الاثنين، 15 سبتمبر، 2014

حين تعود إلى بيت لا يعرفك ..!

حين تعود إلى بيت لا يعرفك ..!

يقول جورج أورويل كناقد لظاهرة الولاء في عصور الاستبداد : " الولاء يعني انعدام التفكير ، بل انعدام الحاجة للتفكير ، الولاء هو عدم الوعي " ..
ظاهرة الولاء هذه تمددت وبشكل فاغر في تاريخ الصين ، في مرحلة الركود الفكري والثقافي بكل معنى الكلمة حين كان ولاءهم المطلق يسجد صاغرا لزعيمهم المستبد " ماو " .. في زمن تكون فيه " العودة إلى البيت " محفوفة بالمخاطر ، مخاطر قد تعرضك وأسرتك إلى خطر المجتمع الاستبدادي الذي قدر لك أن تكون أحد أبنائها ، أنت الفار من نظام قمعي ، أنت الذي حين نافحت بجسارة عن كرامتك كإنسان يطالب بالعدل والكرامة في وجه هذا النظام تعرضت لأنكى محاولات التعذيب الجسدي والنفسي ، ناهيك عن تداعيات الغياب عن بيتك ، وأسرتك التي غادرتها كمجرم ومتهم في نظر النظام الاستبدادي ؛ لأن ولاءك لم يكن ناصعا وبشروط الحزب ..!
ولكن مسألة الوجع ليست هنا بل حين تصدم على حقيقة بأنك أصبحت منبوذا في نظر ابنتك التي سكب فيها الحزب السياسي مذ قبض عليك كعدو لها ومذ كانت هي طفلة لا تتعدى الثلاث أعوام تحبو نحو عالم يقدس زعيم الحزب ويعلن الولاء له ليغدو الحزب أهم من العائلة ، أهم لها من كل شيء في الحياة من مقربين وأصدقاء ..!
هذه بعض حيثيات الفيلم الصيني " العودة إلى البيت " للمخرج الصيني " جانج ييمو" 2014م .. في تجربة مختلفة ونادرة في حياة الصينين كان قدرهم أن يحكمهم زعيم يدعى " ماوتسي تونغ " ويفرض على شعب بأكمله ما أطلق عليه " الثورة الثقافية " لتعيش الصين تجربة مريرة من العزلة وانكار الذات في ستينيات القرن الماضي ..
ولا يمكن للصين أن تنسى ماضيها ؛ لأنه ترك خدوشا لا يمكن نسيانها ، وحين انهار نظام حزبهم المقدس والزعيم الذي اعتقدوا أنه خالد مخلد ، وجد الصينيون أنفسهم يفرّون من ماضيهم المثقل بخيبات الأمل ومآسي الروح ، ذاك الماضي الذي سحق كرامتهم حين خضعوا بكامل ولائهم ، وخوفهم ، وعبوديتهم ، كبشر لصوت واحد ووجه واحد ، وحين فقدوا ما فقدوا من أحباء ورفاق في سبيل هذا الصوت المستبد المتوحد .. وحدهم المتمردون ، العصاة ، أولئك الذين كانوا ملعونين في نظر الحزب ونظر عائلاتهم وأصدقائهم ، هم وحدهم حق لهم الاعتزاز بإنسانيتهم التي عبرت عن نبذها للعبودية ، وتجسد ذلك في شخصية الأب في فيلم " العودة إلى البيت " الفيلم الذي ينتقد الثورة الثقافية في ظل أسرة صغيرة مكونة من أم وابنة صغيرة وأب متمرد على الحزب جُرّ كمعتقل إلى ظلمات السجن ، كخائن للزعيم وحزبه ، وقضى خلف القضبان عشر أعوام قبل أن يتمكن من الهرب من الحبس الذي قبع فيه تملؤه رغبة واحدة فقط هي " العودة إلى البيت " ليرى زوجته التي يكّن لها الكثير من الحب والحنين وابنته التي رآها آخر مرة حين كانت في الثالثة من عمرها ..
لكن " العودة إلى البيت " لا تغدو بالسهولة التي تصورها سواء حين هرب من السجن أو حين حصل على حريته بعد انهيار الثورة الثقافية وانتهاء العهد الماوي ؛ ففي المرة الأولى يكون شعار " الحزب أهم من العائلة " طاغيا فتجد الزوجة المغلوبة على أمرها وحرصا على مستقبل ابنتها كراقصة باليه تصم أذنها عن طرقات الأب ، الأم المترددة ، التي تدخل في دوامة من التيه والرهبة ، في حين تكون الابنة الوفية للحزب والحريصة على مستقبلها فيه لا تتوانى عن التبليغ عن والدها الذي يكتب رسالة للأم ويضعها تحت الباب ؛ كي تقابله في الساعة الثامنة صباحا عند محطة القطارات ، ولكن اللقاء لا يتم سوى عن بعد ، اللقاء الذي تنهار معه أشياء كثيرة ، فالابنة تبلغ عن أبيها الذي تراه خائنا للحزب أي خائنا لزعيمها المقدس " ماو " ..!
أما الزوجة ، الأم ، فهي التي تدفع ضريبة كل ذلك ، فكأم تمقت ابنتها وتطردها من المنزل ؛ لأنها كانت سببا في تسليم الأب للسلطات ، أما كزوجة وهنا المأساة جلها تسقط في دوامة فقدان الذاكرة ، فهي لا تسقط من ذاكرتها سوى زوجها المعتقل الذي لا تتعرف عليه في المستقبل ، بل يظل حبيس ذاكرتها في الماضي المدجج بالرهبة من الحزب ، وحين يعود هذا الزوج بعد انتهاء العهد الاستبدادي لا تتعرف عليه الزوجة ، وهنا تغدو " العودة إلى البيت " عصيّة بكل معنى الوجع الإنساني ..!
في الفيلم يعيش الأب دوره كأب فالابنة التي بلغت عنه تقوم باستقباله في محطة القطار ويغفر لها الأب كل ما جرى منها في الماضي ، غير أن دوره كزوج يكون المعضلة الأساسية في الفيلم ويكون سببا لعدم عودته إلى البيت ؛ فالزوجة لا تتعرف عليه وتعتقد أنه رجل غريب لا يمت لها بصلة ، الزوج بدوره لا يستسلم لتداعيات اليأس التي تزحف على قلبه شيئا فشيئا مع مرور عبء الزمن ، ففي البدء يعتقد أن الغياب الطويل هو السبب في سحق ذاكرة الزوجة ، لذا يسعى إلى حشد وسائل جمة ؛ كي يساعد زوجته على استعادة ذاكرتها المتوقفة على لحظة ترددها في فتح باب البيت المغلق للزوج المعتقل الهارب المترقب بلهفة للحظة اللقاء ، الباب الذي يظل مفتوحا بعد أن يتم القبض على الزوج في محطة القطارات كتأنيب حاد للزوجة في ضميرها الإنساني حين خذلت طرقات الزوج المنتظر خلفه ، وهي اللحظة نفسها التي استأثرت بذاكرتها في الامتداد عن مسافات المستقبل حيال كونها زوجة ..!
تلك المسافات التي يريد الزوج استرجاعها كمستقبل كي يحظى بحياة سرق ماضيها عنه وعن زوجته وابنته ، لكن الزمن لا ينصفه ولا ينصف الزوجة التي تظل عبر مرور الزمن المرأة التي تنتظر زوجها في محطة القطارات في خامس من كل شهر كما كتب الزوج في رسالة لها حين كان معتقلا ، الرسالة التي وصلت متأخرة ، الزمن نفسه يأتي كعقاب ويأتي كتأثير على ما يخلفه الماضي المؤلم من جراحات في الروح وتظل قابعة كظل شبحي للإنسان ، فمن تراجيديا فيلم " العودة إلى البيت " أن الزوجة ليست وحدها تترقب عودة الزوج إلى بيت قلبها وروحها لكن الزوج أيضا يقف بالقرب منها ينتظر عودة من نوع آخر ، عودة لقلب وذاكرة المرأة التي تقف بجانبه على أمل استرجاعها ، عجوزان في الحب والوفاء والوجع والانتظار الذي طال أمده .. !
المأساة الصينية التي اختصرتها عبارة أرسطو حين سئل : " من يصنع الطغاة ..؟ فرد قائلا : ضعف المظلومين " ..!

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق