الاثنين، 15 أكتوبر 2012

دولة دكتور جيكل ومستر هايد ..!



 
دولة دكتور جيكل ومستر هايد ..!

 

نشر في جريدتي : الرؤية / العرب اللندنية

 

مشكلة كبرى في أمة تنّتقد بشّدة وما تنّتقده تقلّده بشّدة ..!

مشكلة كبرى في أمة تشّن هجومها على الناجح وتصفق للمتخاذل ؛ فالأول لا ينال إعجابهم لأنه يذكرهم بمدى خذلانهم .. أما الثاني فيواسونه لتماثل الحال ..!

مشكلة كبرى في أمة تنسى عيوبها المتراكمة والمتعاظمة وتعيب غيرها في هفوة خطأ مطبعي ..!

مشكلة كبرى في أمة تبقى على جهلها ومن ثم إن برز أحدهم مجتهداً بغضوه وحقدوا عليه وسخروا من اجتهاده ..!

مشكلة كبرى في أمة تقلّد كالإمعة كل ما هبّ ودب .. وإذا ما خالف أحدهم قانون التقليد الأعمى اسقطوه واعتبروه مختلفاً وشاذاً ومريضاً نفسياً ..!

مشكلة كبرى في أمة تهتم بكل ما هو وضيع وساقط وتافه وتطارد كالمسعور بكل من يأتي بإبداع ورقي وتميز وتعدّه مسيساً بأفكار شيطانية ..!

مشكلة كبرى في أمة لا تعترف بأخطائها ولا تعايش واقعها .. بل تبني حولها سوراً من الأوهام ومن يقوم بإيقاضها تعدّه خائناً وخائب النيّات ومحرّض ..!

في مجتمعاتنا العربية إذا ما ألقينا نظرة شاملة بانورامية سوف نجس نوعا من التناقض الفاغر ، أقرب ما يكون إلى إزدواجية ومبعث هذا طبيعتين يتصف بهما الإنسان العربي ؛ فهو أولا كان شخصا بدويا من عصور جاهلية ومن ثم أصبح إنسانا مسلما ترك عبادة الأوثان إلى عبادة رب واحد لا شريك له ؛ وهذه العبادة الربانية فرضت عليه فروضا كي تتحقق إسلاميته .. ومن هنا أصبح لدينا خليطين .. خليط عربي بدوّي وخليط عربي إسلامي في كائن واحد ..

ولعل موقف المسلمين الأخير من الفيلم المسيء للنبي محمد – صلى الله عليه وسلم – يبرز بوضوح هذين الطبيعتين ويكاشف أكثر الطبع البدوي الميال إلى العنف والقوة ..!

وثمة تناقض هائل ما بين قيم الإسلام وقيم البداوة من حيث طبيعتهما ، وهذا التناقض لم يظهر في عهد النبي وفي عهد أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب ؛ لأن الكفاح المتواصل ضد الأجانب وحّد الهدف وأشغل النفوس بمآثر الغزو والفتح وتأسيس دولة ..

يمككنا القول بأن النبي محمد – عليه الصلاة والسلام – قد وحّد القبائل العربية المتناحرة لأول مرة في التاريخ وقذف بهم إلى حرب الروم والفرس ؛ فقد كان البدو قبل النبي محمد يحارب بعضهم بعضا أما بعده فقد أخذوا يحاربون عدوا مشتركا ..

ولعل البداوة برزت أكثر في عهد عثمان بن عفان وهذا من سوء حظه ؛ حيث وقف الفتح فعاد البدوي إلى طبيعته إلى النزاع فيما بينهم فلو كان الفتح متواصلا حتى عهد عثمان بن عفان لما واجه المسلمون الإنتفاضة الكبرى التي هزت أركان المجتمع الإسلامي بأكمله ..!

ويحكى أن في أثناء تلك الأزمة شاور عثمان بن عفان بعض أصحابه لقمع الفتنة قبل اشتدادها ؛ فأشار عليه " عبدالله بن عامر " أحد ولاته على الأمصار أن يشغلهم بالجهاد وأن يجهزهم للمغازي حتى يذلوا ويدلقوا الولاء فلا يكون همّ أحدهم إلا نفسه ..!

وفي عهد " عثمان بن عفان " بدأت أول بادرة فجوة بين الحاكم والمحكوم ..! فجاء اقتراح الجهاد والغزو في محله ، فالطبيعة البدوية هي طبيعة حرب .. البدوي لا يفهم من دنياه غير التفاخر بالقوة والشجاعة والغلبة وهذه تؤدي عادة إلى حب التعالي والرئاسة والكبرياء والتفاخر وهلم جرا ..

واشتهر البدوي بأنه ميال إلى النزاع ، وكان يقال قديما أن البدوي إن لم يجد من ينازعه مال إلى نزاع الأقربين فيشتبك مع ابن عمه أو أخيه ..! وقد أورد الشاعر " القطامي " وهو شاعر جاهلي ذلك في قصيدة معروفة تقول بعض أبياتها :

فمـــن تكن الحضـــارة أعجبته *** فـأي رجـــال بادية ترانا

ومن ربط الجحاش فإن فينا *** قنا سلبا وأفراسا حسانا

وقد فسّر البروفيسور " فيليب " نزعة القتال عند البدو فقال عنها : " إن نزعة القتال أصبحت عند البدو حالة عقلية مزمنة فحياة الصحراء في رأيه على حافة المجاعة دائما .. والقتال بمثابة صمام أمان يمنع السكان من التكاثر ولهذا أصبح الانتقام وطلب الثأر أقوى نظام ديني واجتماعي في مجتمع البداوة .." .

كل ما سبق من طبيعة الإنسان البدوي في مجتمعاتنا العربية تناولها د. علي الوردي في كتابه " وعاّظ السلاطين " وقد فصّل رؤاه حول ذلك بشكل شامل وبين بشكل ملفت بأن هذه الإزدواجية التي أقرب ما تكون إلى انفصام في شخصية الإنسان يكون حين تتعارض قيم البداوة مع قيم الإسلام ؛ فكما وضحنا آنفا أن قيم البداوة ترتكز على سلوكيات وصفات أقرب ما تكون ذات صلة بالمفاخرة والمكابرة وهذه القيم تخالف الإسلام ؛ فالإسلام دين قائم على سلوكيات طيبة ويدعو بإستمرار إلى التواضع واللطف والتقوى والعدل والمساواة بين الناس ، بينما البدوي لا يستطيع أن يكون مسالما حقا إلا في بعض الأحيان وذلك حين يكون المجتمع الإسلامي في حرب مع أعدائه ..!

هذه الإزدواجية في المجتمع فرضت وجود سلطة متناقضة في الوقت نفسه ؛ ففي مجتمع تكون فيه القلوب بدوية بينما تكون الألسنة إسلامية لابد وأن يخلق عالما إزدواجية بشكل كبير ..!

والحكام عادة يمثلون في سلوكهم النمط الواقعي الذي يسير عليه الناس في حياتهم العملية .. ينطبق عليهم قول الرسول –عليه الصلاة والسلام - : " كيفما تكونوا يولى عليكم " ..

ولهذا لا نبالغ إذا قلنا بأن معظم طغاة العالم هم صناعة شعوبهم .. تلك الشعوب الصامتة .. الخائفة .. الشعوب التي اختارت الخضوع والإنصياع .. الشعوب المخدوعة في دوامة الأوهام .. الشعوب التي تنشغل بمصالحها الشخصية حين يصرخ الثائر بالحرية والكرامة وحيدا في شارع الظلم والطغيان ..!

اعتقد أن ثورات الربيع العربي شقلبت الأمور والقواعد والقوانين التي فرضها الطغاة طوال قرون الإستبداد و الظلم وتآكل الحقوق والحريات ؛ وعبرها عرفت الشعوب أنها لا يمكن أن تنعم بحياة كريمة وعادلة وحرة دون أن يكونوا هم أصحاب الفعل والمبدأ والإنطلاق .. وانتفاضات الشوارع وهتافات الحشود كانت خير دليل على ذلك ..!

رفعة الأوطان وتطورها ورقيها نحو مستقبل أفضل وفاعل وغني بالإنجازات بيد شعوب لا يخالف طبعها البدوي طابعها الإسلامي؛ يكونان أشبه بقالب واحد ممزوج بالأخلاق الحميدة والسلوكيات الرفيعة ؛ فلا يفصم الأوطان ويشتت مستقبلها سوى إزدواجيات بشر يخالف ظاهرها باطنها .. خائني الضمير والوجدان ..!

 

 

ليلى البلوشي

هناك تعليقان (2):

  1. مساء الخير ...
    كنت أبحث عن قصة الدكتور جيكل ومستر هايد ومررت على مدونتك الجميلة ولقد تصفحتها سريعاً وأعجبني جداً محتواها المتنوع الذي يدل على مدى إطلاعكِ وثقافتكِ ..
    لا حرمنا أمثالكِ ولي عودة من بعد إذنكِ سيدتي .

    ردحذف