الاثنين، 22 سبتمبر، 2014

رجل حياته مكتبة ..


رجل حياته مكتبة

جريدة الرؤية ..

" لم نكن نذهب إلى الكنيسة ، لكننا كنا نذهب إلى المكتبة "
هذا اعترف الروائي الذي ترشح لجائزة مان بوكر عدة مرات حتى نالها عام 2011م عن روايته " الإحساس بالنهاية " والقارئ الفذ مذ كان طفلا ، صياد الكتب الذي كان يلاحق الكتب من سماء إلى أخرى ؛ كي يحظى بالطبعة الأولى من كل كتاب صادر حديثا ، لتكون له مكتبة ضخمة ومميزة وحافلة بالكتب من بلدان مختلفة .. إنه الكاتب البريطاني " جوليان بارنز " الذي كان شغوفا بــالروائي " غوستاف فلوبير " ورائعته " مدام بوفاري " لتكون روايته الأولى بعد أعوام طويلة من صيد الكتب والقراءة تدعى " ببغاء فلوبير " ..
في مقالة مسهبة ونوعية بترجمة " آمال بن دالي " يسرد " بارنز " حكايته مع الكتب مذ كان في سن صغيرة في ظل أسرة كانت تعشق الكتب ولها مكتبة في البيت ؛ فجديه من أمه كانا مدرسين وكان لجده مجموعة أعمال " ديكنز" التي اقتناها عبر الطلب بالبريد ، و" موسوعة نلسون" من ثلاثين مجلدا أحمرا صغيرا ، و كان لدى والديه مجموعة كتب أكبر وأكثر تنوعا ، حتى أنه نشأ وفي اعتقاده أن كل البيوت فيها كتبا وبها مكتبة ، وذلك هو الوضع الطبيعي بالنسبة له ، فتلك الكتب هي للتعلم في المدرسة ، و للتزود بالمعلومات والتأكد منها ، وللتسلية خلال العطل ..
كان الطفل " بارنز " يتذكر جيدا كتب والده ووالدته وما كانا يحبانه ولم يشكل وجود اختراع " التلفزيون " عبئا بالنسبة له ولم يجرؤ " التلفزيون " أن يحل محل الكتب الأثيرة ولا أن يقلص من ساعات القراءة في الكتب ؛ فقد كان كلاهما مدرسان فخضع لرقابة صارمة وكان للكتاب احتراما في بيتهم الأسري .. ولكن يبدو في أمريكا شكل " التلفزيون " أزمة لدى الجيل الجديد مما جعل الرئيس أوباما يصرخ في أولياء الأمور قائلا : " ارحموا عقول أبناؤكم وأغلقوا التلفزيون " ..
كان لدى والده كتب مقالات " Fourth Leaders " الصادرة عن " التّايمز" أما والدته فكانت تستمتع بكتب " نانسي ميتفورد" ، كانت الرّفوف تحتوي كتبا مجلدة فاز بها والده في دراسته كجوائز لتفوّقه مثل " موسوعة النّثر الانكليزي" و " أعمال غولد سميث الشعريّة" ، ورواية " الدّير والمصطلى"  لـ" تشارلز ريد"  ، لهذا حين كبر " بارنز " كان من الطبيعي أن يسعى كجديه ووالديه إلى عادة اقتناء الكتب وقراءتها ، و يا لها من عادة حميدة ومثمرة تلك التي يعوّد الكبار فيها صغارهم على وجود الكتاب في البيت في مرحلة مبكرة من حياتهم .. والروائي " باولو كويلو"  سبق وعرض أهمية هذا الأمر مرة حين أشار بقوله : " في مرحلة مبكرة من العمر وعندما يدلف الصغار إلى أسرتهم فإن كتابا لابد أن يكون موجودا إلى جوار دمية الدب الشهيرة ووقت الاستحمام تجد كتابا بلاستيكيا جنبا إلى جنب مع اللعب التي تأخذ شكل المراكب والسفن في حوض الاستحمام مع الصغار وشيئا فشيئا يعتاد الأطفال ذلك وينتهي بهم الأمر إلى قبول الكتب باعتبارها جزءا مهما لا يتجزأ من حياتهم .." والروائي النيجيري " وول سوينكا " ذكر في كتابه " آكيه " التي تتناول سيرته في مرحلة الطفولة بأن والده كان ناظر مدرسة و كانت له مكتبة ، مما جعله وهو طفل يحمل كتبا أخذها من مكتبته ويتجه بها إلى المدرسة ، ليطلب من معلمها الالتحاق بها كتلميذ وكان يومئذ في الثالثة من عمره ..!
كبر الطفل " بارنز " في عائلة كان دأبها أن تفوز بالكتب في المدارس التي التحقوا بها ، وكان يحق لهم أثناء فوزهم انتقاء أسماء الكتب التي يرغبون في الحصول عليها ، وهذه ميزة أخرى ملهمة لنظام التدريس في بريطانيا أو أوروبا عموما خلال تلك الأعوام ، كانوا يعطون الكتاب أهمية جمة ، وكانت القراءة جزءا لا يتجزأ عن عالمهم ؛ لهذا تحول من قارئ عادي إلى صياد حقيقي وشغوف بالكتب بعد أن تخطى مرحلة نيل الكتب كجوائز في المدرسة أصبح يلاحقها كقناص دؤوب لديه حاسة امتلاك الأشياء ، معنى أن تمتلك كتابا أنت قمت بشرائه وسعيت له بكامل رغبتك للحصول عليه " كانت هناك أولا إثارة ومعنى الامتلاك ، أن تمتلك كتابا محددا، كتابا اخترته بنفسك - كان ذلك يعني شيئا من تعريف الذات - وهذا التعريف بالذات يجب حمايته ماديا ، لذلك كنت أقوم بتجليد الكتب مع كتابة اسمي بخط اليد على زاوية الغلاف الداخلي بالحبر الأزرق الداكن مع وضع سطر بالأحمر تحت الاسم ، كان تعريف الذات هذا نوعا من السحر" ..
لكن " جوليان بارنز " القارئ أصبح مع الزمن يدرك روعة الحصول على كتاب مستعمل أو كتب " سبق امتلاكها " كما كانوا يطلقون عليها في أمريكا ، سبق وانتقل من يد إلى يد ، وتشعب في بيئات مختلفة عبر أجيال مديدة ، في أمكنة باردة وحارة ومعتدلة ، ومع قراء بأنماط متباينة ، وأمزجة غريبة ، وفي النهاية تكون أنت صاحب هذا الكتاب المستعمل ، إن روعة امتلاك كتاب مستعمل تكمن في فكرة الثقافة المستمرة ..
وبعد سنوات من الخبرة في شراء الكتب ومطاردتها أصيب " بارنز " بخيبة أمل من بعض الناشرين وبائعي الكتب ، فقد كان يتصور دائما أن جامعي الكتب هم أشخاص مستقيمون وصادقون ، لكن التجربة علمته أن منهم من لا يستطيع ضبط نفسه عن غشك والتلاعب بك ..
ولكن " جوليان بارنز " حين تحول من جامع كتب أو صياد كتب إلى كاتب يوم طبع روايته لأول مرة أصبح أقل اهتماما بامتلاك كتاب في طبعته الأولى " أنني لم أعد أحتاج طبعات أولى من أعمال الآخرين باعتباري قد نشرت طبعة أولى من عمل خاص بي ، حتى أنني بدأت ببيع الكتب ، وهذا ما كان سابقا أمر لا يمكن تصديقه ، لكن مع هذا ، فإن وتيرة شرائي للكتب لم تنخفض ، أنا أشتري الكتب أسرع بكثير مما يمكنني قراءتها ، لكن مجددا ، هذا يبدو لي طبيعي جدا ، كم ستكون محظوظا أن يكون حولك من الكتب ما يمكنك قراءته بكل الوقت المتبقي من حياتك " ..
وعلى الرغم من أن الكتب الرقمية سهلت عليه كثيرا عملية الحصول على أي كتاب يريده وبأسعار غير مكلفة بل أقل مما يكلفه الكتاب الورقي ، غير أن حبه العميق للكتب الورقية أقوى من أن يحل محلها الكتاب الالكتروني حتى لو أضافوا خاصية تنزيل الكتب بميزة الروائح ، يظل للورقي خصوصيته بالنسبة له ..
 وكقارئ شغوف طرح " بارنز " حكمته عن القراءة : " القراءة هي مهارة الأغلبية لكنها فن الأقلية " مضيفا  بأن : " الحياة والقراءة ليسا نشاطين منفصلين. التمييز بينهما زائف ، ... عندما تقرأ كتابا كبيرا ، فأنت لا تهرب من الحياة ، بل إنك تتورط فيها عميقا ، قد يكون هناك هروب سطحي - إلى دول أخرى ، عادات ، أنماط حديث – لكن ما تقوم به بشكل أساسي هو أنك توسع فهمك للنواحي الرقيقة في الحياة ، لتناقضاتها ، لمتعها ، لآلامها وحقائقها ، القراءة والحياة ليستا منفصلتين لكن متكاملتان ، ومن أجل هذا الواجب الجاد للاكتشاف التخيلي واكتشاف الذات ، يبقى رمز واحد فقط : الكتاب المطبوع " ..
لقد كلفت حب القراءة وجمع الكتب " جوليان بارنز " حين كان قارئا ؛ فقد عاش في الكتب ، ومن من أجل الكتب ، بـالكتب ومعها ، ولكن وفي السنوات الأخيرة كان محظوظا بما يكفي ليعيش حياة مريحة من ريع الكتب ككاتب وروائي لامع ..
ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق