الأحد، 8 أغسطس، 2010

همبرغر مع صلصلة الشاي


همبرغر مع صلصة الشاي

( اترك وجبة العشاء لعدوك ) ..
هكذا ينصحنا المثل الصيني .. مع احترامي لأصحاب الشعوب ذوي العيون المسحوبة ؛ فإنني على الرغم من أني لا أعلم إن كان لي أعداء ؛ بالمعنى الفعلي لهذه الكلمة ؛ لأننا في زمن يختبئ فيه الأعداء في ملابس الأصدقاء ، أو كما أشار " ميلان كونديرا " في روايته " الهوية " أنهم غير مرئيين ، مغفلو الهوية والإرادات والقوانين ، فالتركيبة التي تتبدى لنا هنا سندعوها " أعدقاء " ، فعلى هذا السبيل لن استغني عن وجبة عشائي لأعدائي ، وإن كلّفني ذلك حفر قبري بملعقة وشوكة ، بل أفضّل أن ينام أعدائي وبطونهم تتعارك مع الجوع ؛ كي لا يمتد تفكيرهم إلى أقصى من حدود الطعام ، بفخذ دجاجة أو كبد عجل مشوي ، واسقط أنا من تصفية حساباتهم ..
" أعدائي / أعدائي / العالم مليء بالأعداء / ليس من مكان آمن " هكذا كانت تقول الشاعرة الأمريكية المنتحرة بالغاز " آن ساكستون " ..

الصينيون متسامحون كطبيعة وجوههم التي يتبادر للمرء أن لا مبالاة يسترخي فيها ، كيف لا ، أوليس إحدى الأمثال الصينية تقول : " لا تضرب المرأة ولو بزهرة " ..؟! غير أن اليابانيين ، فإنني لا أنكر تحبيذي لأسلوبهم في الانتقام ، خصوصا حين يكون للمرء أعداء بقامات مهمة ، فبضربة من سيف ياباني تستطيع أن تختصر المهزلة العدائية التي تطاردك بلا أدنى حق ، سوى شعور العدو المواري بأنك أفضل منه ؛ إذن على طريقة الألماني " نيتشه " الذي استنكر طبائع الأعداء فحللّ ذلك بضربة فلسفية لا تليق إلا به قائلا : " هو لا يعجبني "
- لماذا ؟
- " لأنه يتجاوزني " هل أجبتم أبدا بمثل هذا الجواب ؟ " ..

فإذا ما كان هذا العدو على – افتراض وجوده - والذي لا أعجبه ؛ لأنني أتجاوزه ॥فهو أحمق دون شك ..فليس الذنب ذنبي إن كان لا يتجاوز نفسه ..! بمثل هذا الجواب أقطع بالنصل ثرثرتي عن الأعداء ، وأفضل عوضا عن ذلك الحديث عن الطعام ، ويبدو أن المثل الصيني جرني بعيدا عن مداي ..

إن ألذ وجبة لدي في مصاف الوجبات اليومية الثلاث كما حدد لنا ، لا أدري من حدد لنا ذلك بالضبط ولماذا هي وجبات ثلاث ॥؟! ولكن بمجرد ما فطمتني أمي من حقي الشرعي الذي لا يتجاوز عن عامين ، وضعت في فمي رضاعة صناعية تلك التي لم تفارقني حتى بلغت سنواتي الخمس – نعم صدقوا ذلك انه اعتراف غير عادي - ، وكنت أحيانا أعّده بنفسي حين يأكلني خجل طلب ذلك من أمي ، لكن والدي الحنون دأب بحرص على شراء عبوات الحليب لي ، هزالي ذاك الذي لم تفلح أمي في القضاء عليه ، رغم أنها كانت تطعمني من الأكل الذي تعده في البيت جنبا إلى جنب ، إلى أن ألفيت قدماي تركضان نحو غرفة الطعام وذلك بعد سنوات ، أنا وأخوتي لثلاث مرات في اليوم الواحد ، وفي هذه المرات الثلاث كنت اسمع صوت أمي وهي تهتف لنا لتناول الطعام ، درجنا على ذلك كما درج " بافلوف " كلبه تماما .. صوت أمي لثلاث مرات في اليوم كان يساوي ثلاث وجبات ، أي سيلان اللعاب في تلك المرات الثلاث ..

استطيع القول إن وجبة الغداء كانت من ألذ الوجبات لدي ؛ ربما لأنها وسطية من حيث توقيت ، ففي الصباح من الممكن ألا أفطر وهذا ما كان يحدث غالبا ، لأن وجبة الإفطار تحمل مذاق التثاؤب والمدرسة والطبشور والمعلمة القاسية التي كانت تكسر عصاها على أصابعنا ، واستغنائي الذي غدا ممتعا مع الأيام ، وذلك حين اكتشفت في الأيام التي استغني فيها عن وجبة الإفطار اسقط مغشيا علي في طابور المدرسة الصباحي ، ومن هنا تضطر مديرة المدرسة مهاتفة أمي واصطحابي إلى البيت مبكرا ، فاختلس الوقت بحجة المرض ؛ لمتابعة رسومي المتحركة المفضلة في التلفاز ، كانت تلك هي حيلتي في سنتي الدراسية الأولى في المدرسة ..

أما في السنة الثانية ، افتعلت حيلة أخرى ولها علاقة بالطعام أيضا ، فقد كانت لنا معلمة تفرض علينا فروضا منزلية يومية ، فتأخذ كراريسنا بالترتيب وتدون بقلمها الأحمر الجاف التدريبات لقرابة ثلاثين تلميذة في الفصل ، واعتادت كل منا أن تذهب إليها بالترتيب كما نجلس في مقاعدنا الصغيرة ، ولكنني في يوم ما حين ذقت ذرعا بتلك الفروض المنزلية ؛ التي تمنعني من ممارسة حقي الطبيعي في اللعب ، وتقلص من ساعات مشاهدة رسومي المتحركة المفضلة ، عزمت بعناد طفلة صغيرة ألا أذهب ، وكانت تجلس أمامي فتاة بدينة جدا ولا يكاد يفرغ فمها من عمليات المضغ والبلع والطحن ؛ ولأن المقال ذا تأثير صيني يمكنني القول بأنها كانت في وضعها ذاك كصينيين على ما يبدو تأكل كل شيء يسبح سوى السفن ، وكل شيء يطير سوى الطائرات ، وكل شيء له أرجل سوى الطاولات ، كما اعترفت بذلك وبشهية كبيرة سيدة صينية في لقاء تلفزيوني ..!

بينما كنت لقلة الأكل على نقيضها تماما نحيفة كقلم الرصاص ، فاتخذت من بدانتها جدارا عازلا ، فالمعلمة حين ترفع رأسها كعادتها غالبا ستعتقد بأني غائبة دون شك ، ولم أتوقع أن حيلتي تنطلي على المعلمة المسكينة ، ومضيت لعدة أيام متتالية وأنا الحاضرة الغائبة ، ولكن خطتي انفقأت حينما تغيبت الفتاة البدينة ، وكم كان يوما شاقا علي ّ ؛ لأن المعلمة سجلت لي كل الفروض التي تغيبت عنها تباعا كما اعتقدت ..!

ظلت وجبة الإفطار ملغية لسنوات ، وكنت اهجم عوضا عن ذلك على وجبة الغداء ، والتي تكون عادة دسمة ، وفي فترة مراهقتي الحرجة زاد وزني قليلا ، وكان هذا بمثابة كارثة من ناحيتين ، أولاها خوفي في أن أغدو بدينة ويأتي من يتخذ مني جدارا فيختبئ خلفي لفعل ما ، وثانيها هذه الشراهة للوجبات المشحّمة ؛ لم تمر مرورا عابرا في جسد فتاة تخطت ثلاثة عشر عاما ..

ومن هنا فترت شهيتي للطعام تدريجيا ، وعوضا من أن أخطو نحو البلوغ خطوت مرتين نحو الطفولة ॥ وظللت لسنوات ووزني محتفظ بمعدله الثابت ، غدوت ورقة سحقتها شاحنة كما وصفتني زميلتي في الجامعة ، حشوت وحشوت وحشوت والنتيجة إياها ، ذهبت لطبيب مختص و سجل لي وصفات تضاعف من وزني ولكن وصفاته باءت بالفشل ، والمهنة الوحيدة التي لاءمتني في ذاك الوقت عارضة أزياء مع مؤهلات كان سيتمناها " فيرساتشي " دون شك لو كان حيا .. !

هكذا مرت الأيام ، وانا ارتدي ملابس بمقاس ابنة أختي الصغيرة ، إلى أن اكتشفت أهمية وجبة العشاء للنحيفين ، و كانت إحدى عاداتي هو تناول وجبة عشاء واحدة ، لكن في تلك السنة الشتوية ، وكما هو الحال في الشتاء الليل يهبط ضيفا مبكرا ولا يغادرنا إلى أن يتناهى صياح الديك ، كنا وقتئذ نتناول وجبة العشاء في الساعة الثامنة ، ولكن في تلك الأمسية الباردة شعرت بعد مرور ساعتين بأن معدتي فارغة وكأني لم أطعمها مذ فترة طويلة ، فهرعت لإسكاتها بوجبة خفيفة ، وعدت لمتابعة فيلم السهرة والذي كان يدعى وقتئذ إن لم تخني ذاكرتي " الإرهاب و الكباب " يؤدي بطولته " عادل إمام " الذي احتل المبنى الحكومي مع بعض رهائن وظل يضخ فيهم الأمنيات طوال فترة الرهن لعرض مطالبهم على الحكومة ، وفي النهاية لم يطلبوا سوى الكباب ، فقد كان حلم أولئك - المعدومين - تناوله ولو لمرة واحدة في حياتهم على الأقل ..!

ويبدو أن رؤيتي للكباب فتح شهيتي بطريقة ما في ذاك الليل الشتوي البطيء كالسلحفاة ، ولم تتمالك معدتي نفسها التي بدأت تطلق قعقعات صاخبة ، نتيجة لذلك وجدتني أهاتف كافتيريا الحي ليحضر لي صحن كباب حالا ..وأكلت بشهية مفتوحة .. خلال تلك الساعات تناولت ثلاث وجبات ، ومع الأيام أضحت عادة علنية ، ثلاث وجبات في فترة العشاء ، الأولى في الساعة الثامنة ، والثانية في الساعة العاشرة ، والثالثة في ساعة السندريلا الثانية عشر بعد منتصف الليل كما يقال ..

اعتاد مزاج معدتي على مغامرة تناول كل شيء مهما كانت غرابته وشكله ولونه ما عدا الشبوط ؛ لأن للشبوط حكاية مع اليهود ؛ فهي وجبة محببة جدا من قبلهم تعرفون لماذا ؟! لأنه ببساطة مقزز ..!
هكذا كان جواب أحد اليهود على سؤال امرأة أمريكية في فيلم أمريكي جمع بينهما ..
وشقلبّت القاعدة التي كانت تقول : كل إفطار ملوك ، وغداء أمراء ، وعشاء فقير ..وعليه زاد وزني بمعدل راقني جدا ، وكنت أنوّع في وجباتي ، فالأولى كانت أمي تحضّرها ، والثانية كنت احضّرها بنفسي ، والثالثة كان " إسماعيل " هندي الكافتيريا يحضّرها لي ، واذكر مرة طلبت من " إسماعيل " همبرغرا مع بيبسي ، لكنه مع العجلة نسي البيبسي رغم أن الهمبرغر دون البيبسي ثقيل على مزاج المعدة ، وهذا ما كنت اعتقده طوال تلك السنوات ، وكثيرة هي اعتقادات الآخرين فينا ونحن نستقبلها على عماء منهم ..!

" إسماعيل " حينما نسي البيبسي قد أسدى لي معروفين ، أولهما تحقيقا لرغبتي بالتخفيف من المشروبات الغازية ، ليس مقاطعة لأميركا التي تنتجها ؛ لأن الماما أمريكا رعتنا مذ كنا أطفالا ، بالله عليكم من أنتج حفاظاتنا عندما كنا صغارا ..! وكريمات - البيبي جونسون - التي كانت أمهاتنا تدهن بها أطرافنا الضئيلة لتطريتها .. هل كانت منتوجات عربية ..؟

المشروبات الغازية ، دققوا معي على كلمة " الغازية " .. " غازية " .. هي بالفعل تغزو أجسامنا بسمومها ، بالإضافة إلى كونها تحتوي على نسبة من الكوكايين ، فإن صبغتها السوداء فعالة في تنظيف المراحيض ..!
والمدهش أيضا أن أمريكا بلد العنصرية كما عرفنا عنها لقرون ؛ لم يدركوا أن الكوكا والبيبسي يعكسان لونا زنجيا رغم أنهم بغضوه لسنوات كان يجري في دمائهم ..!
ثانيهما أضاف لي نسيان " إسماعيل " مشروبي الغازي ، هو أنني التهمت الهمبرغر مع الشاي الذي كان لونه كلون البيبسي تماما ، والفارق أن الشاي حار والبيبسي بارد ..
وهذا الفارق الطقسي بين حار وبارد ، له الفاعلية نفسها ، تناول الهمبرغر مع البيبسي يزيل الثقل الذي نشعر به بهمبرغر دون بيبسي ، كذلك الشاي مع الهمبرغر يزيل الثقل الذي نشعر به ..
حينما اكتشفت هذه الفاعلية أصبح " إسماعيل " ينسى البيبسي دائما ، وغدوت أنا أحشو الهمبرغر بصلصة الشاي ، واااو ، كم هو لذيذ ، ألا ترغبون أن تجربوا فاعلية ذلك ..؟
ولا أملك سوى أن أترككم مع نصيحة بنكهة ألمانية على لسان الفيلسوف " نيتشه " :
" تذوقوا طعامي ، أيها الشّرهون ..!
غدا تجدونه أفضل ، وبعده ممتازا ..! "

هناك 5 تعليقات:

  1. الكون المجازي8 أغسطس، 2010 8:42 م

    سنه أولى طفولة ـ رائع والرائع في المقال العفويةالتي طعمته،ها قد عرفنا صفحة من سجل حياتك الحافل.

    مع خالص مودتي

    ردحذف
  2. السلام عليكم و رحمة الله

    كالعاده تطلين علينا بقمال رائع و شفاف يتسم بالعفويه و البساطه

    ذكريات جميله و إسلوب سلس رائع، لعلي سأفكر بالهمبرجر مع الشاي، فأنا أطبخ تلك الوجبة في المنل بمكونات أشبه بـ(السلطع برجر من سبونج بوب )


    تمنياتي لكي بالتوفيق

    ردحذف
  3. " الكون المجازي "

    الطفولة من أجمل وألذ مراحل حيواتنا ، وأنا حريصة جدا على الطفلة التي بداخلي ؛ كي تبقى حية على الدوام ...

    ردحذف
  4. " المجهول " ؛

    نعم ، عليك بوصفات اسبونج بوب ؛ فإنها جديرة بالاهتمام ..

    لكن لا تنس ، في أن تشرك أطفالك معك في هذه المغامرة الممتعة ..

    ردحذف
  5. ليلى البلوشية،

    لا تخافي فإبني يشاركني التحضير و يغيب عني فقط حين أبدأ بالقلي، و طبعا الحرب سجال في المنزل بين فريق المسلسلات ( زوجتي ) و فريق نيكلوديان شبهي (مثلما ينطقها ولدي ) المكون (مني و من ولدي)


    شكرا لنصيحتك و تمنياتي لكي بالتوفيق

    ردحذف