الأحد، 17 فبراير، 2013

العالم مقلوبا يسخر من العالم ..!


 
 
العالم مقلوبا يسخر من العالم ..!

 

نشر في الرؤية / العرب / البلد

 

اتذكر حين كنت تلميذة صغيرة خصصت لنا هيئة إدارة المدرسة أسبوعا أطلقت عليه " الحكم الذاتي " .. وفي هذا الأسبوع كنا نتولى فيه نحن - التلميذات - حكم أنفسنا وإدارة المدرسة بأكملها ، وذلك عبر توزيع الأدوار فيما بيننا بالانتخاب ، فهناك من تترأس مهام مديرة المدرسة وتجلس خلف مقعدها وإلى جانبها نائبتها و الوكيلة وحولهم بقية هيئة إدارة المدرسة ..

أسبوع " الحكم الذاتي " كان حافلا بالحرية وعظم المسؤولية في آن .. جعلنا ندرك أهمية المسؤولية والالتزام و ما يبذله مجتمع المدرسي من جهود جبارة لتأهلينا ولتوفير سبل النظام لتمهيد مستقبلنا ، والأهم من كل ذلك أنه غرس في أنفسنا الإحساس بأهمية القوانين في حياتنا وأهمية تطبيقها ليسود النظام والأمان ..

وصادفت عبر قراءتي لكتاب " مرايا ما يشبه تاريخا للعالم " لكاتبه المدهش " إدواردوا غاليانو " حديثا حول الفكرة عينها ، حيث ذهب إلى أن الرومان كانت تخصص يوما في تاريخها لشيء شبيه بالحكم الذاتي ولكن لجنس النساء فقط ؛ وهذا أمر طبيعي فالمجتمع اليوناني كان معروفا بأنه مجتمع أبوي حتى النخاع ، وانطلاقا من هذا عزم الرومان على تمكين النساء المقموعات على مدار العام بيوم من السلطة المطلقة يرتضي فيه الرجال أن يُؤمروا على يد الجنس الناعم المغبون حقه وقد أطلق على هذا اليوم بـــ " عيد ماترونال " ..

وكان هذا العيد سائدا أيضا عند البابليين في عصور عتيقة أيام " ساتورن " وكان يسمى بأعياد " ساس " حيث يخصص أسبوع كامل يقلب فيه العالم رأسا على عقب للتنفيس وللتغيير ولتشعر الفئات المنسية في المجتمع  بوجودها .. إنه قلب للمراتب بالوصف الأدق ؛ ففي هذا الأسبوع يقوم الأغنياء بخدمة الفقراء الذين يقتحمون بيوتهم ، ويرتدون ثيابهم ، ويأكلون على موائدهم ، وينامون في فراشهم ..

أيام " ساتورن " هي تكريم لإله الازدهار " ساتورنو " ينهي يوم 25 كانون الأول وهو يوم مرتبط بـــــــ" الشمس التي لا تهزم " وهو اليوم نفسه الذي استحال بعد قرون إلى عيد الميلاد بقرار كاثوليكي ..

خلال العصور الوسطى الأوروبية كان يوم " القديسين الأبرياء " يمنح السلطة للأطفال والمجانين والمعتوهين ، ففي إنكلترا كان يحكم لورد إساءة الحكم أي سيد اللاحكم ، وفي إسبانيا يتنافس على التاج ملك الديوك وملك الخنازير اللذان يعيشان في مستشفى المجانين ، ويؤدي طفل مزين بتاج أسقفي وعصا أسقفية دور بابا المجانين ويجعل الناس يقبّلون خاتمه بينما طفل آخر يمتطي حمارا يلقي مواعظ مطران ..!

إنها فكرة لطيفة ومهمة في آن أن يحكم لفيف من البشر المعدمين أو الهامشين أو أفراد من المجتمع أولئك المسحوقين ، جدير بهؤلاء أن يحكموا ولو لمرة واحدة في حياتهم ، هذه التجربة ستكون مثيرة وذا أهمية كبيرة ، فحين يشترك هؤلاء أو فئات عامة من المجتمع لتولي مسؤوليات مهمة في الدولة كفيل أن يلغي الفوارق التي يستشعر بها هذه الفئات المهمشة غالبا ، وكفيل أن يدركوا أهمية منظومة القوانين وتطبيقها في مجتمعهم ، بل يخلق نوعا من الالتزام بينهم والمسؤولين كما ستتفاعل صلات التقدير المتبادل ..

فعلى سبيل الاقتراح كم سيبدو بديعا إذا ما تولى طفل في الأسرة مسؤولية البيت لأسبوع واحد يلمس من خلال هذا الحدث الدور الكبير الذي يبذله الوالدين من أجل الاهتمام به ، وعلى صعيد المدرسة فإن إسناد مسؤولية إدارة المدرسة على عاتق بعض التلاميذ لأسبوع كامل من شأنه أن يخلق تفاعلا حميميا وعظيما في مجتمع هيئة التدريس وهو بحد ذاته تأهيل لهم لتحمل مسؤولية عالم أكبر حين يتخرجون من عالمهم الصغير المدرسة ..

و على صعيد مهام رئاسة الدولة فإنه سيبدو أمرا في غاية النبل والمواطنة حين يتم تفعيل مشاركة الشعب في حكم بلدهم لأسبوع واحد ، ويكون ذلك ضمن خطة منظّمة بحيث يخصص من كل عام تاريخا معينا تقوم فيها الهيئة الاستشارية في الحكومة باختيار مؤسسة من إحدى مؤسسات الدولة وذلك ضمن شروط معينة ولعل من أهمها أن يُعرف عنها الإخلاص في العمل والمسؤولية ودورها في التنمية تؤهلها لتولي مهام حكم إدارة البلد لمدة أسبوع ، وفي كل عام من التاريخ المتفق عليه تقوم تلك الهيئة بانتخاب المؤسسة الجديرة تبعا لشروط التأهيل التي سبق وذكرها  ..

اقتراحات ما من شك حين يتم تفعيلها على أرض الواقع ستعمل على خلق مجتمع مسؤول وواع يشاطر فيه جميع فئاته من صغار وكبار ورجال ونساء في منظومة بناء الوطن بدءا من الأسرة انتهاء إلى إدارة دولة ..

وكما هي كل احتفالات العالم المقلوب هنالك لفسحات الحرية العابرة هذه بداية ونهاية ، وهي تدوم قليلا فحيث يأمر قبطان لا يأمر بحار ..!

 

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق