الخميس، 12 فبراير، 2015

الحياة بين ضفتين ..!

الحياة بين ضفتين ..!

جريدة الرؤية ..

قرأت من وقت قريب عن رجل وامرأة ، الرجل هو " براين بورني " البالغ من العمر 70 عاما وهو مليونير بريطاني انفق جميع مدخراته لعلاج زوجته " شيرلي " بعد أن شخصت بمرض سرطان الثدي ، وبعد أن شفيت الزوجة تماما من هذا المرض الخطير قام الزوج من شدة فرحته بإنفاق 16 مليون جنيه استرليني لجمعيات سرطان الثدي لكي لا يعاني أحد مثلما عانت زوجته ، فقامت الزوجة حينها بطلب الطلاق منه في عام 2012م بعد زواج دام 30 عاما ؛ بسبب أن الزوج لم يعد يملك المال الكافي لكي تعيش حياة جيدة هي و أطفالها ، أيضا لأن الزوج أصبح يقضي معظم وقته بالاهتمام بالجمعيات الخيرية ..!
" بورني " زوجة المرأة " براين " المليونير السابق يعيش الآن وحيدا مع نفسه في شقة مستأجرة تقع فوق مؤسسة خيرية ، وفي مقابلة معه عبر فيها بأنه لم يكن يريد أبدا انهاء هذا الزواج ..
لا شك أن هذه القصة الواقعية غريبة ومدهشة في آن ، يجمع فيها تناقضات شتى من تضحية ووفاء ، من نكران المعروف ومن السذاجة أيضا ، لعل حتى مشاعرنا كقراء تتفاوت حين نقرأ هذه الحكاية أو حين تحدث أمامنا ، لكن أنا أكيدة أن معظمنا سيتعاطف مع الزوج مهما بلغت درجة سذاجته في التخلي عن كامل ثروته الضخمة في لحظة فرح كانت استثنائية بالنسبة له وهو موقف ينم في الوقت نفسه عن الحب العميق للمرأة التي تزوجها ، وأتوقع أن معظمنا متفق كم أن الزوجة ناكرة للمعروف تجاه زوج ساندها بقوة وعزم حقيقي ، وقلما نرى ذلك في واقع الحياة من الرجال تحديدا ، ولكن في الوقت نفسه ربما أيضا لا نستطيع أن نلومها ؛ فهي امرأة اعتادت على نمط معين من الحياة ، وهي أم أيضا ترغب بحياة مريحة لأطفالها ، لكن معظمنا سينبذ قرارها بالطلاق من زوج أنفق كامل مدخراته من أجل شفائها ، لذا سنظل مندهشين من قرارها المصيري و ربما البعض منها سيميل إلى احتقارها وهو يتساءل بينه وبين نفسه : كيف يمكنها أن تفعل هذا بإنسان كان معها في أحلك لحظات حياتها ..؟!
وانطلاقا من هذا ذهب تفكيري بعيدا ، وصرت أفكر فيما يقترفه داعش من وحشية في حق كثير من البشر ، هؤلاء هم ثلة من الشباب ومعظمهم من الدول العربية ، ما الذي جعلهم ينظمون لداعش ..؟ ما الذي يشعرون به وهم يقطعون رؤوس أشخاص ويعلقونها على أجسادهم ..؟
نحن كمتفرجين على فعالهم العنيفة نظل نتفرج ونتساءل كيف يمكن أن يرتكبوا هذه الوحشية ضد إنسان اختلف معهم في فكرة أو مذهب أو ديانة ..؟ كيف يمكن أن تكون أيديهم مضرجة بدماء ضحايا أبرياء ثم ينامون ليلهم وكأن شيئا لم يحدث بعد حفلة الدم ..؟ كيف يمكن أن يظل بعضهم تحت رايتهم على الرغم من كل ما شاهدوه من عنف وحشي يمارس أمام أعينهم ..؟ كيف لم يقتنعوا أن ما يفعلونه هو شر وأنه لا يمت صلة بالإسلام الذي يدّعونه ..؟!
نحن نفكر ونتساءل ، هذه هي أسئلتنا ، وهي تنم عن نكران لكل ما نراه ونتفرج عليه ونقرأ عنه ، حمامات من الدم ، ومن سبي النساء وكأننا أمام مشاهد تعود لعصور جاهلية ، تلك العصور التي خلت من الاسلام وسماحته ..!
ولكن يبدو أن هؤلاء الدواعش الذين ننكر بكل ما نملك من طاقة إنسانية وضمير حي فعالهم المقيتة ، لابد وأن لهم وجهات نظرهم ، لهم أسبابهم التي يرون أنها مقنعة ؛ كي يستمروا في الطريق نفسه ، وكافية لهم تماما على ما يبدو ليعتقدوا أن بقية الطرق هي دروب تؤدي إلى جهنم ، وتغذيهم بما يكفي من إيمان ليصلوا إلى مرتبة من الإيقان بأنهم حراس الجنة ؛ و جاؤوا كي ينقذوا البشرية الضالة من ألسنة النار ، وكل ذلك قادهم إلى درجة من الاعتقاد بأن الله عزوجل وضع مفاتيح الجنة في أيدي قادتهم ؛ ليخلصوا العالم من ضلالتها ، لذا وجب عليهم الخنوع والطاعة الأبدية لهم بكل ما تمليه عليهم عبودية الجاهلية الأولى ..؟!
هكذا حين تكون الحياة بين ضفتين ، وكل ضفة تدّعي بأنها درب الخلاص ..!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق