الأربعاء، 25 أغسطس، 2010

تذوق الكاري الهندي مع جومبا لاهيري



تذوق الكاري الهندي مع جومبا لاهيري

" جومبا لاهيري من نوع الكتاب الذين يجعلونك ترغب في أن تمسك بأول شخص تراه وتحثه على قراءة هذا الكتاب "

- آمي تان -
* * *

أول قصة قرأتها للكاتبة الأمريكية هندية الأصل " جومبا لاهيري " هي قصة " القارة الثالثة والأخيرة " يعود ذلك إلى عام 2006م من مجلة البوتقة _ مجلة فصلية تعنى بالأدب الانجليزي – تقدمها هالة صلاح الدين حسين ..
وهي قصة روتها -لاهيري - عن والدها الذي هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية مذ ثلاثون سنة ، ليقيم عند سيدة عجوز تناهز المائة وثلاث سنوات ، وقد حكت لاهيري قصة تلك المرأة والأجواء التي مر بها والدها خلال تلك الفترة حيث كانت هي ما تزال طفلة صغيرة ، وقد استغرقتها كتابة هذه القصة حوالي ستة أشهر باءت معظم مسوداتها بالفشل ؛ إضافة إلى جهود مضنية للحصول على نسخ من صفحات جريدة الباسطون جلوب من 20 يوليو 1969م ، وهو يوم هبوط سفينة الفضاء أبوللو II على القمر ، لكنها تمكنت في النهاية من مفاجأة والدها بالقصة التي خرجت بحلة فنية رائعة ..
تعد " جومبا لاهيري " كاتبة مهاجرة ، ورغم أنها ولدت في لندن ومن ثم ترعرعت في الولايات المتحدة الأمريكية ، إلا أنك حينما تطالع مجموعتها القصصية " ترجمان الأوجاع " تستشعر كأنما الكاتبة انبثقت بذرتها من صميم التربة الهندية ، فلم يفلح اغترابها عن وطنها الأصلي عن زعزعة تلك الأصول الهندية الكامنة في أعماقها ..
واذكر عددا لا بأس به من - الكتاب المهاجرين – استقطبتهم عوالم الحياة في أمريكا ؛ لتتفق تجاربهم مع تجارب " جومبا لاهيري " في عرض قصصهم ورواياتهم عنهم ، واستحقوا عليها جوائز عالمية من أمثال الكاتب الدومينيكي " جونو دياث " التي فازت روايته " الحياة الوجيزة والرائعة لأوسكار واو " بجائزة " بوليتزر 2008م " وهي الجائزة عينها التي فازت بها لاهيري لمجموعتها التي نحن بصدد عرضها " ترجمان الأوجاع " عام 2000م ، والكاتبة الأمريكية روسية الأصل " لارا فابنيار " وهي مؤلفة لمجموعتين من القصص القصيرة ، الأولى بعنوان " البروكولي وقصص أخرى عن الطعام والحب " 2008م ، والثانية بعنوان " هنالك يهود في بيتي" 2004م ، و رواية بعنوان " مذكرات شاعرة " 2006م .. وفي بريطانيا الكاتبة الهندية " كيران ديساي " كانت لها رواية تحكي فيها عن أوضاع المهاجرين وعزلتهم في بلاد الغرب ، وحصدت روايتها تلك على جائزة " بوكر " الرفيعة في الأدب ، والكاتب الأمريكي الصيني الأصل " ها جن " في مجموعته القصصية الأخيرة " سقطة طيبة " خاض في غمار تجارب المهاجرين من الصينيين ، أولئك الذين استقروا في حي فلشنج في كوينز بنيويورك وآثار هجرتهم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي ..

في " ترجمان الأوجاع " نجد في هذه المجموعة مع فنيتها المبسطة وحيوية حواراتها ، عادات هندية احتفظ بها المهاجرون بشدة ، كما تحتفظ المرأة الهندية المتزوجة بالمادة القرمزية ما بين مفرق شعرها .. لعلنا نشير إلى بعض منها :

* نلمس حب الهنود لبعضهم البعض في الغربة ؛ فالهنود يميلون لعيش ضمن جماعات كخليات النحل وقوافل النمل ، وكان ذلك جليا في قصة " عندما أتى السيد بيرزادة لتناول الطعام " فالقصة تحكي عن رجل وامرأته وطفلة في العاشرة من عمرها ، كان الرجل والمرأة يعيشان في حي لا يزورهم الجيران مطلقا إلا بدعوة ، ولا كان الأطباء يستجيبون لنداء المنازل ، تلك الوحشة هي التي دفعت الزوجين للبحث في سجلات جامعة " بوسطن " عن قادمين جدد يحملون جنسيات هندية ، ومن خلال كشف الأسماء تعرفا على " السيد بيرزادة " الذي جاء من " دكا " حيث ترك بناته السبع مع زوجته هناك ؛ لإجراء دراسة عن أوراق النبات في ولاية " نيو إنجلاند " ، فاتصلا به ليقيما بدعوته إلى منزلهم .. وهكذا كان " السيدة بيرزاده " يزورهم في كل مساء ؛ لتناول العشاء ومشاهدة التلفاز ..

* القصة عينها تحكي عن الانقسام الذي حصل 1947م ، الذي تحرر فيه الهنود من الاستبداد البريطاني ؛ ليغرقوا في وحل الحروب الأهلية بين المسلمين والهندوس .. كما جاء على لسان الأب وهو يوضح لابنته الفكرة بالإشارة إلى الخريطة التي أمامهم : " مثل الكعكة .. الهندوس هنا ، والمسلمون هناك ، ولم تعد دكا تابعة لنا " وتتساءل تلك الطفلة التي يدهشها هذا الانقسام رغم أن السيد بيرزاده ووالدها يتحدثان اللغة ذاتها ، وتضحكهم النكات ذاتها ، ناهيك عن التشابه في ملامحهم ، وجميعهم يأكلون المانجو المملح مع وجباتهم ، ويتناولون الأرز بأيديهم كل ليلة في طعام العشاء .. : " إن السيد بيرزادة بنغالي ، لكنه مسلم ، وهو لهذا يعيش في شرق باكستان ، وليس في الهند " هكذا فك والدها عقدة دهشتها من حيال هذا الوضع .. إذن الغربة هنا ذوّبت الاختلافات الطبقية والطائفية ، ليحل الحب وتقبل الآخر كما هو محلهما ..

* يعيش الهنود غربتهم على طريقتهم ، بل نقول إنهم يفرضون على الغربة هنديتهم المهاجرة ، كما نرى في قصة " منزل السيدة سين " زوجها أستاذ جامعي حيث يعمل مدرس مادة الرياضيات ، تقضي " السيدة سين " معظم وقتها وحيدة ، لهذا تنشر إعلانا عن استعدادها لرعاية الأطفال ، وهكذا تجد نفسها ترعى الطفل " إليوت " وهو صبي في الحادية عشر من عمره ، في أثناء اعتنائها بالطفل تدأب " السيدة سين " على طبخ الأكلات الهندية ، بل تحرص في الذهاب إلى محل خاص لشراء السمك وتتفق معهم في حال وصول أسماك طازجة بمهاتفتها بذلك ، وكانت في أثناء فترة الطبخ هذه تسترسل في أحاديثها مع الطفل " إليوت " فتحكي له عن أمور وذكريات مرت بها في الهند ، فحكت له مرة عن قصة النصل الذي أحضرته من الهند : " كلما كان هناك زفاف في العائلة ، أو احتفال كبير لأي سبب ، كانت أمي ترسل لإخبار كل نساء الجيرة ، كي يحضرن أنصالا كهذا النصل ، ثم يجلسن في دائرة هائلة على سطح منزلنا ؛ يضحكن ويثرثرن وهو يقطعن خمسين كيلو جراما من الخضروات ، ويبقين على هذا الحال طوال الليل " .. بينما تجد في صوتها وحشة كبيرة عن الخواء المحاط بها وهي تسأل الطفل " إليوت " بقولها : " إليوت .. لو أنني شرعت الآن أصرخ بأعلى صوت ممكن .. هل تظن أحدا سيأتي إلي ؟ " فنراها تستأصل من ذاكرتها الجواب في حال إن كانت في الهند : " في بيتنا .. هذا هو كل ما يجب عليك فعله ، فليس لدى الجميع هواتف ، فيكفي أن ترفع صوتك قليلا ، أو تعبر عن حزن أو سرور ، وسوف تجد كل جيرانك ونصف جيران جيرانك قد أتوا ليشاركوك الخطب ، أيا كان ، ويساعدونك في الترتيبات " .. فيدرك " إليوت " أن كلمة "بيتنا " التي ذكرتها السيدة سين تعني بها بيتها في الهند ..
والحزن يكابدها حين يصلها خطاب من كلكتا ، يخبرها بأن أختها وضعت طفلة جميلة وهكذا تدرك بأنها لن تستطيع رؤيتها ربما لسنوات فلا تتعرف الطفلة على خالتها وقتئذ ..! وحين يطالبا أهلها في الهند بإرسال صور يبرز منها حياتها الجديدة يتأزم فيها الحزن بشكل كبير ..


* قصة " القارة الثالثة والأخيرة " وهي آخر قصص المجموعة تكاد تكون غنية بالعادات الهندية التي بثتها " جومبا " هنا وهناك ، فنجد في البداية أن الأب الذي سكن لوحده في أمريكا لم يفكر قط في أن يخون زوجته مع امرأته أخرى ، بل نقول تغيب في المجموعة كلها علاقات غير الشرعية التي يقوم بها الرجال في حال ابتعادهم عن زوجاتهم ، وكذلك الحال مع المرأة الهندية .. يفوح في هذه القصة تحديدا روائح الكاري الهندي مع البيض الذي يطبخه الزوج لزوجته حين قدومها من الهند ، دون أن يفوتهم تجريب بعض الوجبات الأميركية نحو وجبة " كورن فليكس " مع الحليب ، الذي دأب الزوج على تناوله في فترات الإفطار عوضا عن الأرز الذي اعتاد عليه معظم الأزواج البنغاليين كوجبة إفطار أساسية .. كما نرى التزام المرأة بالملابس الهندية الساري أو الشروال حيث كن النسوة الهنديات في أمريكا تحرصن على ارتدائه وتفضيله على الملابس الغربية ..
كما برز مبادئ الزواج التقليدي الذي يفرض على الرجل ، ففي القصة كان الزوج قد تزوج بناء على اختيار أخيه وزوجته اللذين كانا مقيمين في الهند ، دون أن تتدخل الغربة التي يعيشها في التخلي عن هذه العادة ..

" ترجمان الأوجاع " .. مجموعة أشبه بقطار تحفل فيه كل مركبة من مركباتها نوعا من الحياة ، لكنها تتفق بطريقة وأخرى في الروح التي تفرقع في سماواتها تلك الحكايات ، استرسلتها الكاتبة في تسع قصص بلغة سهلة تتسرب إلى القلب بهدوء ، وهو الهدوء ذاته تسرد به الكاتبة معظم قصصها القصيرة ..

والمجموعة أشعلت فيني – شخصيا – إضافة إلى - حكاياتها الطريفة - الرغبة في أن أذهب إلى أقرب مطعم هندي واطلب الكاري بالدجاج مع طبق من السمك بمتبلات هندية على طريقة جومبا لاهيري ..



هناك تعليق واحد:

  1. السلام عليكم ..

    تحليل جميل للقصة أول مرة أسمع عنها بارك الله فيك وسعدت بتحليلها كثيرا


    اصحى يا نايم ووحد الدايم

    أرجوا من المدونين الموقرين أن يضعوا شعار الحملة واسمها فقط فوقها

    (حملة الجسد الواحد)

    في الشريط الجانبي لمدوناتهم كدلالة على وحدة صف أمة محمد

    http://dndanh111.blogspot.com/2010/06/blog-post_14.html

    ومن أجل قيام الولايات المتحدة الإسلامية

    http://dndanh111.blogspot.com/2010/06/blog-post_17.html

    جعله الله في ميزان حسناتكم .. آمين

    ردحذف