال عن كيفية تعلمه واتقانه اللغة العربية بذاك الثراء والوضوح ؛ فأجابني بأنه تعلم اللغة العربية في إحدى معاهد تعليم اللغة العربية في الصين على نية السفر لدولة عربية ؛ كي يباشر عمله كبائع .. سبحان الله .. فلماذا لا نتيح لهؤلاء العمال وغيرهم فرصة لتعليم اللغة العربية في بلداننا أو تعليمها في بلداهم قبل استقدامهم كعمال أو كموظفين ..؟!

ومن هذا الموقف خرجت بقرار مهم هو أنني لن أتحدث سوى بلغتي العربية في أي مكان أكون فيه وأصادف أجنبيا في بلدي فهو الزائر لا أنا ..!

وكما يقول " ابن خلدون " : " غلبة اللغة من غلبة أهلها " .. استشهد بهذا وذاكرتي على خبر ذيع مؤخرا عن تعزم أمريكا على تعليم اللغة الصينية في مدارس طلابها ؛ بعد أن أظهرت الأخيرة تفوقها الإقتصادي الساحق ..!

يا ترى متى سنكف عن تخضيع هوياتنا لمبدأ الغلبة والقوة ..؟! ومتى نسعى إلى فرض هيبتنا لمجرد أن ذلك حق إنساني ووجودي وحضاري في كل بقعة نكون فيها ..؟!


ليلى البلوشي

هناك 4 تعليقات:

  1. للاسف بنشوف ده وطنا العربي بالكامل مع العلم انهم شغالين هما هنا وليس احنا اللي شغالين هناك عندهم بس هنعمل إيه دوام الحال من المحال

    ردحذف
  2. كلام رائع الله يعطيكي العافية
    صار الواحد اذا اتكلم انجليزي قالو عليه مثقف ولما يتكلم عربي يقولوا عليه انه مريض او عندو مشكلة في العقل

    ردحذف
  3. لغة القرآن الكريم لن تموت، هو عهد كباقي العهود نغيب في نومنا لكن سيأتي اليوم الموعود

    ردحذف
  4. يا أختي الكريمة جزاك الله ألف خير على هذا المقال الراقي والجميل جدا .. في ألمانيا أي أجنبي يخاطب الألمانيين وفي بلدهم وأرضهم بلغة غير الألمانية ينظرون إليه شزرا وباحتقار ولا يردون عليه أبدا ويحمد ربه إن سلم من لكمة قوية يسددها على وجهه ألماني أو ألمانية غيورة .. هنا في بلادنا أنظري الحال كيف صاير حين يتكلم معنا عمالة هندية وافدة ( أقصد من يسكن في شبه القارة الهندية من هنود وبنجالية وغيرهم ) نضطر أن ننزل من أنفسنا وندخل معهم في لغة الـ ( ســـيم ســـيم أرباب ) يحدث هذا ويتكرر في حياتنا اليومية وعلى أرضنا وبلادنا العربية .. فلاحظي الفرق بيننا وبين الألمان كنموذج بسيط أخجل حتى من عرضه !!
    ســعيد مصبح الغافري

    ردحذف