الجمعة، 29 أغسطس، 2014

التاريخ يسنيقظ في غرف النوم ..!

التاريخ يستيقظ في غرف النوم ..!

جريدة الرؤية ..

تفجر من وقت قريب خبر عن نية الكاتب الصحفي " ويليام ستادييم " على نشر قصة حياة " مدام كلود " الشخصية الأسطورية التي عرفت في باريس في الستينيات بالسيدة الأكثر حصرية في العالم ، والمدام كلود كانت المومس الأشهر في باريس وكان لها دار للدعارة تديره في الشانزيليزيه ، في زمنها لم يكن ينظر بازدراء إلى زيارة المومسات في ذلك الوقت ؛ ومدام كلود يبدو أنها امرأة غنية بالأسرار عن زبائن كثيرين من الغرب ومن العرب أيضا دأبوا على زيارتها باستمرار في دارها ، وقد صرحت من وقت قريب أن من ضمن زبائنها الدائمين كان كل من الرئيس الليبي الراحل " معمر القذافي " وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق " موشي ديان " والرئيس الأمريكي الأسبق " جون كنيدي " صرحت بأسمائهم وهي معبّرة بقولها :  "هناك شيئين سيظل الناس ينفقون المال للحصول عليهما هما الطعام والحب الجاهز للبيع .. وأنا لا أتقن إعداد الطعام" ؛ لهذا كان زبائنها من الأثرياء وذوي نفوذ أولئك الذين ينفقون الملايين على شهواتهم ، ويبدو أن حياة الرؤساء والسياسيين والطغاة كانت على وجهين ، وجه صارم وقبضة حديدية أمام جمهورهم من الشعوب ووجه غارق في ملذاته الخاصة في أقبية مظلمة حافلة بالأسرار ..!
في كتاب " نساء الطغاة " للفرنسية " ديان دوكريه " تسرد فيه حكايات ورسائل حب وإعجاب تلقاها طغاة معروفين في العالم من أمثال " هتلر " و " موسيليني " و " تشاوتيشسكو " و" ماو " وغيرهم ..
وقد حظيت مقدمتها اهتماما برسائل " هتلر " حيث تشير إلى أن الزعيم النازي كان أسطورة النساء في عصره ، النساء الألمانيات الشابات كن مغرمات به ، وكانوا يرونه القائد الوسيم ، لدرجة أن رسائل الإعجاب والحب التي تلقاها " هتلر " في زمنه من المعجبات تفوق رسائل التي تلقاها كل من " ميك جاغر " و" البيتلز " ، ومن حجم وكثافة تلك الرسائل عين " هتلر " مستشارا خاصا يتلقى تلك الرسائل ويقرأها ؛ كي يتعرف على أوضاع البلاد من خلال أولئك النسوة وأحاديثهن ، معظم تلك الرسائل التي كانت تعبر عن إعجاب بالنازي وشخصيته كقائد للبلاد بالنسبة لهن ، و" هتلر " كان يولي أهمية لما تقوله نساء وطنه عنه وهو القائل : " في السياسة يجب الحصول على دعم النساء ، أما الرجال فيتبعونكم لوحدهم " ..
ولم يكن من عادة الدكتاتور النازي من أن يرد على رسائل المغرمات به ومعبوداته أولئك اللواتي كن يترقبن بلهفة ولو سطرا واحدا من خط يده ، ولكن حين كان يستلم رسالة من معشوقة يجد أن لها نية على زيارة إلى برلين لتعبر عن حبها لقائدها المقدس وجها لوجه كان يطلب من مستشاره حينئذ أن يكتب ردا مقتضبا ليقطع نية قدومها إلى حيث هو ، وفي إحدى تلك الرسائل كتب مستشاره : " سيدتي ، أفيد بهذه الرسالة باستلام كتابك إلى القائد وأبلغك بأن هذا الأخير لن يورط نفسه من حيث المبدأ في أي قضية خاصة " ..
و من فرط عشق إحدى معجباته قامت بإرسال وثيقة زواج موقعة من قبلها وكتبت فيه : " بهذه الشهادة الموقعة تتخذك الآنسة آن ماري رسميا زوجا لها " على أمل أن يوقع " هتلر " الوثيقة فيكونان زوجان ..
بل حين كانت تصله رسالة مذيلة بأبيات شعرية تمجده كقائد متوحد كمثل هذه الرسالة التي تقول : " كلنا نهتف لهتلر / الذي يؤّمن لنا السلام والأمل / أنت ، يا مخلّصنا ! / نتحمل الأعباء واللوم ، ولا ننسى غايتك !/ عاش أدولف هتلر / العالم كله يصرخ عاش هتلر / البطل العظيم المحبوب ، وفاؤك وفاؤنا / لنحمده معا ، لنرفع سواعدنا ولنصرخ بصوت واحد " عاش هتلر"  .."
حينئذ كان مستشاره يرد على كاتبة الأبيات الشعرية نيابة عن " هتلر " والتي بدورها تنم عن غموض شخصيته كطاغية تمجده نساء بلده بشكل مفرط : " السيدة العزيزة ، يبلغك القائد شكره الصادق على رسالتك ، مع الأسف ، لا يمكننا أن نسمح لك بنشر هذه القصيدة ، فإن القائد يرفض ، من حيث المبدأ ، أي شكل من أشكال التمجيد لشخصه " وهذا الرد الغريب من الدكتاتور النازي يجعلني أستعيد شخصية الزعيم الكوري الشمالي والذي عرف عنه أنه يشتري شعراء بلده ؛ كي يمجدوه و أسلافه في قصائد عصماء وليس هكذا فقط ، بل يجبرهم على هجاء وذكر نقائض أعدائه في كوريا الجنونية ، باعترافات أدلاها الشاعر الكوري الشمالي " جانغ جين سونغ " بعد أن هرب من دكتاتورية الزعيم في كتاب أطلق عليه اسم " عزيزي الزعيم " وهو من ضمن آلاف الزعماء والرؤساء عبر العالم العربي والغربي يشترون شعراء لتمجيدهم ..!
ويقال إن " هتلر " كان يتضايق على الرغم من كل شيء من آلاف الرسائل التي كانت تصله ويراها بأن رسائل من نساء بلا حياء ، بل كان يرى معظمهن أشبه بنساء رخيصات ومومسات حين يصرحن بحبهن بشكل مبتذل وعلى وصف المؤلفة " دوكريه " : " تكززه التصاريح المجردة بالحب وتشله " ..!
ولكن أيضا التاريخ يثرثر عن علاقة مشبوهة بابنة أخته المدعوة " جالي " فتاة شابة صغيرة من عمرها كانت تساكنه في المنزل نفسه ، وكان يرفض أي رجل يحاول الاقتراب منها ، أو أي نوايا لخطبتها ، فقد كان يستأثرها لنفسه بل رسمها عارية واحتفظ برسوماته عنها في مكان سري ؛ كي لا يورط نفسه في فضيحة مشبوهة ، وهي التي انتحرت في النهاية بسبب معاملته المتقلبة وحبسه لها في عالمه الغامض  ..!
ولم يجد مهربا من حبه الغريب لابنة أخته " جولي " والتي حين قام بدفنها عبر بأسى بأنه قد " دفن عواطفه وتابوتها في الآن معا " سوى أن يختار " إيفا براون " عشيقة له ، كان كثيرا ما يعاملها بفظاظة بل يمنع مجيئها إلى برلين حيث يتواجد واختصر حبه لها أن يكون في ميونخ ؛ وهذا يؤكد انشغال الزعيم النازي الكلي بتحقيق غاياته في المجالات السياسية ، وإن كان ذلك على حساب حياته الشخصي ومتطلبات قلبه ، وهو الذي كانت نساء ألمانيا الشابات الجميلات مغرمات به ، وكن يتلهفن نظرة منه ، أو إشارة كي يخضن خضوعا كاملا للرجل الذي يرونه استثنائيا وقاعدا عظيما ، لكنه سبق وأعترف لرجل مقرب منه ، من أنه بعد الحرب سيتخذ " إيفا براون " زوجة له لأنها امرأة حياته الوحيدة ولكنه كان يسعى قبل ذلك دائما لإخفائها عن حياته السياسية دائما والاجتماعية أحيانا قائلا لها : " إيفا أنت لم تخلقي لمثل هذه الحياة الاجتماعية ، أنت غالية علي للغاية ، علي أن أحمي براءتك ، برلين هي مدينة الخطيئة ، العالم الخارجي قذر ومبتذل " ..!
وفي أحلك ساعات حصار برلين حين تخلى عنه كل أتباعه والعالم الذي تصوره في خياله السياسي الخصب ، لم تكن معه سوى المرأة التي أحبته ، واتخذته هاجسها الكلي والشامل ؛ لدرجة اللحاق به إلى برلين حيث الحرب والحصار ، في ذاك المخبأ أدرك " هتلر " الطاغية والمهزوم بأن " إيفا براون " عاشقة وصديقة حقيقية وتستحق عن جدارة في أن تكون امرأة حياته ومماته ، فتزوجها ، وفي الليلة نفسها أنهيا حياتهما بسُّم ثم بطلقة ..!
ولكن هناك دائما نساء سريات في حياة الرؤساء ولا يعرف عن وجودهن أحد ، بل ثمة هالة تسور وجودهن في حياتهم ، وكانت المرأة " ماغدا " في حياة " هتلر " تشكل الجانب الأكثر خفاء في حياته وتاريخه السياسي ، هذه المرأة التي كانت رفيقته وطباخته أيضا والمعنية بشؤونه السياسية وكانت السيدة الأولى بكل معنى الكلمة ، ولكن كان عليها أن تتزوج أحد رجال حزبه النازي ؛ كي تلعب دورها في حياته ، وكي تقنع العالم وقتئذ بوجودها قربه ، كان زواجها بوزير الدعاية مصلحة وسياسة ، استأثرها " هتلر " بشارته الذهبية الحزبية وقدمه لها قبل أن ينتحر ، فكان الأمر بالنسبة لها ذروة المجد في حياتها ، كيف لا وهي المرأة الوحيدة التي ناقشها على صعيده حياته العسكرية في أمور السياسة ، وكان يعتد برأيها كثيرا ، والتي بدورها دفعت ضريبة قربها منه فانتحرت وزوجها وزير الداعية للحزب ، ولكن قبل ذلك حقنت أطفالها الستة بالسم كلعنة أبدية كان يجب أن تدفعها العائلة بكامل أفرادها ؛ فقد عاهدت نفسها على أن ترافق " هتلر " في السراء والضراء ، والمرأة حين تعدّ بشيء بدافع الحب توفي به ..!
لم تكن دعابة ما أطلقه " أرنولد توينبي " أشهر مؤرخي قرن العشرين حين قال : " إن التاريخ يستيقظ في غرف النوم "..!
وأضيف : بأنه يموت أيضا في غرف النوم بل وينتحر ..!
ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق