الاثنين، 17 أكتوبر، 2011

طريق المثقف هو انتفاضة عمالية ३-3











طريق المثقف هو انتفاضة عمالية 3 – 3



جريدة الرؤية العمانية ..


الفنان المصري " محمد صبحي " قال في أحد حواراته : " أنا كرجل تشتمل تركيبتي على رجل الشارع ورجل السياسة ورجل الفن ، وهذه التركيبة تتشكل منها كل فرد ؛ ، ولكن بطبيعة الحال بنسب إنما النسبة الأكثر هي رجل الشارع ؛ لأن السياسي إذا كذب يسقطه الشعب ، ورجل الفن إذا كشف أسدل الستارة لكن المتلقي في الجانبين والحالين هو رجل الشارع وفي الحالتين ، فإن إسقاط السياسي وسقوط الفنان بيد هذا الرجل .. أي رجل الشارع .." ..




الحديث هنا عن الطبقة العمالية ؛ رجال الشارع الحقيقي لهم التأثير الأشمل والأكبر بشهادة الممثل " محمد صبحي " ، لحراك التطور الحضاري وهؤلاء العمال المكافحون يداولون مهنا بسيطة كبساطتهم من حدادين ونجارين والفلاحين والخبازين ولا يستغني عنهم أي مجتمع ولا يحل محلهم أي اختراع ؛ على الأقل في معظم دول الوطن العربي الذي يفتقد معظمها أساسيات التحضر في مجتمعاتها ..!




وفي ربيع ثورات التغيير الذين خرجوا أفواجا إلى ميادين التغيير والتحرير لم يحملوا على أكتافهم شهاداتهم ولا رتبهم ولا ألقابهم ولا أموالهم غير أن دافعهم إلى تلك الخطوة الجسورة هي غاية واحدة : حب الوطن ؛ هذا الحب وحدّ صفوفهم وغاياتهم رغم اختلافات الأديان والمثل والقيم والأفكار في ساحة واحدة ؛ متشبثين يدا بيد يهتفون بصدور حامية لكرامة الإنسانية ولحرية الجمعاء ..




لقد تضافرت جهود هؤلاء مع الثورات العربية في كل بقاع العالم العربي ، غدا لهم التأثير بعد أن كانوا منسيين من سلطة الحاكم من جهة ومن نخب المثقفة المنفوخين بعقدة " الأنا " ؛ ويبدو أن وحده اختراع يدعى " الانترنت " هو من أخرج هؤلاء من غياهب النكران والظلام إلى أنوار الكشافات ..




إنهم عن طريق كبسات أزرار انظموا بجدارة إلى من أطلقوا كبسة الانطلاق إلى الشارع ؛ فخرجوا أفواجا كما الحجاج في مكة ، ساعين هذه المرة وبيقين بنصر مؤزر من - الله تعالى - ببساطة القلوب التي لم تحتوي في جوفها حبا سوى حب الوطن ، ولم تحلم سوى في كرامة تنقي عرق جبينه الذي طالما وجد مصباته في مستنقعات الذل والهوان ، الذي لم يطلب سوى عدالة اجتماعية تحترم وجوده كإنسان في وطن لا يملك فيه سوى جسده كما أجساد أسرته ، فمعظم هذه الطبقة معدمة من أبسط حقوق الحياة ..! فهم بلا بيوت بل يعيشون في مجمعات سكنية من طوب العشوائيات في سكيك الخراب ، وجيوبهم المرقعة لا تحمل سوى قوت يوم بيوم ؛ لهذا ما كانوا يأبهون كونها ممزقة أو بها ثقوب كحفيرات صغيرة فهي خاوية أبدا ..!




إنه رجل الشارع الحقيقي ، ورجل المطالب ، ومفجر نافورات الثورات ، ولولا همته وصوت هتافاته المرتفع لما توصل أولئك المثقفون لشيء يذكر ؛ فكلنا يدرك أن المثقفين المخلصين هم ندرة ، تلك القلة التي طوردت ونفيت وحبست وقطعت أوصاله ، والبعض منه يئس وتسلقه التعب عن أمل ضئيل ينبثق في كون ما ؛ حقا لولا مساندة هؤلاء لما تنحى الرئيس " حسني مبارك " ولا فرّ " زين العابدين " ولا احترق بشظايا قذيفة الرئيس اليمني " علي عبدالله صالح " ولا اندس العقيد " القذافي " في مجاري ليبيا ولا ضغط " بشار الأسد " بهاون الضغوط الدولية ..!




إننا نعيش في مرحلة حاسمة من مراحل التاريخ ؛ لكل فرد في وطنه بلاط سوف يتحمله وأحلامه وحقوقه وطموحاته شريطة أن يسعى من تلقاء جهوده ؛ كي يستعيدها إن سلبت منه ، ويطالب بها إن ضاعت عنه ، فلا تغيير ولا حضارية عادلة في حصصها بين الأفراد في المجتمع إن تقاعس البعض وتكاسل آخرون ؛ فلكل مجتهد نصيب ..!




أما الاكتفاء بسياسة التذمر من الواقع الشاق أو زفر ضيق على الظلم المتفشي أو المسكنة من الجدران العالية ما بين الحاكم والشعب ؛ فإنها تظل كما هي إن ظل الفرد العربي على حاله ، لكن الآن سياسة الخوف وضع على المقصلة وثمة جسارة هائلة يحياها العامة ، والكل يريد أن يقول شيئا ، والكل يريد أن يشترك في صفوف المطالبة بالحقوق ، والكل يرغب في وطن آمن ..




في أزمنة الحكم السابقة أشهرت السلطات أسلحتها الكاتمة في عقل الشعب فسممت فكره ، وألبت بنيران الفتن ما بين الطوائف والمذاهب ؛ كي تنعم هي في عاجية قصورها بسلام آمنين على عروش أبدية لا يزعزعها الجن ولا انس ..




لهذا على الشعوب اليوم وبعد انكشاف الحقائق وتواري الظالمين في مزابل التاريخ وفضائح العصر أن يتكاتفوا ؛ كي لا تضيع الحقوق في أفواه خارجية قروش من أمريكا وأوروبا وإسرائيل ، فبعد الزعزعة الداخلية التي شبعت منها الشعوب ، ثمة زعزعات خارجية طالما لا تكف يوما يد مطامعها ولا قدم استلائها على ما هو حق للعربي وحده في أرضه ..! بشهادة " جان بول ساتر " الذي قال جملته الشهيرة بعد زيارة " نيكسون " للقاهرة : " سيظل تاريخكم نزيفا من الشقاء والدم ، حتى ينضب نزيف البترول " ..!




فليكن هذا الزمن بهول مفاجآته ضد هذه المطامع ؛ وذلك لن يتحقق دون اتحاد متضافر وتعاون حقيقي بين كل الشعوب العربية من محيطها إلى خليجها ؛ فحين تكون القلوب سليمة بنياتها ، وحين تصفو العقول من هرج الفتن ومرج المصالح سوف يتحقق النصر الأكيد ، الأعظم الذي يترقبه كافة المسلمين عبر بقاعات العالم الأجمع ، بدءا من تحرير الأقصى إلى استعادة أمجاد الأندلس الضائعة ..




أكثر المثقفين الذين كانوا في تواز محب وتوافق متواصل مع الطبقة العمالية هم من دفعوا ضرائب ، أعتى الضرائب بأجسادهم وأرواحهم ودحضهم خلف حياة بلا شمس ولا هواء لا شيء سوى عدم ..!




على رأس القائمة رسامي الكاريكاتور ؛ فهذه اللغة المرسومة والمنطوقة بالألوان هي اللغة الأقرب إلى الأميين ؛ وما أكثر الذين إلى اليوم لا يمكنهم فك حرف وتركيب مجموعة ألفاظ في عبارة ؛ لهذا كثيرا ما محقت بهم السلطات من اغتيال وبتر للأصابع " الأول ناجي العلي والثاني علي فرزات والقائمة تطول ، وأناشيد الشعراء .. فمقولة الشابي من لم يرددها ما بينه ونفسه ، ما بينه وهتافات الآخرين : " إذا الشعب يوما أرد الحياة فلابد أن يستجيب القدر " ..




لغة البساطة والصدق هي مرآة هؤلاء البسطاء ؛ هي التي تشد من أزرهم وترفع من معنوياتهم حين يهبطها الظلم والطغيان ، هي وحدها تفعل فيه ما لا يمكنه سحر الساحر ..




وكاتب الوطن ، الذي نزل إلى الشارع وكان جنبا إلى جنب مع الإنسان البسيط ، يمشي كلاهما في أفق حلم واحد وعبر شارع واحد سيان كلاهما في منحدراته وتعرجاته وحفره وانغلاقه وتكسره وابتلاعه ..




المثقف وحده لا يصنع شيئا ؛ فاليد الواحدة لا تصفق ؛ بعد هذا لا يمكن الإيمان سوى أن طريق المثقف هو انتفّاضه عمّالية ولن يحلّ السلام قبل أن يتوحدوا ..







ليلى البلوشي







ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق