الجمعة، 7 مارس، 2014

المرأة في يومها العالمي ..

المرأة في يومها العالمي ..!

الرؤية ..

الثامن من مارس هو يوم " المرأة العالمي " كما أطلقته عليه ماما أمريكا ، ما الذي يمثله هذا اليوم المصنوع أمريكيا للمرأة العربية أو الخليجية ..؟ وهل هذا الاعتراف العالمي بالمرأة من قبل أمريكا والعالم المترامي يخفف من عبء ما تعانيه المرأة العربية على العموم أو المرأة الخليجية على سبيل التخصيص ..؟!
عربيا أو خليجيا عادة لا تجد سوى تلك القيود الخانقة حول المرأة والرجل ، والمرأة في صورتها النمطية هي كائن حبيس كعصفور هش في قفص المظالم والتضحيات التي تتنفس على أحلامها الموبوءة وأمانيها المقهورة ، أما الرجل هو الوحش الهمجي والسفاح والظالم الذي عيناه لا تنامان ، السيد الذي تموء له المرأة بخضوع أمرك مطاع .. !
هذا الجدل العتيق في تاريخ البشرية الذي يصب نفسه في القالب نفسه ، فطوال تلك الأعوام والمجتمع يعيد ويكرر وينبش ما دفن وترسب ولكن مع كل جيل تجدد بحذاقة في استعراض ذلك بحيل مفبركة ولا تفعل غير ذلك حقا ..!
فعلى من سنلقي اللوم .. ؟!
هل سنشهر أصابعنا بحنق على الرجل بأنه الوحش الذي لابد له من ترويضه ، أم أننا سنضّخ حناجرنا بمستوى أعلى من الصراخ الذي استنفذ منه ما استنفذ في المطالبة بفك قيود المرأة ..؟!
أم سنقف محايدين حتى تتساوى كفّة الميزان بين الطرفين ، فنعلل بأن الرجل يتصرف على ذاك النحو حرصا منه على أنثاه .. أو نعلن بإن المرأة من حقها أن ترسخ وجودها في المجتمع بقواعد معينة ..؟
فعبر أحقاب تاريخية كان الوضع الفطري يصنف المرأة بأنها الجارية التي تقيد بالأصفاد وتجر من قيودها بأيدي جلادين بلا ذنب سوى أنها إغراء يهدد سلامة المجتمع الشرقي المحافظ ..! هذا الوضع الذي يستنكره العالم اليوم هو نفسه يتمظهر ولكن عبر قوالب وأشكال وتحت مسميات مختلفة تتخفى في ممارسات تستدعيه الحياة الحضارية ، لكن تبين في وسط دهشتنا أن " الرجل " أيضا يجرجر بالأصفاد ذاتها و للأسف الرجال مقيدون أيضا في المجتمع نفسه ، الرجل الذي وجد نفسه في مجتمع منفوخ حد التخمة بالقيم الاجتماعية المتسلسلة ببعضها ترفع من قدره وشأنه وتحط من قدر وشأن المرأة ، وثمة صوت أعلى منه يأمره بالرجولة المنفوخة بالعنف والقسوة والسيطرة فإن عصا غدا فأرا ، وإن ترهفت مشاعره أُحتقر إلى قائمة بلا شخصية ..!
 إذن الرجل مكبل مثله مثل المرأة تماما في المجتمعات العربية ، فلماذا نحاكمه بالمقصلة وحده في هذا الواقع المطوق بالمتاريس ..؟ نحاكمه كنساء لأن هذا الرجل ارتاح لفكرة السي سيد ولم يبذل جهدا حقيقيا لإلغاء أو تبديد تلك التصورات الخاطئة التي حفرت فيه مذ ولادته فانتشرت فيه كالسوس ، فما نتيجة سعي المرأة في الخروج من الأقفاص والمطالبة بالحرية إن كان العقل الذكوري مبرمج على تفكير آلي كهاتف محمول درج على تقنية ثابتة ..؟!
المجتمع نفسه الذي يقول للرجل المنحرف تزوج كي تعقل ، والذي يزوج الفتاة كي لا تنحرف ..؟! وكأن الزواج منظومة اجتماعية قائمة على أسس التربية ؛ فالزوج يعقل على يد زوجته والزوجة يمنعها زوجها من السقوط في مستنقع الرذيلة ، أين أسس المودة والرحمة التي أشار إليها الله – عزوجل – في كتابه المقدس  ..؟!
وهل فلحنا في إعدام سوء الظن على مستوى الأجيال ..؟!
المجتمع ككل متآمر على ترسيخ تلك القيم الساقطة في الحدود الفاصلة بين الرجل والمرأة والتي لوثتها إكراهات الموروث وأصفاد التناقضات ، حتى في مجال الإعلانات التجارية التي تسعى إلى تشيئ المرأة كدمية والتي تثير شبق الرجال ، فلماذا هذا السعي الملّح على حفر مثل هذه الصور التي تحطيم مُثل الثقة المتبادلة بينهما ..؟!
 ثمة عقد اجتماعية متوارثة لا غرض منها سوى أن تكون الفتاة كدمية مهما عبرتها حضارات العصر وأن يكون الرجل كوالده وجده وقبيلته كساعة مهما طرأ تغيير على شكلها الخارجي تبقى عقاربها لاهثة بالطريقة المكررة نفسها.. !
فالمجتمع العربي وكما عبر المستعرب الشرقي الياباني " نوبوأكي نوتوهارا " في كتابه " العرب من وجهة نظر يابانية : " مشغول بفكرة النمط الواحد على غرار الحاكم الواحد ، والقيمة الواحدة والدين الواحد وهكذا ، ولذلك يحاول الناس أن يوحدوا أشكال ملابسهم وبيوتهم وآرائهم ، وتحت هذه الظروف تذوب استقلالية الفرد وخصوصيته واختلافه عن الآخرين ، أعني يغيب مفهوم المواطن الفرد لتحل مكانه فكرة الجماعة المتشابهة المطيعة للنظام السائد ، في هذه المجتمعات يحاول الفرد أن يميز نفسه بالنسب كالكنية أو العشيرة أو بالثروة أو بالمنصب أو بالشهادة العالية في مجتمع تغيب عنه العدالة ويسود القمع وتذوب استقلالية الفرد وقيمته كانسان يغيب أيضا الوعي بالمسؤولية " ..
كثير من النساء يتصدرن اليوم أعلى مراتب الوظيفية كالرجال ، لكن هل كفّ الرجل عن ممارسة تسلطه عليها ..؟
ماتزال أعداد مهولة من النساء يعانين على أيدي الرجال على كافة الأصعدة النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية فهل مراكزهم الوظيفية فعلت شيئا ..؟
وإن فعلوا كان فعلهم بإتباع سياسة الإكراه ، وليس على أساس من الود الإنساني والتفاهم ، أي أن الرجل لم يفعلها عن طيب خاطر وتفهم منه بل ربما خضوعه كان يقنِّع وراءه دوافعا شخصية ..!
المطلوب أن يعامل كلاهما آخره بإنسانية مطلقة على دعائم التكامل لا كمنافس لابد من قهره ، فلكل منهما أحلامه التي يسعى لتحقيقها ولكل منهما أحاسيسه وطموحه وأهدافه في الحياة ، والكف عن الضغط الوعظي الذي يتقاذفه كل طرف على الآخر بطريقة همجية ..
المجتمع ليس بحاجة إلى تحرير لا المرأة ولا الرجل ، قبل تحرير ذينك الجنسين يجب تحرير الأفكار المتعفنة المتكئة على ترسبات ديناصورية التي تجتر تعاليمها كشيء مقدس لا يمكن الحياة من دونها ، بل تحتاج لضخ الحب والاحترام بينهما في مجتمعات بلا عافية ؛ لأننا لا نعرف كيف نحب كما عبر الشاعر نزار قباني ، تنقصها الرحمة والرأفة بل ليس لديها ما يكفي من الدين ليجعلهم على وفاق مع بعضهم البعض ..
و المطالبة بالكف عن ترميم القيم الاجتماعية المحنّطة ، إن التلميع يعلو كل شيء سوى المشاعر الإنسانية يتفشى فيها الصدأ يوما بعد آخر ، و ترقيع منطاد الثقة التي انفقأت فتخبطت في فوضى السقوط نحن نعيش في مجتمع مطارد بالشك بامتياز ، أشرك بغرسه في تربة عقولنا كلا الجنسين بلا تبرئة أي منهما ، فالأم على سبيل المثال في بريطانيا تقول لابنتها التي تسير في الشارع : " انتبهي وأنت تسيرين في الشارع ، فأنت لا تعرفين من هو الرجل الذي ستقابلينه عند المنعطف فقد يكون ذلك الرجل هو فارس الأحلام " .. والأم في خليجها إلى محيطها تقول لابنتها التي تسير في الشارع : " احذري وأنت تسيرين في الشارع ، فأنت لا تعرفين الرجل الذي ستقابلينه عند المنعطف فقد يكون دنيئا وقد يخطفك ويغتصبك..! " ..
وكل جيل يترعرع على الاستفهامات نفسها : لماذا الرجل مطارد بسوء الظن دائما ..؟ هل حقا هو كائن متوحش ..؟ ولكن ماذا عن آبائنا وأخوتنا وكل رجل قريب لنا أو تعاطينا معه ..؟ وهل حقا المرأة مصلوبة أبدا على سجية السقوط في مستنقع الرذيلة بسهولة ..؟
هذا ما يدعى بسياسية التعميم المرضي التي ماتزال مترأسة بجدارة في برمجة عقول الشرقيين ، فيتفاقم من جيل إلى جيل بالتوارث دون أن نحرك ساكنين ..
ثمة " خوف " فالرجل الذي يكون كالخاتم في يد المرأة ، لا يكون كذلك إلا بدافع خوف ، والمرأة التي تكون جارية في يد الرجل لا تكون إلا بغريزة الخوف الذكوري المتسلط عليها كذلك ، و ثمة " جهل " ومعظم الذين تتصف أدمغتهم بالجهل هم طبقة المتعلمين للأسف ، الأُميّ أكثر مرونة في التقبل و التعاطي مع الحياة من المتعلم حامل درجة دكتوراه ، فالأول ينطلق من بساطته والأخير من دكتاتورية الأنا .. !
إنها أنفاس حق لدعم المجتمع الأسري على قواعد الثقة وأسس الحب ، بعد نبذ التورية الاجتماعية وردم الأفكار الجاهزة التي يرتوي عليها الأجيال بالتناوب فالكل يلج من الدهليز نفسه ويتوه فيه دون الجرأة بإسدال القناع عن حقيقة قذارتها ، من أجل بناء جيل جديد له رؤاه وحريته ، والتحرر هنا لا يعني تحررنا من أخلاقنا وثيابنا وعاداتنا والمثل الاجتماعية الأصيلة ، بل التحرر هنا مصلوب على الآلية في ممارسة قوانين اجتماعية متوارثة تخلو من أي معنى انساني ، تحرر العقول المحشوة بالأفكار السلبية التي ليس منها غرض سوى أنها تعلن تعبدها للأزلام الجاهلية التي عفى عليها الدهر والتي ما تزال تؤدي فروض طاعتها بصورة ساذجة تتكشف عن هشاشة أصحابها وتناقضاتهم ، لنعبّد ذاك الدهليز وليكن الطريق أمامنا فسيحا باستقامة كالصراط المستقيم ..

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق