السبت، 24 مارس، 2012

فصول في نساء " إشراقة " ..



فصول في نساء " إشراقه" ..


جريدة الرؤية العمانية

" تناهى إلى عيوني دمع البنات ، نساء في أعمار مختلفة التقيتهن أثناء يومي العملي ، هل حدث أن أخذت قلبك كل يوم في يدك ، انتزعتيه ومت لثواني ثم عدت بعد أن رأيت نور الله.؟! "
عبارة اختزلتها الشاعرة والكاتبة السودانية المقيمة في فيينا الدكتورة " إشراقه مصطفى حامد" العضوة فاعلة في منظمة الاتجار بالبشر ॥ هذه الإنسانة المنطلقة في خدمة البشرية في كل مكان يمكن اختصارها بــــــ امرأة في مجموع إنسان ، في جوفها ملايين الحكايات معجونة بوجع الحياة ولذتها ، فهي جنّدت روحها الإنساني المؤتلق للمرأة من وجوه عدة وتبنت مشروعا حياتيا مهما بدأته وما يزال الدرب يفيض لها بوجع مفرط ..
فتجارة " الاتجار بالبشر " أو كما تسميها الدكتورة " إشراقة "مافيا الجسد " هو درب يفضي إلى أوجاع مريرة وحقائق تدمي القلب وتغرس دبوسا حادا في ضمير الإنسانية عن ملايين من النساء معرضات وبشكل يكاد يكون يوميا لشتى أنواع العنف والاستعباد والاستغلال والتشييء كيفما يحلو ويلتّذ لأصحاب المتاجرات في سمسرة أجساد النساء ..!
تعرض هذه المقالة حقائق تصفها لنا الدكتورة " إشراقة " المختصة في شؤون الاتجار بالبشر وتسرد فيه بعض من معاناة تلكم النسوة اللاتي تعرضن للعنف الجسدي والنفسي تصف فعلها اليومي في حضرة العنف المستبد : " بؤس العالم الذي ظل يملؤني عقب كل مواجهة مع حالة تقتلني ألف مرة وتبعث فيني الحياة مليون مرة وتوبخني وكأنني المسيح المنتظر لانعتاقها لم أرى في حياتي نساء في مثل قوتهن واستعدادهن للتغلب على كل المرارات التي تعرضن لها " ..
ثلاث بنات على بحر من دموع وبقايا أغنيات ؛ كما تصفهن الدكتورة " إشراقه " وتسرد حكاية الدمعة الأولى تدعى " مانجوت " كانت تغني وهي منكفئة على سرير وبقية جسدها على الأرض ، يشترك تقاطيعها وصوتها مع ذات الحزن ، كانت تصلي وتتلو بلغتها الأم أغنيات فاتحة كل أبواب الظلم وقسوة الزمان ثم تصاعد هذا الغناء إلى بكاء يغرق الغرفة التي شهدت ما شهدت من أحزان هذه الفتاة التي وجدت نفسها في وضع لا يحسد عليه فقد أخبرتها " الكوين " المسؤولة ولاسمها هذا مغزى فهي ملكة في اضطهاد بنات جنسها ، أخبرتها أن تعد نفسها ، أن تمسح دهانا لامعا على شفتيها
المتشققات نتاج فقر وعليها أن تتقن أفعال يحبها الرجال في هذه البلاد ، لكن حينما أبت " مانجوت " مطالبها ومقاصدها كانت اللغة الوحيدة المتداولة في تلك العوالم هي لغة الضرب المبرح والتلويح بحديدة صدئة تسلخ جلدها إن لم تذهب إلى شارع الاستعراض ولائم يتحاباها رجال مخمورين ومحبطين يبحثون عن لذة مؤقتة وتلك الصورة النمطية عن المرأة الإفريقية ، تصف الدكتورة وضعها الوجودي ثم تسرد تراتيلها النفسية عليها علّها تجد بقايا روح : "كانت أول الضحايا التي علي رعايتها ، والخروج بها إلى بر الأمان ، قدمت لها قبلهذه الفاجعة إرشادات فيما يخص وضعها القانوني ، إقامتها ، دورات اللغة وأحلامها أن تصبح ممرضة "
كل مفردات الفجيعة تتعنف في روح " مانجوت " ففي شجن الذاكرة تسترجع صور عدة هناك في الخرطوم خوفها الأعظم من ذلك القسيس البلدي الذي أقسمت أمامه على قدح عليه ماء ساخن وسكين حادة أن لم تعد مبلغ رحلتها إلى أوروبا وتطيع سيدتها في كل صغيرة وكبيرة فلها أن تهيئ نفسها لسكين يلاحقها أينما كانت ..
وبعد أن قامت الدكتورة " إشراقه " مع شابة أوروبية تعمل كشرطية في قسم مكافحة جرائم الاتجار بالبشر بالقيام بالإجراءات اللازمة واحتضان " مانجوت " ووضعها في أيد أمينة ؛ ولكن لا فكاك لها فقد هددت باغتيال أمها وأخوتها إن صرحت للسلطات بكلمه فغابت عن الوعي ..
كما لا فكاك للدكتورة وفريقها الإنساني فبعد الانتهاء من مأساة " مانجوت " استلمتها مأساة أخرى حيث اتصل بها الضابط المسؤول في مكافحة الاتجار بالبشر من مدينة أخرى وكان عليها أن تذهب وتشهد انهيار أحلام " انديرا " تحت أقدام الشيوعية في روسيا القديمة ونتاجها كان ملايين نساء اللائي تعرضن لمافيا الاتجار ..
" خرجت وتركت الشارع يئن تحت وقع أقدامي ، مشيت كثيرا ॥ كنت منهكة وبي تدي بأني سأبقى في هذه الوظيفة وسأبقى فهناك بنات أفريقيات ، آسيويات ، وشرق أوروبيات وعربيات يحتاجنني ضمن فريق المؤسسة التي تعمل في هذا المجال من خمسة وعشرين عاما دون كلل أو ملل وبأفق سياسي يتناول صراع الشمال مع الجنوب .."
وتمضي الحكايات النازفة التي توجع صميم القلب فها هي أنثى أخرى تدعى " إنجيلا" و تسرد مأساتها الدكتورة " إشراقة " في معزوفة حزينة ॥ هي تلك التي تتحدث السواحلية وفي عينيها تبرق أحلام تكسرت ذات رحلة طويلة من صحراء إلى
بحر إلى ايطاليا إلى شاحبة الوجه ॥ دامعة العينين قالت إنها حامل .. ذات 19 ربيعا الذي غدا مع الحبل غير الشرعي خريفا شاحبا ॥ " انجيلا " الطفلة ولا تريد الاحتفاظ بثمرة تكبر فتغدو حالها كحالتها إن لم تكن أسوأ ، كان عليها أن تجد
وسيلة للإجهاض أو تقوم بوضع الطفل في أقرب مستشفى ولمن لا يريد الاحتفاظ بالطفل فما عليها سوى الضغط على زر كهربائي وسيخرج لها سرير للوليد معّد بكل ما يلزم عليها أن تضعه وتذهب في حال سبيلها وتقوم الدولة برعايته إلى أن يعرف دربه ويعتمد على ذاته ॥ فأجهضت بسهولة وبعد يومين اقتيدت وهي منهارة إلى مشفى الأمراض النفسية والجوع كان يمزق أحشاءها بمعدتها لم تستسغ الطعام الأوروبي وكانت ترجو في الحصول على وجبة عصيدة الأفريقية ..!
ثمة صراع يتآكل في قاع الدكتورة إشراقة ما بين وظيفتها وما بين إنسانيتها تجاه أولئك النسوة المقهورات وهو صراع يمتد إلى أعمق جوف في الحنايا فتقر بذلك : " صور البنات الضحايا تلاحقني في صحوي ونومي ॥ في المكتب ، في المطبخ ، في الحضانة ، في المدرسة ، في الشارع ، في العمل العام ، في السياسة وصوتي يعلو ॥ صوت لأجل مهاجرات ومهاجرين .."
إنها ليست واحدة أو اثنان أو عشرة بل أكثر من تسعين امرأة عايشت الدكتورة " إشراقة " تاريخ صراعهن الفضفاض في حياة ضيقة ومظلمة أشبه بزجاجة متفحمة فرغ فتيلها॥ بعضهن تمرّس المهنة وغدت كـــ" كوين " التي امتهنت الوضع ووجدت في تنكيل بنات جنسها إطفاء لحريق الروح .. وبعضهن فنت أجسادهن من حرارة الروح مجرد "دمى " محشوات باليأس وقليل منهن من وجدت استقامتها بيد حانية انتشلتها من مستنقع مرعب وبفضل قلب مضمّخ بشرارة استحقاقهن لحياة كريمة كبشر أسوياء ..!
ويبدو أن صراع المرأة ممتد ما امتد تاريخ البشرية ، نساء ولدن من رحم المرارة والحنق والقهر خاصة في مجتمعات العوز والفاقة والمرض ॥ هل لأن جنسها أنثى فقط ..؟ تساؤل اطرحه وأنا اذكر عبارة قرأتها عن المرأة على لسان " ممدوح عدوان " حينما تحدث عن ورطة الإنسان الأعزل في كتابه " حيونة الإنسان " : " وثمة من قال إن السائر في الليل في شارع خال قد يحس يشعر بأن هناك خطوات تتبعه وأسباب هذا الخوف عديدة ، وهي مشتركة بين الرجال والنساء ولكن يضاف هذه الأسباب سببان متعلقان بالمرأة وحدها : الأول هو الخوف من خطر التعرض للاغتصاب والثاني لمجرد كونها امرأة
" ..!
وقريب من هذا دون شك ما أكده الكاتب الساخر " جلال عامر " – رحمه الله – : " مجتمع لا يهمه الجائع إلا إذا كان ناخبا ولا يهمه العاري إلا إذا كان امرأة " .. !
لكن د। " إشراقة " من أولئك النسوة اللاتي وقفن في الفجوة وهتفن بجسارة : أنا هنا أحاول أن أنقذ العالم ॥ نداء تبنّته بيقين عميق طوال تلكم السنوات الطويلة للحنايا المغتصبة والتائهة والمكسورة ..
نداء إنساني - ما من شك - يحرّض على ولادة الشمس في حقب الظلام يوما ما ..

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق