الثلاثاء، 18 يونيو، 2013

الدلو المشقوق ..!


 
 
الدلو المشقوق ..!

 

الرؤية / العرب

 

الحكايات الهندية غنية بالفكر والحكمة التي تزرع في روح الإنسان جمال الحياة ولغزها ، وقد انتقيت لهذه المقالة قصة " الدلو المشقوق " حيث تحكي الأسطورة الهندية عن رجل اعتاد حمل الماء كل يوم إلى قريته مستخدما دلوين كبيرين مربوطين بطرفي عصي كان يحملها على كتفه ، وكان أحد هذين الدلوين أقدم من الآخر ومليئا بالشقوق الصغيرة ، وفي كل مرة كان الرجل يشق طريقه عائدا إلى داره كان نصف الماء يذهب هدرا ، وعلى امتداد عامين قام الرجل بهذه الرحلة نفسها ، وكان الدلو الأحدث على الدوام معتزا بالطريقة التي ينجز بها عمله ومتأكدا أنه على قدر المهمة التي خلق من أجلها ، بينما الدلو الآخر غلبه شعور بالخجل ؛ لأنه لا يستطيع إلا أن ينجز نصف مهمته وذلك على الرغم من أنه يعرف أن الشقوق كانت نتيجة لسنوات طويلة من العمل ..

كان الدلو القديم يحس بالخجل البالغ إلى حد أنه ذات يوم وفيما كان الرجل يتأهب لملئه بالماء الذي استمده من البئر ، عزم أن يصّرح ما بي نفسه فقال بصوت حزين تعلوه نبرة خجل : " أود أن اعتذر لأنه بسبب تقدمي في السن فإنك لا تفلح إلا في نقل نصف الماء الذي تملأني به في الدار وهكذا فإنك لا تروي إلا نصف العطش الذي ينتظرك هناك ..!"

ابتسم الرجل وقال له : " عندما نعود احرص أن تلقي نظرة فاحصة على الطريق " فعل الدلو ما طلبه منه ولاحظ أن عدد من الأزهار والنباتات تنمو على امتداد جانب واحد من الطريق .. قال الرجل : " هل ترى كيف أن الطبيعة على جانبك من الطريق أجمل بكثير ، إني أعرف أن لديك شقوقا ولكنني قررت الاستفادة منها فزرعت بذور الخضروات والأزهار هناك وأنت ترويها على الدوام وقد قطفت دزينة من الورود كي أزين بها داري وحصل الأولاد على البصل والخس والملفوف ليتناولوها في غذائهم ، ولو أنك لم تكن ما أنت عليه لما كان بوسعي أبدا أن أفعل هذا ، إننا جميعا عند منعطف ما نوغل في العمر ونتسم بسمات أخرى وهذه السمات يمكن أن تتحول إلى الدوام إلى ميزة جيدة " ..

" الدلو المشقوق " هي حكاية كل إنسان امتدت به السنوات ووجد أن وجوده قد أصبح عبئا على من حوله ، وهي حالة يعاني منها غالبا الكبار في السن ولا يدركون أن وجودهم بحد ذاته خبرة مجانية يمكن أن يستفيد منها جيل الشباب ، لكن العلة أحيانا في البشر الذين يحيطون بهم ويعملون على غرس الإحباط في قلوبهم عوضا عن إشعارهم بأهميتهم وإدلاء الامتنان لما قدموه طوال أعوام كفاحهم في الحياة حتى أخرجوا جيلا من لدن تجاربهم وخبراتهم ومشوار حياتهم المحفوف بالمشاق ..

" الدلو المشقوق " لا يوجد إنسان على ظهر البسيطة لا أهمية له ولا نفع طالما أنه مؤمن في أعماقه أنه قادر على العطاء رغم عجزه الصحي أو تقدمه الكبير في العمر ، ومما اذكره مسنا يابانيا قد فاق عمره أربعة وتسعون عاما لكنه نبذ التقاعد وحبّذ أن يكون خبرة لجيل الشباب من الأطباء .. كان كبيرا محدودب الظهر ويغطي وجهه عوينات كبيرة إلا أنه كان متوقد الطاقة كشاب عشريني ، إنها الرغبة في الإنتاج .. الرغبة في أن يكون عضوا فاعلا حتى آخر قطرة من روح الحياة في قلبه ، وهذا ما يمارسه معظم المتقاعدين من كبار السن حول العالم حيث إنهم يتطوعون العمل لهيئات معينة لمنح خبراتهم ، ومنهم من يتخذ السفر وسيلة ليجدد روح الحياة في عظامه وليستكشف وجه العالم من منعطفات مختلفة ..

" الدلو المشقوق " يجب ودائما أن نشعر بالامتنان وبأهمية من حولنا من بشر ولا ننس قط أن لولا هؤلاء لما بلغنا هذا الحيز من الوجود ، يجب أن نعي دائما أن في كل إنسان وفي كل مصيبة وفي كل عطب ثمة جانبين .. جانب مضيء وجانب مظلم ، والحاذق وحده يعرف جيدا كيف يشعل حماسة الجانب المضيء ممن حوله من أشخاص ..

 

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق