الاثنين، 26 يناير، 2015

وهم الخلود ..!

وهم الخلود ..!

جريدة الرؤية

ثمة أسطورة يونانية عتيقة تدور حول قديسة المعبد التي منحتها الآلهة ما تتمناه ، فكانت أن تمنت الخلود ، فمنحت الخلود لتكتشف أنها نسيت أن تطلب الشباب الدائم ، فكانت النتيجة هي هرم متواصل بلغ بها حد أن أصبحت من الصغر أن أمكن وضعها في زجاجة ، فبدأت تتضرع إلى الآلهة أن تسمح لها بالموت ، ولعل هذه الأسطورة هي التي كانت في ذهن الكاتب البرتغالي " ساراماغو " الذي كتب رواية " موت مع أوقات مستقطعة " المترجمة للإنجليزية 2008م ، وكتب عنها د. سعد البازعي حيث قال : " حلم البشرية الدائم هو الخلود، ورعبها الدائم هو كل ما يهدد باختصار ذلك الحلم وإنهائه، أي مجيء الموت. ذلك ما يلعب عليه الروائي البرتغالي ساراماغو في روايته" موت غير متواصل "أو "موت مع أوقات مستقطعة "، التي نشرت بالبرتغالية عام 2005 الترجمة الإنكليزية 2008، أي بعد حصول الكاتب على جائزة نوبل 1998 بسبعة أعوام وقبل وفاته بعامين 2010. ومع أن من الطبيعي أن يكون الموت هاجساً ملحاً في ذهن رجل تجاوز الثمانين ، فإن الرواية ليست مجرد هواجس إنسان بلغ من العمر أرذله ، وإنما هي تأملات مبدع في الأبعاد المختلفة ، السياسي منها والاجتماعي والفلسفي والروحي ، لما ينتظر البشر أياً كانت أعمارهم " ..
أما عن أجواء الرواية المثيرة فكتب واصفا أحداثها : " تقدم الرواية وضعاً غرائبياً لبلاد لم يحدد مكانها حين استيقظ الناس فيها بداية أحد الأعوام على ظاهرة شديدة الغرابة : لم يمت أحد. والدة رئيس الجمهورية التي بلغ بها الكبر والمرض حد النهاية كانت أبرز المتخلفين عن الرحيل ، الأمر الذي حير الأطباء والناس المحيطين بها ووضع أحداث الرواية في معمعة السياسة ، لكن ما إن يتضح أن الوضع عام في المستشفيات وفي الشوارع والمنازل فإن الأمر يتحول إلى ظاهرة اجتماعية غير مسبوقة في تاريخ البشر. تلك الظاهرة مقتصرة على البلاد التي تصورها الرواية ، إذ إن الموت يواصل عمله في كل الدول الأخرى ومنها المحيطة" ..

الخلود في الحياة ، عادة يطمع إليه أصحاب السلطات والثروات في الدنيا ، أولئك الذين لديهم كل شيء وينبذون فكرة مغادرة الحياة وترك جل ما جمعوه من أموال طائلة ليتمتع بها غيرهم حين يغادرون ولذا يغلب عليهم حب التملك لدرجة الرغبة الشديدة في الخلود ، الرغبة القوية في عدم الموت وفي الحياة الدائمة .. التاريخ زاخر بأمثلة من أصحاب السلاطين أولئك الذين رغبوا في وصفة الخلود ، ومن هؤلاء حكاية عن الجنرال " فرانكو " الذي حكم إسبانيا بالقمع والإرهاب من عام 1939م إلى عام 1975م ، وكانت تسيطر على هذا الملك فكرة البقاء في السلطة على قيد الحياة وإلى الأبد ، أصيب بأمراض متنوعة آخر خمسة عشرة عاما من حياته لكنه أبقى حالته الصحية طي الكتمان ، وقبل وفاته بأيام أصيب بتدهور في مركز المخ وشبكة من الالتهابات وتعطيل الوظائف ، وكانت مدريد يومها تشتعل بالمظاهرات المناهضة لحكمه ، وكان في اللحظات القليلة التي كان يستعيد فيها وعيه يسمع هدير المتظاهرين تحت شباك المستشفى حين كان طريح الفراش ، مما جعله يسأل من كان حوله من : " هل جاء الناس لكي يطمئنوا عليّ ..؟ " ..!
وهناك رواية أخرى عنه حيكت عنه كنكتة وهو على فراش الموت ، إذ سمع جلبة فسأل : " ما الأمر ..؟ " فقيل له : إن الشعب الإسباني يودعك ، فقال : " وإلى أين ينوي الشعب الإسباني أن يذهب ..؟ " ولكنه حين يعرف أن هذا الخلود مستحيل ؛ حينئذ يخطر بباله فكرة أن يشيع عن نفسه أنه مريض بالإيدز لكي يضمن أن لا يتزوج أحد من امرأته من بعد موته ولو كان يستطيع لفكر في قتل الشعب ؛ لكي لا يتركها لأحد ..!

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق