الثلاثاء، 8 يونيو، 2010

حكاية الجنس اللطيف في اليابان


حكاية الجنس اللطيف في اليابان *

حين تقرأ في تاريخ اليابان تستولي عليك دهشة مفرطة عن سمو هذا التاريخ سليل إمبراطوريات شتى كان لها التأثير الأكبر في قلب العالم ، وحين تمعن النظر إلى تلك العادات المتأصلة ، البراقة كسيف ياباني يعزز مكانة صانعه الذي نقش عن دراية كبيرة شهرته على مقبض سلاحه ؛ ليثير الجدل عن حدته وعن أصالته المطلقة حتى اليوم ..
تناهى إلينا الكثير عن نظام الحياة في اليابان ، عن التزام شعبها بقوانينهم مهما غدت صارمة ، وهو التزام جبل عليه الجميع الصغار والكبار والشيوخ .. وذلك ليس بغريب على شعب يعيش على أربع كلمات كما أشار المعالج النفسي " إبراهيم الفقي " في إحدى برامجه المذاعة وهي : " صباح الخير " ، " كيف حالك " ، " التحسن المستمر " ، " المرونة التامة " ..
وحين تدنو من الرجل الياباني والمرأة اليابانية ترى حياة حافلة بمتغيرات عديدة ، تجد تناقضات صارخة كانت سائدة في العلاقة بين الرجل والمرأة ؛ بينما أعنف تفريق على مستوى الوظائف بينهما هو أن معدل أجر المرأة أقل بالنصف من معدل أجر الرجل ، وعلى مستوى العلاقات الجنسية فإن المرأة اليابانية مطالبة بالوفاء لزوجها والإخلاص له ، بل إن بعض العادات تحتم على المرأة المتزوجة ألا تتبرج ولا ترتدي ملابس جميلة أمام رجال آخرين ، وقد تبالغ إحداهن حتى يصل بها الأمر إلى تلطيخ أسنانها البيضاء بالفحم ؛ كي لا تلفت نظر الغريب إليها ، ويعد اتصال الزوجة بأي رجل من خارج العائلة أمرا خطيرا ..
بينما الرجل يمارس كافة حقوقه بحرية مطلقة ، فليس من الغرابة أن يرفّه الرجل عن نفسه بقضاء بعض الوقت في إحدى البارات قبل أن يذهب إلى منزله ، والمدهش أن نظرة اليابانيين إلى هذه الخطيئة باعتبارها في مقام تناول وجبة طعام الذي يتمتعون به في المكان المناسب ، فلم تعد قضية تعدد العلاقات الجنسية مشكلة في حد ذاتها أكثر من الشذوذ الجنسي ؛ لأنها علاقات يبيحها المجتمع .. !
ولا تتوقع مطلقا ثناءً من الرجل الياباني على المرأة اليابانية ، بل إنه يوصمها أمام الآخرين بـ " الزوجة الغبية " ؛ انتقاصا لشأنها ، وردود أفعاله تجاهها تكون جافة ومقتضبة ، هكذا كان سائدا في الطراز القديم وعند بعض الأزواج في الوقت الحالي ، والرجل الياباني ليس كالرجل الغربي فهو لا يوصف مشاعره علانية تجاه زوجته في الأماكن العامة ، ولربما ذلك راجع إلى أسس الزواج في هذا المجتمع ، فالزواج يكون تقليديا يتولاه الأبوين باختيار الفتاة لابنهم وفي حال الموافقة يتم اجتماع الأسرتين ؛ كي توثق بينهما الصلة لإتمام الموضوع وليس من الضروري أن يكون أساس التوافق في الزواج راجعا إلى إعجاب متبادل أو وجود رابطة حب ، فطالما كان الزواج محددا باحتياجات الأسرة وليس نتيجة وجود صلة إعجاب أو حب بين طرفين فهو بحد ذاته كافيا ، ورؤية كل منهما الآخر قبل الزواج ليس شرطا أساسيا ، بل تقوم مقامها عادة صورة متبادلة بين الأسرة الخاطبين ..
والأسرة اليابانية تحرص على تربية الفتاة وتنشئتها تنشئة صالحة ؛ لتكون عنصرا قيما لا تشوبه شائبة في سوق الزواج ، وهذا حدا بعض الفتيات إلى إهمال دراستهن الجامعية التي تتعدى أربع سنوات من أجل الزواج والتفرغ له ..
والفتاة حين تتزوج ، بعض الأسر اليابانية يعدونها بمثابة الميتة ؛ لأنها تكون طيعة في يد حماتها ، وهي حين تكون زوجة تتقلص حياتها الاجتماعية وتكرس حياتها بإيثار تام لرفاهية عائلة زوجها تحت إشراف حماتها الصارم .. وتظل هكذا إلى أن تزوج ابنها لتتولى زوجته دورة حياتها ، بينما تمارس هي حقوقها الاجتماعية التي حرمت منها قبل ذلك ..
بينما فترة قبل الزواج هي فترة الحرية بالنسبة للفتاة ، وهي الفترة عينها تمارس فيها حياتها الاجتماعية ..
وكل هذا بسبب تأثير فلسفة - الكونفوشيوسية – فمازال للمأثورة القديمة بعض الشرعية والتي تقول : " أن على المرأة أن تطيع أباها في صباها ، وعندما تصل إلى سن الرشد عليها أن تطيع زوجها ، وتطيع ابنها في سن الشيخوخة "..
وهي نتاج المجتمع الأبوي الصيني المؤمن بسادة وقوة الذكر ، والتي كانت تنظر إلى النساء باعتبار أن وظيفتهن هي الحمل وتربية الأطفال وتخليد الأسرة أكثر من كونهن شريكات للرجل في الحياة أو موضوعا للحب ، ولا يدهشنا ذلك ؛ لأن قوام فلسفة كونفوشيوسية تقلص من حق الرومانسية على أساس كونه ضعف والجنس مجرد عملية آلية للحفاظ على استمرارية العائلة .. وغدت المرأة في المجتمع المتحضر " المهذب " في فترة حكم توكوجاوا وصيفة خاضعة تماما للرجل ووسيلة من وسائل الترفيه عنه ..
لكن المرأة الريفية لكونها تعمل جنبا إلى جنب مع زوجها في الحقول ؛ فإنها ظلت محافظة على وضعها نظرا لاستقلالها المادي ..
وإذا كانت مكانة الرجل في اليابان تقاس بالمؤسسة التي يعمل بها وترنو أهميتها إلى أهمية كيانه الذكوري في المجتمع ، فإن المرأة اليابانية هي جنة المنزل الياباني وهي المؤسس والمدبر الأساسي له .. وهو تناقض صارخ يضاف إلى تناقضات فاغرة الدهشة لهذا الشعب ، فلا تعرف معنى غرابة الأطوار حين تكون في اليابان ..!
كما قالت الكاتبة أميلي نوتومب* في روايتها الصادرة عن اليابان " ذهول ورهبة " : " الأنظمة الأكثر استبدادا تتسبب في حالات انحراف عجيبة تجعلها تتسامح مع الظواهر الشاذة ، ولن نعرف معنى غرابة الأطوار حتى نلتقي مع ياباني. إن اليابان بلد يعرف معنى أن (يطق) الإنسان من القهر" ..
فالمجتمع الياباني هو " مجتمع أمومي " مذ أصالته الأولى ، يتميز بقيادة الأم للعائلة في طبقات المجتمع الدنيا ، وكانت " الشمس الإله " هي السلف الأسطوري للسلالة الإمبراطورية ، حيث كانت زعامة الإناث شائعة في القرن الثالث الميلادي ، وكانت هناك إمبراطورات تولين الحكم في القرن الثامن الميلادي ، وكن النسوة يرثن الممتلكات ويؤدين دورا هاما في النظام الإقطاعي .. وهنا انبثق تأثير الفلسفة الكونفوشيوسية للحد من حرية النساء لكون المرأة بعد تخطيها مرحلة التدريب ليس لها القدرة على حمل السيوف كقدرة الرجل ، ولعل هذا الحد هو الذي جعل المرأة اليابانية تستعيض عن تقلص مكانتها في المجتمع إلى دورها المهم في البيت الياباني ، هو ما جعل اليابان مجتمعا أموميا بامتياز _ وهو النظام الذي ينسب فيه الأبناء لأمهاتهم – وعليه فإن المرأة هي التي تتولى كافة شؤون البيت ، فالرجل يضع راتبه كله في يد الزوجة ، وهي التي تقضي كل حاجيات البيت وتشتري السيارة وتعطي الرجل مصروفه ، ونرى كيف أن تأثيرات هذا النظام الغريب الذي قل من شأن الرجل في المجتمع الياباني ، فالرجل أي الأب رغم أنه هو الذي ينفق على الأسرة فإنه في الواقع أقرب ما يكون إلى الرمز ، لا نفوذ له في شؤون الأسرة ، والأم هي التي تدير ميزانية الأسرة بصورة قاطعة ، والأم هي التي تعنى بشؤون الأطفال وتنشئتهم تنشئة صالحة ، والجدير بالذكر أن المرأة اليابانية المتزوجة حين تكون عاملة ، إن رزقت بطفل فإنها تستقيل من وظيفتها ؛ كي تتفرغ كليا لتربية الطفل وحين يبلغ سن المدرسة ، فإنها تعود لعملها مرة أخرى .. و قد لا تجد أما تعتني بتربية أبناءها مثل الأم اليابانية ؛ فهي ومنذ فترة رضاعة طفلها ، تبدأ بسرد القصص والأحاديث التي تنمي لدى طفلها الأخلاق الفاضلة ، وتغرس فيه حب الوطن والخير، وعشق البطولة ، وتمجيد الآخرين ومن هم أكبر سنا ، إنها حقا أشبه بمدرسة فاضلة ..
واليابانيون لا يعرفون نمط الأب المتسلط المستبد المعروف في مدرسة فرويد لتحليل النفسي ، لكنهم يعرفون صورة ارتباط الذكر القوي بالأم ، واعتماده الشديد عليها حتى ليصل وصفه ارتباطا مرضيا بالأم على المستوى السيكولوجي ..
حتى أن الزوج نفسه أحيانا يغدو وكأنه الطفل الأكبر لزوجته الذي يحتاج منها رعاية لطيفة وتدليلا ، وهذا يتبدى جليا ضعف شخصية الرجل الياباني في أسرته وعادة هذا ما يكون مبعثا لمشاكل أسرية .. بينما في الوقت نفسه ينتظر من الزوجة أن تكون " سيدة محترمة " توفر حياة هنيئة لأسرتها ..
وهذا الجانب هو الذي يعزز من مكانة المرأة في هذا المجتمع الغريب والمدهش والمتناقض ، وفي السنوات الحالية نرى كيف أن المرأة اليابانية استطاعت أن تخوض عدة تحديات ، وغدت إلى جنب الرجل تمارس دورها في داخل وخارج المجتمع الياباني الذي ينحو في اتجاه تطوري نحو اكتساب قيم ومفاهيم عدة من الآخرين ،فقد أعطى القانون الياباني المدني في عام 1946م المرأة وضعاً مساوياً للرجل في كل مظاهر الحياة على عدة أصعدة ، ولعل من أهمها منح المرأة حق الانتخاب في البرلمان والمجالس المحلية ، وتخصيص مقاعد لهن في مجلس النواب ، ومنهن من ترأس المجالس البلدية والقروية ، وفقاً لمبدأ المساواة بين الجنسين ..
وتجد في الوقت نفسه تجدد قديمها بطريقة لا ينقصها الأصالة ، فالكيمونو اللبس التقليدي للمرأة لم يبق كما هو ، فالمرأة اليابانية اعتنت به بحيث أصبحت أقمشته تجاري ما هو مطروح في الأسواق الحديثة ، ولأن الكيمونو يستدعي من المرأة مبلغا طائلا لتفصيله ؛ فإن بعض النسوة غدون اليوم يرتدينه في أوقات المناسبات فقط ، وأولئك اللاتي يعشن في ترف اجتماعي ..
ويبدو أن المرأة اليابانية متوحدة في سماتها وفرادة خصوصياتها ، ولن تشبه قط أي امرأة في أرجاء العالم ، لا في غرابة وضعها ، ولا في أصالة قيادتها لأسرتها ، ولا في أمومتها المثالية تجاه أفلاذ أكبادها ..
فلا عجب حين تقول إحدى أمثالهم : " إن اليابان جنة الرجل " ..

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( * ) يمكن القراءة بالتفصيل عن هذا الموضوع وغيره عن المجتمع الياباني في كتاب " اليابانيون " تأليف أدوين رايشاور ، ترجمة ليلى الجبالي ، مراجعة شوقي جلال ، عالم المعرفة _ وهي سلسلة ثقافية شهرية تصدرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب في الكويت ، 1978م ..
( * ) رواية " ذهول ورهبة " للروائية البلجيكية أميلي نوتومب ولدت الكاتبة البلجيكية في عام 1967 م في مدينة كوبي اليابانية ، من أب كان يعمل سفيرا لبلجيكا، تنقلت معه بين الصين وروما ونيويورك واليابان ، فاشتاقت إلى مراتع طفولتها اليابانية ، فعادت إليه ، وعملت هناك في وظيفة ، والرواية تشير إلى اسمها الحقيقي ، وهي انطباعات روائية صدرت عام 1999 ونالت عنها جائزة الأكاديمية الفرنسية الكبرى، حيث سردت عن جوانب التناقض السائد عند اليابانيين ، تحكي عن بطلة تعيش في اليابان وترتكب أخطاء كثيرة ، فتقديم الاستقالة في اليابان يعد إهانة للأعراف اليابانية ، وحين تهنئ البطلة رئيس شركتها على بلوغ طفلته سن الثالثة نراه يتذمر لكونها كشفت " عورة عائلة " ...الخ ، الرواية صادرة عن وزارة الثقافة في دمشق ، 2010م ..

هناك 3 تعليقات:

  1. احببت ثرثرة غيومك ... اشبعتني مطرا حلو حقيقي... لامس الم في قلبي يدعى غيرة فتاة... مجرد فتاة تكتب في تلك الزاويه

    ردحذف
  2. hanabi

    شرفتي غيومي بحضورك الألق ،

    كلنا متفرجون ولنا زوايانا الخاصة ،

    دمت بألف خير

    ليلى

    ردحذف
  3. اعمق التعبير ان لا أستطيع أن اعبر ربما ما جعلني انجذب لهذه الموضوع ليس الموضوع بحد ذاته ولكن كيف كتب هاذا الموضوع أحسست بانني أقرأ شعر يجعل القلب الشجي طربا ....أسلوب صادق في التعبير كوجبة شهية لا تستطيع أن تبتعد عنها إلا بأن تأكلها ولا تبقي منا شيء و لو كانت كهاذا الأسلوب لن أنتهي منها إلا بأكل صوابعي معها ولكن المقال أكل عقلي وليس أصابعي شكراً أرجو أن لا تحرمينا من طبخاتك

    ردحذف