الاثنين، 21 نوفمبر، 2011

وجه " نائل البرغوثي " مبللا بالشمس يبتسم ..






وجه " نائل البرغوثي " مبللا بالشمس يبتسم ..







جريدة الرؤية العمانية ..







" نحن لسنا إلا جنود عائدين إلى قواعدنا " ؛ عبارة أطلقها بعفوية أقدم أسير عربي فلسطيني على وجه الأرض – حسب ما ذكرت موسوعة غينيس –" نائل البرغوثي " ؛ وقطعا لا تهمنا لغة الأرقام ولا موسوعة غينيس ؛ لأن حساباتنا تختلف عن حساباتهم ؛ فهم يهرعون خلف " أطول أو " أكبر " كأرقام ؛ القوة والعظمة ليستا في ضخامة الشيء وعرضه وطوله ؛ ففي موسكو تم بناء أكبر جرس عام 1733م ويقدر وزنه بحوالي مئتي ألف كيلوغرام ، لكن ذلك الجرس لم تصدر عنه حتى رنة واحدة ، فقد تكسر خلال صنعه بفعل الحرارة ، إن ذلك الجرس الضخم بقي مجرد عملاق كسيح وأخرس لكن الرشاقة وفصاحة الرنين كانتا من نصيب الأجراس الأصغر ؛ بينما نحن نلهث بلغة حساباتنا خلف كم مرة كان وجبة وحشية ، كم مرة طالع الشمس ، كم مرة نام بلا ضجيج السجان ، كم مرة استنشق هواء نقيا ، بل كم من يوم مر عليه بلا وجع في الروح أو عطب في الجسد ؛ ولا نهاية لتلك التساؤلات المتكتلة حيرى في أعطافنا ونحن أمام أسير قضى أربع وثلاثون عاما في زنزانة إسرائيلية ، وأشدد على لفظة إسرائيل بالتظليل وبالخط الأحمر ، فجلنا يعرف جيدا مواصفات زنازينهم ..؟!




" نائل البرغوثي " عميد أسرى الفلسطينيين والعرب ساقته الأقدار إلى السجون الإسرائيلية بتاريخ 4 / 4 / 1978م ، حين كان شابا يافعا في 19 من عمره ، وحتى هذه اللحظة في 55 من عمره أي نخرج بحصيلة 34 عاما ؛ فكم من زمن ما بين " قبل " و" بعد " وما أدراكم ما الزمن المسحوق ..؟! وضمن صفقة " وفاء للأحرار " سوف يشم لأول مرة هواء العالم خارج تلك العلب الضيقة التي اختزلت حاسة شمه طوال تلك السنوات المتعثرة من علبة إلى أخرى مصاحبا معه إرادته القوية وعزيمته السامقة وحبه اللامحدود للوطن ، مقتفيا آثاره – دون شك – قيود الذل الإسرائيلية وسلاسل التعذيب المستمر ..




وحينما يخطو لأول وهلة على أرض الحرية بعد الأسر ؛ فمن يا ترى ينتظره وأي وجه يتوق له هو ، وأكاد أتخيل قائمة منتظريه ؛ أمه غادرته في عام 2005م وقد سبقها والده عام 2002م ، وتلك الأم كانت تؤمن بخروجه مهما طال الزمن إنه قلب الأم ساعة ينبض بالأمل ، فتركت له نصيبه من مصاغها الذهبي لعروس بكرها " نائل " وأغنية في عنق نساء القرية كي ينشدنها له يوم فرحه ؛ لكن أعظم ما خلفته له الأم هو الوطن ، فأمه الوطن وأباه الوطن وأخوته الوطن ، زوجته الوطن وأبناؤه الوطن وأحفاده الوطن بل عمله ورفاقه وأحلامه ورصيده في هذه الحياة جلها ملتصقة بمفردة " الوطن " .. هذا هو " نائل البرغوثي " وبياناته الشخصية ، الذي حجز شابا ليعيدوه إلى وطنه رجلا خمسينيا ؛ أبهّة لا تليق سوى بوطن ، وهي المفردة الحقيقية والوحيدة التي عاشرها البرغوثي خلال ذلك الماضي السحيق حتى لحظة الإطلاق ؛ هؤلاء هم " الوطن " حقا .. هم من عرف جيدا قيمة الوطن والتضحية في سبيله ، أدركوا معاني الكرامة والحرية والمطالبة بحق الإنسانية والرفض الكلي والتام لأي خدش يعلو أرض الوطن ، فأمعنوا النظر إلى " نائل البرغوثي " إلى قلبه وعقله وحواسه ؛ فهي وحدها تختزل المعنى الكلي والشامل لحكايا الوطن ..




سوف يخرج ؛ فأي وجبات سوف يستسيغها ذوقه بعد وجبات الاعتداء الوحشي الصهيوني ؛ وفي فترة ما تعدى السجان الإسرائيلي على البرغوثي بالضرب المبرح ؛ لأنه احتج ورفض عمليات التفتيش العارية التي اعتدوا على القيام بها بين حين وحين ، فما كان منهم حين تناهى إليهم احتجاج نائل الرافض إلا أن اعتدوا عليه وجعا وتحطيما ووزجوّا به في سجن إنفرادي ؛ فصخب السجناء محتجين ووتفاعل غضبهم على ذاك الاعتداء فداسوا العلم الإسرائيلي بأقدامهم المكبلة ويومها قال نائل : " إن على إدارة السجون وإسرائيل أن تدرك جيدا أن القيود التي تكبل أيدينا لن تجعلنا نرفع راية الاستسلام سنبقى عند حسن ظن شعبنا الذي نستمد منه العزيمة والإصرار والكرامة وإن سلبونا الحرية فنحن أحرار رغم القيد .." .




" نائل البرغوثي " أسير بهذا الحجم و لا تطالع سيرته الشخصية كما كنت تطمع بسهولة من موسوعة ويكيبيديا التي لم تسقط من سيرها الفضفاضة " جلعاد شاليط " بوزنه الإسرائيلي ؛ رغم فارق مدة السجن خلف القضبان ما بين التي قضاها أسيرنا العربي و شاليط ..! وما هو سوى دليل آخر وما أكثر الأدلة على خذلان قادة العرب ؛ دليل كاشف يستشف عن حقيقة هؤلاء القادة الذين ما كان همهم سوى المناصب والكراسي وشغل شعوبهم بالتناحر والخلافات ؛ في حين إسرائيل تصنع المعجزات وتستدعي ما هو مستحيل ؛ كي تستعيد أسراها من السجون الفلسطينية ..!




وفي صفقة شاليط وقد تندر البعض على هذه المعادلة غير المتوازنة في كفة الميزان عن واحد مقابل الألف وفوقها أنفار أخر ؛ ولكن لا لوم إذا ما كان العربي وداخل دياره ووطنه دمه غدا رخيصا جدا بمعية سلاطينه ؛ فما هو سوى " جرذ " و" جرثومة " ونعات أخرى لا تمت إنسانيته بصلة ..!




قضية أسرى فلسطين ؛ هي ليست قضية فلسطين وحدها ؛ بل هي قضية كل العرب ؛ لأن الهم الفلسطيني واحد والعدو نفسه الذي نكأ الويل جميع العرب ودسائسهم الصهيونية المسمومة سارية حتى اللحظة ..!




سوف يخرج الأسير " نائل البرغوثي " وهو لا يحمل في جعبته سوى ذاكرة عن طاحونة جدته التي احتفظ بها أهله كتذكار ، فكم كانت عزيزة عليه كرائحة جدته ، مع لوحة ورقية بريشته واختزل بها حكاية طاحونة الجدة ..




ولهذا إن أبسط ما يمكن تقديمه لأسير حافل بتاريخ باذخ وبثقل تراب الوطن هو أن يهبوه حياة يستحقها كمناظل حر ، فنى أهم وأروع وأفضل سنوات عمره في المقابع إسرائيلية ، إن أقصى ما يقدم له هو توفير كافة سبل المعيشة والراحة له مع تنصيبه على مركز يستحقه وتضحيته الغالية ، رغم أنه في غنى عن المناصب ؛ فلا يمكن أن يرتقي أحد المنصب الذي حصل ووصل إليه " نائل البرغوثي " بدم روحه وتضحيته كأقدم أسير عربي أبيّ النفس والعزة والكرامة ، إنه بطل حقيقي وفارس نبيل بلا شك ..




إن أقصى ما يقدم له جائزة باسمه أو شارع أو مدينة كاعتراف نبيل من أرض عرفها جيدا وعرفته ، تمنح له باستحقاق في حياته وليس حين مماته ؛ فنهج دولنا العربية من خليجها إلى محيطها متمرسة باقتدار في تكريم الموتى فقط ..!




وختاما نقول : ليت " حماس " زوجت شاليطا لفقست زوجته شلاليط أخرى كان من الممكن جدا استبدال هذه الأسرة الإسرائيلية المكتملة بكل سجناء أسرى الفلسطينيين ، اقتراح عبرت عنه مذيعة قناة الجزيرة " خديجة بن قنة " تعليقا على صفقة شاليط : " سامحكم الله يا حماس ؛ لو خطفتم جندية إسرائيلية " شاليطة " وزوجتموها لشاليط منذ خمسة أعوام ؛ لكان الآن لديكم سبع شلاليط ، وعندها نستطيع إخراج جميع الأسرى في سجون الاحتلال " ..




والمهمة لم تنته ؛ فما أفرزته هذه الصفقة ؛ ما هي إلا بشارة بتحرير جميع الأسرى وأرض الأسرى ؛ فالزمن على ما يبدو ضد إسرائيل والجبهات تخر من ثقوب السنون والجهات تضيق وما على الفلسطينيين سوى رؤية الأمل والمستقبل في وجه " نائل البرغوثي " وبقية الوجوه الآسرة بسيرة العزيمة والكفاح والتضحية ..




ليلى البلوشي




هناك تعليق واحد:

  1. صدقاً رائع . وعذب ..
    فك الله اسر جميعِ الأحرار

    ردحذف