الخميس، 29 يناير، 2015

أدب العالم الذي يصنعه المترجمون ..

أدب العالم الذي يصنعه المترجمون

كنت اقرأ كتابا مترجما عنوانه " الكاتب علامة سؤال / رأوا ولم يصمتوا "  للمترجم والروائي " إلياس فركوح " الصادرة عن الدار العربية للعلوم ناشرون و أزمنة و منشورات الاختلاف .. وحين رأيت اسم الروائية " ألفريدة يلينيك " مكتوب بصيغة الأنثى والصورة التي تعبر عنها هي صورة امرأة سرت بداخلي راحة كبيرة وحقيقية ، فكثير من الكتب المترجمة للأسف وحتى المقالات التي ترجمت عن الروائية النمساوية الحائزة على جائزة نوبل للأدب عام 2004م " ألفريدة يلينيك " كانت تخاطبها بصيغة الذكر ، وكان هذا الأمر يدهشني للغاية وتضع ثقافة المترجم في موضع متشكك عن المضمون الذي قام بنقله إلى العربية سواء على شكل كتاب نقدي عن رواياتها أو قصص عنها أو مقالات أو حتى حوارات ثقافية ؛ فحين يكون المترجم جاهلا وغايته تجارية هذا الأمر يكون واردا باستمرار ، وهذا الجهل نفسه وقع مرارا في كثير من الترجمات العربية لشخصيات نقلت إلى العربية كما حدث مع الروائية الألمانية " هيرتا موللر" في كتاب قد قرأته سابقا كان عنوانه " في مديح الأدب " ترجمة " أحمد الويزي " الكتاب صادر عن دار كنعان ، المترجم عرض باللغة العربية خطبة " هيرتا موللر" فهي المرأة الوحيدة والتي لم يدرج اسمها في الكتاب ؛ لأن المترجم أخطأ في كتابة اسمها وكنت سأشير إلى أنه خطأ مطبعي لو أن الناشر نشر صورتها على الغلاف الخلفي للكتاب والذي حوى صور بقية الأدباء في الكتاب نفسه ، غير أن الغلاف الخلفي لم يحوِ صورة  أي امرأة ، بل وضع مع بقية الأدباء صورة الرجل المدعو " هونتر مولر " كما كتب المترجم اسمه على الرغم من أن الخطبة والتي عنوانها " منديل للدمع وآخر للكتابة " هي - بلا شك - للكاتبة الألمانية من أصل روماني " هيرتا موللر " ، فقد اشتهرت بخطبتها هذه أثناء نيلها لجائزة نوبل حين سارعت نشرها كثير من الصحف والمجلات وقتئذ ، ليجد القارئ نفسه أمام خطأ كبير ولا يغتفر في حق أدب وفكر وصراع امرأة كــ" هيرتا موللر " ، وربما إذا كان هذا القارئ فضولي ولديه شك مثلي لاستعان بـــ" جوجل " وتأكد مما توصلت إليه ، هذا الخطأ الذي لا يتحمله المترجم وحده بل الناشر أيضا ..!
أخطاء الترجمة لا تنته ، وحين عرضت هذا الأمر لفتح باب النقاش في الفيس بوك ، بعثت لي صديقة مترجمة وهي كاتبة سورية " بثينة الإبراهيم " مقالة سابقة بـــعنوان رئيسي " أنا التي وجدتها " مع عنوان فرعي " عن سقطات الترجمة العربية " وعرضت في مقالتها المميزة بعض الأمثلة عن تلك السقطات التي وصفتها باللغم : " أحد هذه الألغام التي واجهتها شخصياً كانت في مجموعة قصصية لماركيز، بعنوان «ليلة الكروان وقصص أخرى»، صدرت عن الهيئة العامة لقصور الثقافة/ سلسلة آفاق عالمية عام 2008. اختار المترجم (شوقي فهيم) ترجمة المقليات الفرنسية لـ «French fries»، بينما من المعروف - بالرجوع إلى أي قاموس مدرسي بسيط أو قاموس جيب - أنها تعني البطاطا المقلية! " وأود هنا أن أشير بأنني من الذين شعروا بخيبات أمل مريرة كلما اشتريت كتابا مترجما عن سلسلة آفاق ، وقد عبرت أكثر من صديقة قارئة عن خيبتها في الأمر نفسه ، مما دعانا إلى عرض مسألة ترجماتها الركيكة في تويتر وخروجنا باتفاق جمعي على قطع صلتنا في المرات القادمة عن ترجمات آفاق ..!
وتشير الكاتبة " بثينة الإبراهيم " في مقالتها المهمة عن لغم آخر " في لغم أو مطب آخر - سمها ما شئت - أجد كتاباً بعنوان (حواس مرهفة)، وهو مجموعة قصصية مترجمة لعدد من الكتّاب، قامت بترجمتها هالة صلاح الدين، وصدرت عن دار البوتقة للنشر والتوزيع عام 2010. وأول ما يقابلني في هذا الكتاب صدمة من النوع الثقيل! تبدأ المجموعة بقصة لكاتب وصحفي كيني، اسمه بارسيليلو كانتاي، عنوانها باللغة الإنجليزية «You wreck her»، لكن المترجمة تنقلها إلى العربية بعنوان «واكتواها»! وتبرر ذلك بقولها: «عنوان النص (واكتواها) هو النطق المشوه لكلمة (وجدتها)! إنه بديل أشبه بالمعجزة للعنوان الأصلي، وهو نطق خاطئ لكلمة «Eureka»، وقد كان من اليسير أن أستعين بكلمة وجدتها كعنوان للنص لولا إيحاءات فرضتها علي كلمة «wreck»، وتعني يدمر أو يحطم، وقد ألفيت أن الفعل اكتوى قد يسهم - ولو بقدر ضئيل - في تصدير مثل هذا الإيحاء!».
في ظل سقطات الترجمات العربية لا يمكن أن ننكر وجود جهات تعنى بمشروع الترجمة بجهد حقيقي وعلى رأسها مشروع كلمة للترجمة التابعة لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث وهو مشروع يستحق الاحتفاء على الترجمات وطبعات كتبها الراقية والتي تحترم القارئ وفكره ، وترجمات الهيئة المصرية العامة للكتاب التي تحرص على ترجمة كتب حائزة على " سلسلة جوائز " عالمية لإثراء المكتبة العربية .. ولا يمكن أن ننكر فضل المترجمين من العرب العظماء حقا ، أولئك الذين كان لهم السبق في نقل لغات العالم الآخر إلى كل قراء العرب على رأس القائمة " سامي الدروبي " ، " صالح علماني " ، " ماري طوق " ، " سعيد بنكراد " ، " بسام حجار " و" " أسامة منزلجي " الذي قام بترجمة معظم أعمال الكاتب الشهير والمثير للجدل " هنري ميللر " وغيرهم أولئك الذين يعلمون بصمت دقيق وجهد كبير .. أما على الصعيد الفردي فهناك جهود شبابية مكثفة تقوم من ذات نفسها لدعم الترجمة ، ولعل من أهم الأسماء الشبابية البارزة في الأعوام الأخيرة المترجم الشاب الشاعر السعودي " محمد الضبع " صاحب مدونة " معطف على سرير العالم " الذي وكما كتب عن نفسه في مدونته بأنه " يترجم كل أسبوع للحفاظ على لياقة الحياة " وها هي جهود تلك المدونة تقدم للقارئ العربي كتابين مترجمين صادرين حديثا بعنوانين مشوقين " اخرج مع فتاة تحب الكتابة " و " قصائد آخر ليلة على كوكب الأرض"  ..
 ومشروع آخر خلاق وهو مشروع تكوين للترجمة تمثل واجهته الروائية الكويتية " بثينة العيسى " ، وهو مشروع ثقافي يضم ثلة من المترجمين الشباب غايتهم نقل حوارات وآراء الكتاب العالميين عن الكتابة وشؤونها وهو مشروع رائد ترجم عشرات المقالات عن نصائح وتقنيات الكتابة من مصادر مختلفة ولأشهر الكتاب العالميين مثل : جورج أورويل ، إيزابيل الليندي ، راي برادبيري ، أناييس نن وغيرهم توّج بإخراج كتاب جديد تم عنونته بـــ" لماذا نكتب " ..
الترجمة فعل حضاري ومسؤولية عظيمة وأمانة حقيقية ، ويجب على المترجم السيء أن يدرك ذلك جيدا ولا يستهين بعقل القارئ في زمن القارئ ، والأجدى أن يبحث له عن وظيفة أخرى أو حيلة أخرى ليستغبي العالم من حوله بعيدا عن تلويث الثقافة بترجمات محبطة للغاية لكل قارئ فضولي ونهم ..
حين عرض الكاتب " حليم بركات " شخصية الروائي " جبرا إبراهيم جبرا " في كتابه " غربة الكاتب العربي " كتب في إحدى السطور قائلا : " حرصت جاهدا على أن اقرأ مختلف كتابات جبرا الروائية والنقدية حتى الشعرية منها ، مستثنيا الترجمات التي أفضل دائما أن أقرأها بلغتها الأصلية مهما كانت براعة المترجم ( وإن كنت قرأت ترجمته لرواية وليم فوكنر الصخب والعنف ، هذه الرواية التي يكاد يكون من المستحيل ترجمتها لما للغة من أهمية في بنائها الفني ) " ..
من هنا كقراء ندرك تماما صعوبة عملية الترجمة ونقل لغة وفكر الآخر إلى لغة مختلفة ، ولكن أيضا ربما كقراء نكون داعمين لعملية الترجمات السيئة حين نكتفي برمي الكتاب الذي يكون ركيك الترجمة على رف الغبار والاهمال دون أن نشير ولو في تغريدة من 140 حرفا بأنه كتاب ترجمته ركيكة ولا يستحق القراءة ..!
لذا اتخذت قراري خلال العام الجديد 2015م بأنني سأقوم عرض غلاف كل كتاب ترجمته سيئة ؛ كي نجنب غيرنا شراءه ، وليكن بابا لنقد الترجمات السيئة التي تفشت في الأعوام الأخيرة ؛ لنحارب كقراء واعيين الترجمات المحبطة و الركيكة .. ولأهمية الترجمة كمشروع فكري وثقافي سيثري أجيالا من القراء لنقل ثقافات العالم الآخر وكما قال " ساراماغو " : " إن أدب كل أمة يصنعه كتابها بلغاتهم أما أدب العالم فيصنعه المترجمون " ..

ليلى البلوشي

هناك تعليقان (2):

  1. بارك الله فيك أ.ليلى
    فأمانة الكلمة هي أهم ما قي الكلمة فإما هي أو فالصمت أولى
    تحياتي :)

    ردحذف
  2. فى السنوات الأخيرة هناك الكثير من الترجمات السيئة تمت لاسباب تجارية اكثر من مراعاتها للدقة أو الجودة ...استمتعت بمقالك...تحياتي

    ردحذف