الاثنين، 11 أغسطس، 2014

أمريكا كما يراها " هنري ميللر " ..

أمريكا كما يراها " هنري ميللر "

قال " والت ويتمان " مرة عن أمريكا : " أعظم ما يتعلق بأمريكا أنها أرض الفرص الثانية يأتي إليها الناس لصنع بدايات جديدة ، أسلافك ربما فكروا في هذا أيضا .. هي أرض تحب أن تغفر ، أن تدع الإنسان من جديد بعد أخطائه الكثيرة "
ولكن " هنري ميللر " هذا الكاتب ، المواطن الأمريكي له رأي آخر تماما عن موطنه والذي لم يجد فيه ربما السلام الروحي الذي وجده في باريس مدينة النور فهاجر إليها ، ففي روايته " كابوس مكيف الهواء " يضع " هنري ميللر " في استهلاله رأيه الجاد والصريح والكلي عن الأسطورة الأمريكية ويفتح شرايينها على مرأى من العالم ، فيقول عن موطنه نيويورك حيث عاش : " وانتابني اتجاه نيويورك الشعور الدائم – بأنه المكان الأشد بثا للرعب على أرض الله ومهما تكررت مرات هروبي منه أعود إليه كعبد فار وفي كل مرة مع إحساس بالامتعاض منه وبالكراهية ، يزداد باطراد " ..
عاش " هنري ميللر"  في زمن متطاحن بالحروب ، وفي الزمن نفسه كان حلم كل فنان أو مبدع هو الذهاب إلى أوروبا حيث مهبط الفن والإبداعات الخلاقة في وقت كان يرى أن أمريكا لا مكان فيها للفن وللفنانين : " لكي يصبح المرء فنانا عليه أن يكون مجذوما أخلاقيا ، منبوذا اقتصاديا ، ومعاقا اجتماعيا ، وخنزير يقتات على الذرة يستمتع بالحياة أفضل من كاتب خلاق أو رسام أو موسيقي والأفضل أن يكون المرء أرنبا " ..
لكن نظرة " هنري ميللر"  للهوية تتباين عن نظرة الآخرين لها ، عن نظرة مواطن عادي ، فهو كاتب وفنان خلاق لديه شعور بأنه إنساني وعالمي أكثر من كونه منتم لهوية وطنية واحدة بحد ذاتها أي مواطنا كوسموبوليتانيا وهذا ما يؤكده بقوله : " إن ما أحاول أن أقول هو ما يلي : على الرغم من أني أمريكي بالولادة وعلى الرغم من أني أصبحت ما يسمى المهاجر من وطنه ، فإني أنظر إلى العالم ليس كموال لهذا البلد أو ذاك بل كأحد سكان الكرة الأرضية " ..
ربما كون الإنسان متعدد الهويات وكونه لا يؤمن سوى بالإنسانية هذا ما يجعله يقف بكل ثبات ويبرز موقفه الصارم تجاه كل ما هو نابع من سلطة ديكتاتورية مستبدة ، يجعله يرشق كل طاغية بجسارة حتى وإن كان في موطنه ، فهو يرى أن ثمة أسباب غزيرة لظهور الطغاة الأوروبيين والآسيويين ولكن الطغاة في أمريكا هم متعددو الرؤوس أولئك الذين يعتقدون أن الوسيلة الوحيدة للقضاء على من يجسدون الشر هو تدميرهم ؛ ليكسر الزجاج العازل الذي غلفته أمريكا نفسها طوال تلك القرون ، ويكشف عورتها ، ويفضحها ، لينهار القناع الأمريكي بقوله : " نحن متعودون على التفكير في أنفسنا بوصفنا شعبا متحررا ، نقول إننا ديموقراطيون ، محبون للحرية ، متحررون من الضغائن والكراهية ، هذه هي البوتقة ، موطن التجريب الإنساني العظيم ، كلام جميل ، مفعم بالنبل ، وبالعاطفة المثالية ، في الواقع نحن رعاع سوقة وقحون ، يمكن حشد انفعالاتنا بسهولة عبر المهيجين والصحفيين والمتدنيين الدجالين والدعاة ومن شابههم " ثم يضيف وجهة نظرة بعبارات تدعو إلى التأمل في التاريخ الأمريكي : " إن وصف هذا بأنه مجتمع من أناس أحرار كفر ، ماذا لدينا نقدمه للعالم غير الغنائم الوافرة التي نسلبها بتهور من الأرض تحت تأثير الوهم المسعور بأن هذا النشاط المجنون يمثل التقدم والتنوير ؟ " ثم يعود ليؤكد بأن أمريكا التي يراها العالم بأنها أرض الفرص أضحت أرض العرق والكفاح العبثيين ، والمشكلة كما يرى " ميللر " ليس في تحول هذا الكفاح بل في غايته : " إن الهدف من كفاحنا كله نسيناه منذ أمد بعيد ، لم نعد نرغب في التخفيف عن المضطهدين والمشردين ؛ فليس هناك متسع على هذه الأرض الشاسعة ، الخاوية .."
كأنه يذكر لا العالم بل أمريكا نفسها التي قامت على أرض كانت للهنود الحمر – السكان الأصليون – أولئك الذين سلبت منهم أرضهم واعتبرتهم همجيين ومنبوذين ، ليتهم أمريكا نفسها وينعتها بالصفات عينها بغضب إنسان يؤمن بالحق ولا يخشى من الاقرار به : " إننا لسنا فقط جهلة ، ومتطيرين وأشرارا في سلوكنا مثل الهمجيين الجهلة والمتعطشين للدماء الذين جردناهم من ممتلكاتهم وأعدمناهم لدى وصولنا إلى هنا – بل نحن أسوأ بما لا يقارن ، لقد انحللنا ؛ حططنا من قيمة الحياة التي سعينا إلى تأسيسها على هذه القارة "
ويضاعف لها اللوم حين يقر بأوضاع المشردين في بقاع القارة الأمريكية  : " نحن أغرز الأمم إنتاجا في العالم ومع ذلك عاجزون عن إطعام وإلباس وإيواء أكثر من ثلث سكانه " بمساحات الشاسعة لتي سلبتها أمريكا من الهنود تحولت مع الوقت إلى أرض يباب بسبب الاهمال واللامبالاة والطمع والتخريب وكأنه يؤكد أن أمنا الأرض تنتقم لسكانها الأصليون ، أولئك الهنود التي جردتهم أمريكا من ممتلكاتهم وأهلكتهم وحولتهم إلى مرحلة من الحضيض ليكونوا منبوذين ، أولئك الهنود كما يرى " ميللر " كانوا يبجلون الأرض ، فالغايات كانت سليمة والتربة غنية وخصبة ، وقد عاشوا في تناغم مع الطبيعة في وقت كانت ترى أمريكا بأنها حياة بدائية وهمجية وذات مستوى معيشي هابط ..!
لكن الضربة الموجعة على رأس السياسة الأمريكية حين يقول : " وخلال ألف عام من الحرب المتواصلة تقريبا لم تفقد أوروبا ما فقدناه نحن في غضون مئة عام من السلام والتقدم " هذا السلام الذي فقدته أمريكا كما يذهب " ميللر " لكي يعرفه الإنسان عليه " أن يجرب الصراع ، عليه أن يمر بالمرحلة البطولية قبل أن يتمكن من التصرف كحكيم ، يجب أن يصبح ضحية انفعالاته قبل أن يتمكن من التعالي عليها ، ولكي يستنهض طبيعة الإنسان الانفعالية لتسلمه إلى الشيطان وتخضعه للاختبار الأسمى ، يجب أن يجري صراع يتضمن شيئا أكثر من الوطن والمبادئ السياسية والأيدولوجيات "  ..
فــ" هنري ميللر " يؤكد بحزم بأن العالم الجديد لا يصنع ببساطة بمحاولة نسيان القديم ، العالم الجديد يصنع بروح جديدة ، بقيم جديدة قد تكون أمريكا قد بدأت بهذه الطريقة ولكنها اليوم مشوهة فهي عالم الأشياء ، الماديات التي تلهث خلف صناعة وتوفير كل ما هو سطحي وشكلي بينما الداخل يبدو كبئر مليء بالقذارة ومظلم وموسوس ومهترئ .. فهي حولت الإنسان من جسد وروح إلى آلة منتجة تسعى إلى ضخ الماديات والمنافع في مجتمع رأسمالي واستهلاكي ، قضت على الإنسان وعلى روحه ، ففي وسط عالم يلهث نحو الرفاهية من سيلمح المرارة في القلب ، ونزعة الشك ، والسخرية ، والخواء ، والعقم ، واليأس ، وانعدام الأمل الذي ينهش العامل الأمريكي ..؟ حتى الفرد الأمريكي نفسه لا يريد أن يرى في نفسه هذا ؛ لأنه ممتلئ بالبؤس ولأنه يريد وسائل الراحلة القاتلة وأنواع الرفاهية ويتبع خطاها كما جميع الحشد بلا وعي وبلا هدى وبتهور ..!
الأمريكي الذي يقف أمام حاجز المكوس تحت رمزهم الوطني المجيد فإن أول سؤال يطرح عليه هو كم معك من النقود ؟ فإذا لم يكن بحوزته نقود – كما يقول ميللر – بل فقط حب حرية ، فعليه أن يتمتم صلاة رحمة على شفتيه ، فإنه سيمنع من الدخول ويعود إلى المشرحة منبوذا كمجذوم .." هناك شيء واحد تمنحه أمريكا وهو ما يتفقون عليه كلهم حوله : المال " ..! بمعنى يمكن للإنسان الذي جيوبه فارغة أن يعيش في كل بقعة من العالم سوى أمريكا مهبط الماديات ..!
" ميللر " يرى أن التجربة الإنسانية التي ينشدها لن تنجح ما لم يكن هناك رجال حقيقيون " وخلف مفهوم الرجل يجب أن تكمن العظمة ، لا يوجد حزب سياسي قادر على جلب مملكة الإنسان ، يمكن لعمال العالم أن ينظموا ذات يوم إذا كفوا عن الإصغاء إلى قادتهم المتعصبين ، أخوية الإنسان " ..
ولكن يجب أن يكون الفرد إنسانا حرا وندا في الوقت نفسه ؛ فالعبيد لا يستطيعون الاتحاد والجماهير الغفيرة لا تستطيع الاتحاد والجهلة لا يستطيعون الاتحاد ، هذا الاتحاد الذي لا يحقق غايته إذا عجزنا عن إطاعة أرقى دوافعنا كما يؤمن الكاتب الأمريكي " هنري ميللر " ..

ليلى البلوشي

هناك تعليق واحد: