الخميس، 13 يونيو، 2013

الساندويتش الملفوف ..!


 
الساندويتش الملفوف ..!

 

نشر في الصفحة الأخيرة من مجلة الإعلام والعصر العدد 25 ..

 

لعلنا مدينون لشهوة فضول البكر التي تلتهب في حواسنا إلى حد إخضاعنا لرفع حجر مفخخ بثعبان مسموم أو أم أربع وأربعين متربصة بمن يجس طرفها كي تتحرش به كوليمة شرهة ، لكنه الفضول ومن يجسر على عصيانه ..؟!

الفضول هو ما أثار فكرة الجريدة ببال الصغيرة  وقلبَّ مزاجها في وميض لغز غامض : ما هذا الشيء الملفوف الذي تراه في كل صباح باكر عند الأبواب الناعسة وهي في طريقها إلى المدرسة ..؟ وقبض وحش التساؤلات على عقلها : هل هي قطعة ساندويتش يلتهمونه مع وجباتهم الصباحية ..؟ حفزها فضول أناني : إذا كان كذلك فأنا أريد واحدة .. أرغب في تذوقها .. لابد وأنها لذيذة ولهذا يحرص الجميع في الحصول على واحدة منها في كل صباح..؟

ماكر هو شبق الفضول ..!

الفضول نفسه الذي جعلها تستبق وقت استيقاظها المدرسي وتلهث خارجة بينما صوت أمها خلفها يجلدها : " والفطور يا بنية ..! " سابقت الريح حتى تقابل الهندي الذي سبق وصادفته مرات وهو يضع هذا الطعام الملفوف في صناديق صغيرة عند كل باب عدا باب بيتها ..!

وفي تلك الصبيحة حين لمحت الهندي الذي كان يحمل رزمة من السندويتشات الملفوفة دنت منه مندفعة والفرح الذي أشرق محياها وقتئذ حجب عنها الخجل المعتاد عند مخاطبة غريب عابر وهو تقول بدفعة واحدة متقطعة الأنفاس : أريد سندويتشه ملفوفة ..؟

رد عليها الهندي بعربية مكسرة كانت قد اعتادتها : " أنا ما في معلوم وين في بيع سندويتش ؟"

بسطت كفها اليمنى المقبوضة وهي تريه بنزق : انظر جيدا .. معي ثمنها .. انظر عندي دراهم ..!

وحين تأكدت أن الرجل الأسمر النحيل الواقف أمامها لم يفقه لغتها ، اقتربت من رزمته وانتشلت واحدة وهي تفهمّه  : هذا .. أريد هذا .. أنا جائعة وأريد أن آكل حصتي من الطعام .. خذ كل ما لدي من دراهم ..!

أخذت الشيء الملفوف وعقصتها تضرب ظهرها ، بسطت اللفافة على مصطبة الانتظار حيث تقتعد في كل صباح لموعد الحافلة ولكن اللفافة كانت فارغة .. كانت مجرد أوراق .. أحبطتها رؤية هذا الفراغ وبطنها يحرر عصافير الجوع ..! في اللحظة نفسها تفاجأت بصديقتها تحدق فيها بحيرة وعتاب في آن : " لماذا لم تمري علي .. كنت انتظرك عند باب البيت ..؟ " ولكن بوق الحافلة المنتظرة قطع حبل الحوار قبل أن يطول ..!

لم تكف محاولاتها في الحصول على لفافة لذيذة ولو لمرة واحدة تحوي في جوفها الساندويتش الذي تحلم بتذوقه ، فظلت في كل صباح بمصروفها الخاص تشتري اللفافة وتلتهم صورها المزدحمة ..!

ذاك الفضول كبر مع الأيام ، وفي يوم حين شاهدت من الحافلة المدرسية وعند الإشارة الضوئية هنديا يحمل الرزم إياها ، رجت سائق الحافلة أن يسمح لها بشراء واحدة ، لعل الحظ يسعفها هذه المرة وعند الإشارة الضوئية الحمراء حيث ربضت الحافلة في زحام الشارع ، دنت هي ورفيقاتها عند نوافذ العلبة الصفراء يهتفن بنفس واحد على الهندي المتعرق الذي بهت لوهلة قبل أن يفهم ويناولها اللفافة التي لم تكن ملفوفة وقتئذ بعد أن قبض ثمنها ..! ومشت بعدها الحافلة والسائق يصيح بها : عند انتهائك من قراءتها هاتها لي يا صغيرة  ..!

وحين تفرجن جميعهن على الصور أومأت إلى إحداهن ثم أخرى وفهمن مبتغاها .. كان منظر الأوراق وهي تطير عبر النوافذ أشبه بنوارس محلقة في كبد السماء .. حرة .. خفيفة كغيمة ..!

وعند نزولنا من الحافلة استفهم السائق عن اللفافة ، فأجبّنه بصوت واحد وضاحك : لقد طارت مع الهواء ..!

ووحدي التي لم تضحك وشعرت بأني طرت معها وأنني سأحصل على اللفافة المحشوة بالساندويتش يوما ما ..!

بعد أعوام حين استطالت قامتها وفكرها ضحكت من قلبها على شقاوة فضول شبق وهي ترى صورها متصدرة بعض صفحاتها وشيء من حكاياتها ..!

 

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق