الخميس، 15 أكتوبر، 2009

يا طلقة الرحمة ..!



يا طلقة الرحمة ! / يجي بوترامنت *


ترجمة : عدنان المبارك


( غير ممكن ان يلحقوا بي الأذى ). قالها بوكاتسكي حين وصلوا الى المكان. كانوا سبعة عشر شخصا في الزنزانة.
وما قاله ميّزه ، بصورة ما ، عن الآخرين. وهل كان ذلك ما يقصده؟. في كل الأحوال فعل الكثير لكي يزيد من هذا التمايز. مثلا لم يرد الجلوس. كانت الزنزانة مخصصة لسجين واحد. وفي أزمان ما قبل الحرب كان هناك سجينان فيها أحيانا.

أراد الألمان توسيع المكان لذلك رموا السرير والمنضدة والكرسي ، وصار الجالس يشغل حوالي نصف متر مربع.
وهكذا لم يقدر الجميع على الجلوس في آن واحد. حددوا أدوار الجلوس. وعندما أخبروا بوكاتسكي بأن دوره قد حان ، نظر بإستغراب الى القائل ثم الى الأرضية السمنتية الملطخة بوحل الخريف ثم الى بنطاله الجديد ذي اللون الرمادي الغامق ، وهز كتفيه. ( أتركوه ./ قال صوت قرب النافذة / غدا سيرجونا من أجل المكان ).

علت أسارير بوكاتسكي إبتسامة باهتة كانت تعني بلاشك : غدا سأعود الى المدينة. لم يناقشه أحد. كان أول من وقف قرب الباب. وطيلة الوقت كان يرفع ، بجهد، رجليه بالتناوب.( غير ممكن أن يلحقوا بي الأذى ). كررالكلمات بإصرار ، وهذه المرة ، مخاطبا نفسه. وفي الليل أدرك أن كلماته تعني الآن شيئا آخر يختلف عما كان في الليلة الماضية أو عند الدخول الى الزنزانة
أو حين اخذوه. وهكذا كبرت الكلمات. التفتيش ، الإعتقال ، الحبس في السجن. لغاية يوم واحد كان يؤمن بصورة عميقة وجادة أن هذا أمر غير ممكن ، لكن أقنع نفسه الآن بأن هذا الشيء قد حصل. وبهذه الطريقة أنقذ رأيه السابق : غير ممكن أن ... قبيل الفجر إتكأ على الباب. كان الملل قد بلغ عينيه اللتين تقافزت فيهما شرارات دم صغيرة.

لربما غفا. جاءته ، فجأة، رؤية قنبلة ساقطة ودوي وألم. فتح عينيه . وجد نفسه مطروحا على الأرضية ورأسه قد إستند الى الباب الحديديي .فتح الباب قبل أن يستعيد وعيه تماما ، وإلتمع ضوء ثم الألم مرة أخرى. أحدهم ركله مرة ثم اخرى. قفز و قد أعشى الضوء عينيه ، ثم اغلق الباب. جلس هناك مذهولا وليس حانقا. وبدأ يكرر كلماته بصورة آلية ( غير ممكن أن يلحقوا بي الأذى) لكن بصورة أبطأ( هذا إذا كان للأفكار أن تكون بصوت عال و آخر خفيض )، فرفسة الحارس أعطت مضمونا جديدا لهذه الصياغة اللغوية.
بإمكانهم أن يعتقلوه و يلقوه في السجن و يضربوه إلا أن كل هذا لاشيء أزاء أمر واحد كانوا قادرين على أن يفعلوه. لكنهم لم يفعلوه. ولم يذكر إسم هذا الأمر. ومضت أسابيع عدة.

القضية ما زالت عنده بالصورة المذكورة . وهكذا إستمر سقوط بوكاتسكي المحامي المعروف والموظف في قوم يسارية المنطقة ، المواطن الهاديء والمحترم والذي أصبح في أثناء يوم واحد، من دون سبب ، سجينا ومضروبا ومعرّضا للجوع. بالرغم من أن السقوط عميق وعنيف لايزال الرجل واقفا على قدميه . لقد آمن تماما بفكرة عدم المساس بشخصه.

لذلك تحمل الجو الخانق في الزنزانة، والقذارة والطعام الذي تفوح منه رائحة لفافات الأرجل ، والنوم جلوسا وهو يسند الرأس على الركبتين ، والرفسات وضربات الحراس. لقد وافق على حياة السجن الفظة ، حياة القذارة والجوع. ففي هذه الصياغة الكئيبة ثمة كلمة واحدة هي ذات طاقة منيرة ودافئة: الحياة. كانت الأحاديث تجري في الزنزانة وحتى أنه جرت نقاشات ، همسا بالطبع ، وكان هناك إثنان أو ثلاثة عرفوا كيف يمنحوا الهمس لهجة خطب الإجتماعات.

في البدء كانت مادة الحديث ما سينتظرهم . عامل السكك ذو انف كالمنقار وعينين حمراوين قال جازما بأنهم سيعدمون الجميع. الأكثرية إعترضت ، وكانت حججها مضحكة الى هذا الحد وذاك ، ومن نوع : هذا الشيء لم يفعلوه عندنا. اما في وارشو فهذا موضوع آخر. وعلت إبتسامة متجهمة اسارير عامل السكك. بوكاتسكي كرهه. وهو لم يشترك في النقاش لكنه إستمع بإنتباه الى كل ما قيل. لم يفقه عقل رجل القانون السبب في إمتناع الكل عن طرح مثل هذا البرهان القاطع كما يبدو : إنهم لا يلحقون بنا الأذى ولأننا لم نلحق الأذى بأحد. وكان يفكر بعامل السكك من خلال منظار الكراهية.

فهذا الرجل قام بلاشك بفعل يحاسب عليه ، والآن يجلس في زنزانتهم وذنبه يسقط كالسخام على الحاضرين أجمع . معلوم أن الألمان منتقمون. و جاء الوقت الذي أخذت فيه الأحاديث تحتضر ، فالمتناقشون صاروا قليلي الكلام . أما بوكاتسكي فعلى العكس . فقد غدا ذلك الشخص الذي لديه المزيد من القول. و أثناءها حدثت عدة أمور كانت تبدو كأنها لاتمت بصلة الى الحالة الراهنة و الأخرى المقبلة. إلا أن كل واحد شعر بشيء غامض بدأ يكبر ويثير القلق. للوهلة الأولى كانت تلك الأمور تبشر بالخير. ففي منتصف تشرين الأول لوحظ أن الحراس كفوا عن إقتحام الزنزانة وضرب السجناء و إطلاق الشتائم عليهم بسبب ضجة يثيرونها ومهما كانت خافتة. حتى أن عامل السكك قام بتجربة : دوّى صوته المبحوح من كثرة الهمس ، في الزنزانة كلها : تبّا لكل شيء. توجهت الأنظار صوب الباب .

بوكاتسكي القى نظرة مسعورة على العامل ، فهو يقف عند الباب و يتلقى الضربات على الغالب . أما جاره ، وهو موظف صغير في مجلس البلدية فقد حشر نفسه مختبئا بين أجساد السجناء. لكن لم يأت أحد. و ضحك عامل السكك منتصرا. و بعد الضحكة لم يحصل شيء أيضا. وهذه الضحكة جعلت الجميع يجمدون. ولم يعرف السبب.

بعدها بنصف ساعة تفوّه بوكاتسكي الذي لم يتحمل هذا الصمت الطافح بالمضمون المقلق ، قائلا: وماذا بعد؟ . لم يجبه أحد ولم ينظر إليه أي أحد أيضا، حتى عامل السكك لم يبد أيّ رد فعل صريح وساخر كالعادة. بعدها ببضعة أيام إستدعوا الموظف الصغير . عاد بعد ساعة و قبضتا يديه ملمومتان بقوة. أراد ان يخفي إرتعاش الأصابع. ثم جلس بجهد كبير أمام بوكاتسكي الذي كان قد إنتهى دوره في الجلوس. شعر أن يديه أخذتا ترتجفتان أيضا.

إستند الى الجدار بكفيه. ولخمس دقائق بذل جهده لكي يواصل الوقوف بهذه الصورة. إلا أنه خرّ الى الأسفل وهو يدفع من كان واقفا الى جواره. وجد نفسه جالسا جنب الموظف. أزاح برأسه سيقان الواقفين. وإقترب منه. نظر في عينيه. وكان الظلام قد خيّم. و نظر الموظف إليه أيضا. كان أكثر هدوءا وضعفا: / ماذا جرى هناك. لم يجب. كانت نظراته تكشف عن نفور و إمتعاض من هذا السؤال.. غير اللائق. / إنهالوا بالضرب ؟ ومرة اخرى كان النفي صمتا ولايخلو من الإستياء. / إذن مابك؟ مضت عشر دقائق ، ربما ربع ساعة ، حرّك الموظف بعدها رأسه ثم أخرى كما لو أنه قد إستيقظ في هذا الجو الخانق المعتاد وبعد أن إستنشق هناك هواء الأرض النقي. ألقى نظرات واعية وبدأ يهمس : / لا أعرف السبب في إستدعائي. سألوني عن إسمي ومهنتي ثم أمروني بالإنتظار. وبعدها أعادوني الى الزنزانة. / وهذا كل شيء ؟ إذن لم أنت مهموم؟ قد يطلقون سراحك. فأنت لم تفعل شيئا، مثلي والجميع.

جلس الموظف صامتا من جديد. بعد ربع ساعة بدأ الكلام : في الباحة مرّ ألماني. أحد رجال الأس أس. كان يقف مفتوح الساقين وفي يده قرباج يضرب به حذاءه الطويل بلا إكتراث. كان على الموظف الصغير ان يمر بجنبه. إذن نكس رأسه بإنتظار الضربة. / وماذا بعد؟ / لا . لم يضربني . حتى أنه لم يطلق ولو شتيمة واحدة ، حتى...

والظاهر أن هذه ال(حتى ) كانت ذا معنى كبير ومؤثر، فقد سكت مرة أخرى. / حتى أنه إبتسم لي . وفي الأخير نطق بهذه الكلمات. / إذن ماذا تريد ؟ / نطق بوكاتسكي مستغربا / من أيّ شيء أنت خائف؟ تمسّك برباطة الجأش. أعصابك منهكة. ( شفاب ) "1" القى بنظرة إحتقار عليك وها أنك منهار القوى. هز الموظف رأسه بالنفي : / لم يكن إحتقارا البتة بل ودا وإمتنانا. إبتعد بوكاتسكي عنه بصورة غرزية. ففي هذا الحديث كان يجري تحت السطح المفهوم والمنطقي تيار مظلم له منطقه الخاص والمفحم والغريب عن العالم الإعتيادي. بدأ بوكاتسكي يشعر به.

عرف بأنه يفند كل الحجج التي كان يطرحها بمثل هذا العناد في السجن. وبذل جهدا في الدفاع عن نفسه في أن يبقى في دائرة المفاهيم الطبيعية حيث إثنان زائد إثنين تساوي أربعة ، حيث النهار مضيء والليل معتم. قال بصعوبة وهو يكذب على نفسه: / ألماني إنسان. بينهم يوجد مثل هذا ولو نادرا وحتى في الأس اس. فأنا عملت في قوميسارية المنطقة و أعرف ألمانا كثيرين. صحا الموظف تماما . نظر الى بوكاتسكي ثم تكلم. وهذه المرة بصورة طبيعية: / قد تكون محقا إلا أن لدي إنطباعا آخر. نظر إليّ وإبتسم . إبتسامة دافئة وودية. لكن لا ، لا!. أنت قلت : ألماني إنسان. لا. الإنسان لاينظر الى الإنسان بهذه الصورة. كانت نظرته..

لا أعرف كيف كانت. النجّار القديم حين يرى بعد بطالة طويلة قطعا من خشب البلوط يفكر بهذه الصورة : أنشرها و أصقلها و أنجرها. إن قطعة الخشب هذه قريبة من نفسه. كان ينظر إليّ كما لو أنني إذا رجوته للبى الرجاء . كأن يعطيني سيجارة أو خبزا . كان ممتنا لي لأنني كائن و أحيا و أنني موجود هنا... لم يحتمل بوكاتسكي الأمر لأمد أطول. كان التيار الخطر و اللامعقول والمنطقي في لامعقوليته قد قوّض مخبأه الروحي ( غير ممكن ان يلحقوا بي الأذى ). صرخ في البدء لكن سرعان ما أصابه الذعر فإنتقل الى الهمس الشبيه بالفحيح: / هراء. غير ممكن أن يلحقوا بي الأذى. ماذا ؟ هل قاتلناهم ؟ قتلنا أحدا ؟ نسفنا القطارات ؟ حرقنا المستودعات ؟ لم نفعل شيئا ولن يفعلوا شيئا بنا...

نهض بصعوبة ونظر الى الاخرين. كانت رؤوسهم متدلية عدا إثنين أو ثلاثة إختلسوا النظر إليه. لم يأخذوا حججه التي كانت بيّنة ومقنعة تماما. نظر الى عامل السكك. وقطع هذا الوجه المكفهر عليه خطبته فجاة. إختنقت الكلمات في حنجرته ، وبدأ يفكر بدل الكلام. وهكذا إنتقل من صيغة الجمع الى المفرد ( لم أفعل ... ولن يفعلوا بي شيئا...).

ومنذ إنفجر مرات عديدة كلما جاءت إشارات جديدة توميء الى النهاية المقتربة والمحتومة. أطلق خطبا كاملة عن ن أغاظته سلبية السامعين فطفق يتكلم همسا عن الثقافة الألمانية بادئا بإيرازموس الروتردامي إلا أن كلامه لم يؤثر فيهم. في الأساس لم يتوقع هذا الشيء . فقد كان يخاطب نفسه وكان يقينه التام الذي زعزعه مجرى الأحداث بحاجة الى سند متزايد القوة. كان يتشبث بكل سند. هل هناك نفع من ذلك؟. لحد ما . رغم أنه بدأ يفقد تدريجيا ، الإيمان بصيغته السحرية ( غير ممكن أن يلحقوا ...) التي أعانته خلال بضعة أسابيع تالية ، على طرد الأفكار عن الموت والتي تهاجمه من كل الجهات.

و الآخرون جرفتهم هذه الأفكار.. أحدهم صلى طوال اليوم ، و آخر نحب خفية وثالث كان يفكر بصورة محمومة بالهرب أما الأكثرية فكانت تنتظر الخاتمة بقوى خائرة. لم تتوقع أيّ شيء. إلا أن بوكاتسكي بقي ذا طراوة نفسية لحد ما حتى اليوم الأخير. فرائحة الموت التي سرت في نفوس هؤلاء الناس كإفيون ثقيل يجرّدهم من قواهم ، لم تصله بعد. إلا أنها نفاذة أكثر فأكثر كلما إقترب اليوم الأخير. وفي أحد الأيام فتح باب الزنزانة . دخل الحارس وأمر الجميع بالوقوف.

في الممر أمام الزنزانة وقف رجل بلباس مدني. وبصوت ينم عن الضجر سأل هل هناك من يعرف الألمانية. بوكاتسكي إندفع متطوعا, نظر الرجل إليه ببرود و أمره بترجمة بضع كلمات كان معناها بسيطا: كل السجناء إرتكبوا جريمة نكراء ضد السلطة الألمانية إلا أن الشعب الألماني يمنحهم فرصة لغسل الذنوب وهي أن يعملوا لخيره. ومن يظهر الإرادة الحسنة يمكنه توقع الشفقة أما الذي يحاول الهرب أو يظهر ولو أقل قدر من العناد فمصيره الموت.

نطق بوكاتسكي بهذه الكلمات وهو يلقي على الجميع نظرات الإنتصار. إذن رغم كل شيء كان الحق معه. ولم يدرك أن هذه الكلمات تفند أقوى الأسس في حججه(... غير ممكن ...لأنني لم أفعل...). ولم ينتبه الى السبب بل الى النتيجة. إذن الأشغال الشاقة ، السخرة ، المؤبدة. لكن ليس .. ليس ذلك الأمر الذي كان الجميع يفكر به. ومرة أخرى لم يذكر إسم هذا ( الأمر ). اخرجوهم من الزنزانة. مضوا أزواجا عبر ممرات السجن.

كانوا صامتين. الحراس وبنادقهم الرشاشة على بطونهم يدورون في المكان مثل الكلاب حول قطيع الخراف. و أطلقت البوابة صريرها ثم خرجت مجموعات جديدة من الزنزانات الأخرى . وفي الباحة كانت تقف شاحنات كبيرة. كان اليوم باردا. الزنزانات كانت باردة أيضا. زنزانة قديمة عطنة ومتفسخة كما الوحل المخضر. كانوا يتقون البرد بالتراص وتنكيس الرؤوس بين الأكتاف. كل واحد كان يهاجمة البرد بغدر.

وكانت الغيوم المعلقة واطئة ، والضباب وصل الأرض حادا. قطرات ماء صغيرة إستقرت على الوجوه التي نسيت عادة الغسل. بدأت الأسنان تصطك و الأصابع ترتجف. و صعدوا السيارات بصعوبة بالغة عبر قنطرة عالية. حشروا أكثر من اربعين شخصا وقفوا هناك مثل أوراق التبغ المصفوفة ، بإنتظار الرحيل . و الى جنب السائق جلس إثنان من الغستابو و بندقياتهما مصوبتان نحوهم، وآخران جلسا في الخلف بعد أن أزاحا باعقاب السلاح السجناء مترا واحدا. زمجر المحرك وفتحت البوابة ثم غادرت السيارات السجن.

وتلقى بوكاتسكي وهو لايزال منتشيا بالخبر المفرح الذي نقله ذلك الرجل المدني ، بإنفعال أشد ، منظر المدينة. كان يجيل النظر بعيني من تعافى بعد مرض طويل ، وبإحساس مليء بالجد ، في الشارع الرئيسي الذي يعرفه جيدا، فهو يمضي عبر خط مستقيم من الأسفلت صوب الأسفل، بيوت ذات طوابق قليلة العدد، كنيسة الأرثوذكس على اليسار تحيطها أشجار الحور ، والساحة الرئيسية . وهنا شعر برعشة خفيفة. نظر الى اليمين . فعلى اليسار كانت ساحة صغيرة لم يرد النظر إليها . هناك نصب الألمان مشنقة. عبروا الكنيسة الحمراء اللون والمبنية على الطراز الغوطي المقلد ثم الجسر الصغير وخطوط السكك. توقفت السيارة قليلا. احس بوكاتسكي فجأة بأن أحدهم يلكزه بركبته من الخلف.

أراد أن يلتفت إلا أن لكزة أقوى محذرة جاءته. سمع قرب أذنه همسا: / لنهرب . إنهم ينقلونا الى ( بياوا ). حاول أن ينظر الى المتكلم . كان مدهوشا ولم يفهم شيئا. رأى بطرف عينه خدا مجدورا . كان عامل السكك . وسرت رعشة باردة في ظهره ولم يعرف سببها، أهو الجوار مع هذا الإنسان غير اللطيف أم معنى كلماته المبهم لكن القائم. إذن الى ( بياوا ). ثم ماذا؟. ولم يجادله العامل. / إهرب !. همس مرة اخرى بصوت خفيض لم يسمعه بوكاتسكي في الواقع بل شعر به. بعدها أخذ ببطء وحذر ، بضع سنتمترات بعد أخرى، يقترب من مؤخرة السيارة .

تحركت السيارة مستديرة بعنف الى اليمين. ترنح الناس و إضطربت الحركة . عامل السكك صار قرب المؤخرة. وقف لدقيقة يجيل النظر في البيوت الصغيرة و الأخرى البائسة و أشجار الخريف العارية. وفجاة قفز الى الأرض وهو يصرخ / إهربوا ، غنهم ينقلوننا حيث الموت !. ضربت الصرخة السجناء وهم في مخاوفهم و آمالهم. بضعة أشخاص قفزوا الى الأسفل ، و صنع دوي البنادق السريعة بلمعانه الساطع جدارا من نار الى الأمام والخلف، وكان يصفر ويرتجف فاصلا إياهم عن الأرض. سجين ذو شارب تاخر قراره لثانية واحدة حاول القفز إلا أن الطلقات حصدته وتكوّر على الأرض. الأوائل أخذوا يركضون وهم يخفون رؤوسهم. الى اليسار كانت هناك مقبرة صغيرة. وبقفزات كبيرة توّجه عامل السكك صوب سورها ثم إجتازه و إختفى.

وكان شريط من طلقات البنادق السريعة يصفر على شواهد القبور الحجرية. ولم يروه أبدا. ربما كانت النجاة من نصيبه. إستلقى الآخرون في الشارع تحت الأسوار. توقفت الشاحنات الأخرى أيضا. بضعة حراس قفزوا منها و أخذوا يطلقون النار. إمرأة نظرت من نافذة بيت في ركن الشارع . إنهمر الزجاج المطحون.

إختفى الوجه وتساقطت أزهار البيلاركونيوم الهزيلة. و آخر إنسل وقام بقفزة لاتصدق فوق سور عال ثم إختفى . و إستمرت الحال نصف دقيقة. وعلا صفير حاد. عاد الحراس اللاهثون الى السيارات التي واصلت طريقها. وفي الشارع بقيت بضع جثث. و الآن وصل الرعب الى بوكاتسكي . فحين فاجأته النيران قبع على أرضية السيارة. شريط النار الذي أصاب الرجل ذا الشارب مرّ قرب وجهه وخيّل إليه أن الشريط أحرق جانب الوجه. وعندما تحركت السيارة أدرك فجأة بأنه جابه الموت مباشرة. وهذه الفكرة شلته تماما وعجز عن النهوض.

جلس على الأرضية تدفعه أرجل السجناء المترنحين. بدأ يعمل جهاز تفكيره الذي أوقفته الحوادث المفاجئة . ادرك بوكاتسكي العواقب المفزعة لفعلة عامل السكك. الألمان منتقمون. وكان بإمكانهم أن يقتلوا الباقين جزاء هذا الهروب. بإمكانهم؟ كلا. اكيد انهم سيقتلوننا. شعر بأن شفتيه باردتان مثل قطعتي جليد. نهض بصعوبة. و إتسعت حدقتاه ، فمنظر الشارع الرمادي اللون من تشرين الثاني أصبح في عينيه بألوان مكثفة إلى حد لايصدق. توقف تفكيره عند هذا الإستنتاج البسيط. و لم يفكر بأي شيء ولم يشعر بالنفور من عامل السكك ولم يتدارس فرصة النجاة.

وقف ونظر. صار الشارع الموحل المكسو بالضباب ، في وعيه ، الشيء الأجمل والأوحد والأبدي. على اليسار إنتهت البيوت الصغيرة. أسلاك السور الشائكة. وفي العمق مرتفع طيني صغير شديد الإنحدار، يبلغ سفحة بضعة أمتار. هناك مبنى طويل وواطيء ، من الطابوق الأصفر. كذلك كانت هناك بيوت أخرى. وصلوا البوابة. حارس من الغستابو ألقى نظرة عليهم وهو يكشف عن أسنانه. ربما كانت إبتسامة. قرب المبنى وقفت السيارة. أمروهم بالنزول. الطين كان منزّا. وهناك حفرة عميقة ترابها الى جانبها. وكان قد تشبع بالمطر وصار يلتصق بالأرجل.

وقفت هناك ثلاث سيارات أخرى . دفع الحراس الجميع في كتلة واحدة. ومرة اخرى جاء الرجل ذو اللباس المدني. نظر الى بوكاتسكي وامره أن يترجم. ( حاول بضعة مجرمين الهرب. لقيوا حتفهم. هناك شكوك بأنهم كانوا على إتفاق مع الباقين. في الواقع كان من الواجب قتل الجميع إلا أن الرايخ الألماني رحيم). تلعثم بوكاتسكي عند الجمل الأخيرة وسكت لثوان لكن نظرة حانقة من ذلك الرجل أنهت صمته. إذن البقية مصيرها الأشغال الشاقة. لكن قبلها عليهم أن يغتسلوا( أشار بيده الى المبنى الواطيء) و يخلعوا ثيابهم هناك ( وهذه المرة أشار بيده الى مبنى خشبي صغير). بدون حماقات و إلا لايمكن الإعتماد الى حد أكبر على التساهل الألماني. هجم الحراس على الحشد بضربات ماهرة من أعقاب البنادق.

صار شكله مستطيلا كأنه طابور طويل مزدوج. وصدر الأمر بالتوجه الى المبنى الصغير. وجد بوكاتسكي نفسه بجوار الموظف الصغير. مضى سعيدا . فهذه الأرجوحة العنيفة للحياة والموت حرمت ذهنه من كل حالات الوعي الفائق . ولم يعرف إلا شيئا واحدا وهو أنه حي. وهذه العودة الى الحياة جاءت بعودة العادات التي كان قد نسيها قبل بضع دقائق. سار في الوحل. وبصورة تلقائية أخذ يتفاداه لكي لايلطخ حذاءه ، وحتى أنه شعر بالبرد. كان المبنى صغيرا وقذرا.

حشروا فيه حوالي عشرين إنسانا. البقية دفعوها في العمق . أمروا الأوائل بخلع الملابس كلها . غمغم الموظف الصغير بكلمات ما ، ببطء. الناس يخلعون ملابسهم التي تمزقت و إتسخت في السجن . نظر الحارس الى المبنى ، وزمجر فيهم كي يسرعوا. الأحذية التي بقيت في الأقدام بضعة أسابيع خلعوها بصعوبة . كانوا يتأوهون. أحدهم اخذ ينطق بالدعاء بخفوت. سرت الرعدة في بوكاتسكي . ما الذي جرى له ؟ أهي ...؟.

وكان الموظف الصغير أول من خلع الملابس . كتفاه نحيلتان ومحدودبتان ، بطن مجعدة بدون هيئة. كان يرفع رجلية بالتناوب وهو يصرف أسنانه بفعل البرد ، وغطت جسده نقط صغيرة بلون القرمز. كان ينظر نافد الصبر الى الباحة. وفجأة تراجع الى الوراء وهو يصرخ: / إنه هو !. لم يفهم أحد كلامه. فمن هذا ال( هو ) ؟ لكن الكل أدرك ما المقصود. وهو أمر غريب وفظيع اأهم لم يولولوا ولم يبكوا. وقفوا للحظات من دون حراك ينظرون الى الموظف. وبعدها إنحنوا بصمت وفكوا أحذيتهم. خلعوا ملابسهم الداخلية بصعوبة كبيرة. فالإفيون شلهم بصورة مميتة حين كانوا في الزنزانات ولم تكن هناك حاجة الى خطبة الرجل المدني قبل خمس دقائق. من إستطاع ومن قاوم الإفيون قتل أو هرب مع عامل السكك ، عدا بوكاتسكي الذي لم يقاوم الآن، بعد الصدمة الأولى ، فضولا يائسا.

فقد نظر من خلال الباب الى الباحة. ومن صرخة الموظف توقع أن يرى ، ومن يدري كيف هو ، الموت حاملا منجله ، شيطانا ، وحشا ما غير بشري، إلا أنه شعر بخيبة لامعنى لها. ففي الباحة كان يدور الحراس و بضعة ضباط و ذلك الرجل المدني وواحد بلباس الأس أس. كان المدني يعنف الحراس. السبب هو بلاشك عامل السكك. كان يهددهم بالمحاكمة. ثلاثة عسكريين وقفوا أمام الحفرة وهم يتجادلون حول سعتها.

وبدا المشهد في عيني بوكاتسكي عاديا لحد الضجر. إلتفت مغتاظا الى الموظف وسأله بتجهم كما كان الحال حينها في الزنزانة: / من ؟. كان الموظف يقاوم الضعف ثم إرتسمت على وجهه ملامح حادة غير معهودة. فحّ من خلال اسنانه: / ذاك من السجن. هه. ذاك من إبتسم لي . أس اس . لكنني سأريه.. لم يسعف الوقت بوكاتسكي لكي يفهم جلية الأمر. فقد فتح الباب وظهر أحد الحراس. لم يقل شيئا بل أشار بيده : أخرجوا. إحتشدوا عند الباب عراة قذرين ومقرورين لكن العرق يتصبب من وجوههم. مرّت ثانية وأخرى و لا أحد قرر أن يكون أول من يخرج. تدافع من الخلف رجل متقدم في السن يغطي الشعر صدره. الموت المعلق فوق الرؤوس جاءه بشكل غير مألوف من الجرأة. إبتسم وتقدم بشجاعة وأناقة غليظة قائلا : أيها السادة. لقد طال خلافكم .إذا سمحتم .

بحكم السن لي الأولوية. دفع الكل وخرج. سمعوا صراخ الحارس : / هيّا هرولوا!. قفز الثاني. دفعوا بوكاتسكي. رأى الحراس والعسكريين يقفون في صفين متقابلين ينتهيان عند الحفرة وليس عند ( الحمام ). الأول سبقهم ببضع خطوات. قفزوا وراءه وسط صراخ الحراس وتحت ضربات هراواتهم المطاطية. أمام بوكاتسكي ركض الموظف. كانت رجلاه قصيرتين ومن المؤكد أنه لم يركض منذ ثلاثين سنة ولو عشر خطوات. وكان بوكاتسكي يهرول و يتلقى ضربات أكثر. همس بحنق ( إسرع ، إسرع). الرجل الأول وصل الحفرة.

وقف لحظة. دفعه ألماني وسقط فيها. الموظف حث الخطى فجأة ثم صرخ ( مسكتك أنت يا...) دفع الحراس المبهوتين و إخترق الصف متوجها صوب رجل الأس أس الوحيد في هذا المكان. كان هذا يسير بهدوء و البندقية الأوتوماتيكية معلقة على رقبته. وبعد ثانية واحدة كان الموظف الى جانب الأماني الذي أخذ يتلقى الضربات بقبضة معتادة على آلة العد الخشبية. راى بوكاتسكي كيف هجم العسكريون على الموظف . يدير الحراس بنادقهم .

الحفرة كانت عميقة بصورة مرعبة. يقف عند حافتها تلقائيا... يسمع الطلقة الأولى و يقفز. خلال ربع ثانية مخبولة تبدو له الحفرة المفر من الموت. في القعر طين ليّن غير كثيف. غاصت قدماه فوق الكعبين. قوة القفزة تدفع الجذع الى الأمام .يصرخ بوكاتسكي من ألم وحشي مفاجيء. أوتار القدمين المشلولتين تقطعت. ومن أعلى يسقط الآخرون. محنيين . يحلقون وحشرجتهم ذات أصوات عالية . يسقطون في الوحل على بطونهم ، على ظهورهم. واحد يرتطم بجدار الحفرة، يتدحرج و يسقط في القعر بوجه محروث مدمّى. ويزحف بوكاتسكي الى الركن المقابل. أصابه الرعب من أن يسقط احدهم و يهشم وجهه برجليه. من الأعلى يسمع صراخ حاد. دوي قصير الأمد للبندقية الأوتوماتيكية. لا أحد يقفز الآن .

فوق الحفرة يظهر الرجل المدني. يلقي نظرات متفحصة على الهيئات العارية التي تتلوى في الطين المنز. يدير رأسه وينادي . رجل الأس أس يأتي. إنه الآن فاقد الهدوء لحد الضجر بل هو مسعور يشفط الهواء بأنفه وقطرة دم تسيل وتتوقف عند شفته العليا. يشير الرجل المدني قائلا : تفضل!. دورك الآن. يدير رجل الأس أس بند\قيته الأوتوماتيكية ومن بطنه يقذف شريط النار تماما مثلما يرش حارس البيت الشارع بالماء. يرى بوكاتسكي كيف يتقافز ذلك الرجل ذو الصدر المغطى بالشعر. شيء رطب يلطخ وجهه. واحد يصرخ و آخر ينتفض ويتلوى. إذن هو الموت؟ هكذا هو ، بسيط وقذر وعاد. غذن هو الموت ؟. يسيطر عليه الان هلع حيواني. لا يفكر ابدا في هذه اللحظة. لايتصور أيّ شيء. غريزة فظيعة في بساطتها لكنها أخرى غير تلك التي عند الحشرات والأميبيا والزهور من نوع الحيوان ، فهي تأمر جسده الهامد ، تدفعه لكن الى أين ولأي غرض ؟ ومن أين على الغريزة أن تعرف.

و يغطس في الوحل تحت جثث الجيران التي بردت. يرقد هنا ملطخا بالطين الصبخي لاهث الأنفاس ينتظر طلقة ما ، على الفور.. تخترق جلده وتمضي أعمق ، تحرّك القلب ، وتأتي النهاية ، كارثة كونية ما ، غير ممكنة التصور في فظاعتها . لكن تمر ثانية، ثانيتان ، عشر ، اخذ يشعر بالإختناق.

يدير رأسه ويزيل الطين عن فمه ويكرع الهواء الحاد والنتن. ها أن دقيقة قد مرت. لا طلقة هناك. إذن هي النجاة ؟ هناك الآن شكلان للوعي عنده. لاغيرهما. الخوف من موت فوري. وشيء معاكس أيضا. إذن أنقذ نفسه؟. أخذ يصيخ السمع. ماذا يحث فوق؟ نجوم بعيدة حمقاء ، غيوم تشرين الثاني المعلقة على إرتفاع بضع مئات الأمتار ، وحافة الحفرة التي هي بعيدة بخمسة امتار. كل شيء الآن بالنسبة له هو الأعلى. صرخات ما. وعلى خلفية النجوم يبدو وجه رجل الأس أس. بوكاتسكي يغمض عينيه كالخنافس التي أصطيدت و يتظاهر بأنه جثة. صرخات ثم يسقط احدهم. وجبة جديدة تتهاوى.

واحد يسقط عليه. بوكاتسكي يصرخ من الألم. يكتم الصرخة كي لا يلحظوه. مرة اخرى ياتيه تشنج الخوف الفظيع: سيطلقون النار ثانية. يدفن نفسه في الطين تحت الجثث و يغمض عينيه بقوة ، أخذ يصلي : أيها الرب المقدس ، الجبار المقدس ، الخالد المقدس ، مريم المقدسة ، يوسف المقدس . ولايعرف نيّة الدعاء: هل يتوسل من أجل النجاة أم لكي لا يسمع أصوات البنادق. من سقط عليه أخذ ينتفض ويتلوى في تشنجات الإحتضا. شيء حار يسيل على ذراعه. دم . وعاد السكون ثانية. إذن انقذ نفسه مرة أخرى؟. يرفع رأسه وهو غير مصدق حظه الذي هو الأكثر غرابة في العالم !. إذن هو موجود ، إذن يحيا. وفي قعر الحفرة تكدست الجثث.

في كل مكان جثث فوق بعضها بعض. وفي الركن يحشرج محتضر وفقاعات وردية اللون تتقافز من فمه وتنفجر ، وخيطان رفيعان يجريان من زاويتيه على الخدّين. وتدوي الصرخات مرة أخر. ويقفزون. ومرة أخرى سيطلقون النار. بوكاتسكي يصم أذنيه ويختبأ تحت جثث لم تبرد بعد. و يأخذ بالهتاف العالي كما لو أن النجاة لمرتين قد شجعته على ذلك: أيها القديس أنطون ن، أيتها القديسة يادفيغا "2". ولم يرد أن يسمع البنادق الأوتوماتيكية. لم يسمعها. لقد نجا. وتكررت النجاة مرات عدة. ورقدت فوقه طبقة سميكة من جثث المعدومين. شعر بثقلها.

إفتقدت رئتاه المضغوطتان الى الهواء. وكان آمنا تحت الجدار. حينها كتب عليه أن يجرّب أشد عذاب. أدرك بأنه نجا من البندقية الأوتوماتيكية . ليس الأمر صدفة أو أن الطلقات كانت طائشة بل هذا يقين. فطلقة البندقية لا تخترق بضعة أجساد . إن الموتى يدافعون عنه. بدأ ذهنه يعمل حين تخلص من الخوف الحيواني . وماذا بعد ؟. لماذا لم يجنّ ؟ لماذا لم يشل الخوف آليات المخ؟. وعرف ماذا بعد... الموت بقسوته التي يعجز وصفها، الموت حين يدفن حيّا.

رأى مستقبله فجاة. أدرك أن ما كان يخشاه أكثر من غيره أصبح الآن منقذه الوحيد. البندقية الأوتوماتيكية. الطلقة. إستند على يده و أراد رفع جسده. سقط من جديد تحت ثقل الجثث التي تفصله عن النجاة. صرخ ، أنا هنا. أطلقوا النار. وأدرك أن هذا الأمر عبث لاطائل من ورائه. بدأ يتحرك طلبا للخروج ، وكان يلتوى وسط الجثث الزلقة بفعل الوحل والدم.

كانت خائرة لم تنتفخ بعد مما سمح بإزاحتها عن طريقه. وبعد دقائق اخرج راسه وبدأ الصراخ من جديد. كان رجل الأس أس يقف عند حافة الحفرة ، هادئا الآن ، فهجمة الموظف الصغير عليه والتي أثارت أعصابه قد أسكتها بإطلاق النار الإعتيادي. عندما سمع صرخة بوكاتسكي إلتفت ونظر إليه. و بعدها غستدار غير مكترث. مجموعة جديدة . شريط نيران جديدة. أبدل رجل الأس أس الملقم الفارغ في رشاشته بآخر قدّمه له أحد الحراس بكل همّة. نظر مرة أخرى الى بوكاتسكي. وجده لايزال حيّا. رفع حاجبيه بدهشة لا تخلو من الود. وهكذا بدأت اللعبة.

سقطت جثث جديدة و إنطلقت أشرطة جديدة من النيران و أبدل رجل الأس أس الملقم. بوكاتسكي ما زال حيّا. الألماني أبقاه حيّا عن عمد. و غقترب من الحفرة بضعة ألمان أدركوا الموقف بسرعة ولم يبخلوا على رجل الأس أس بإبتسامات المديح و الأقوال. أما بوكاتسكي فقد جن جنونه. وكل بضع دقائق كان يخرج من طبقة جديدة من الجثث والمحتضرين سالما حيّا أكثر من ذي قبل. أدرك بأن الآخر يتسلى. رجاه ، توسل ، صرخ ، أنزل اللعنات. وصلى.

وفي الأخير بدأ الجنون المنقذ يفتح الطريق أمام الوعي. أخذ كلامه يتلعثم. صرخ : أعطني الطلقة !. وصلى: أيها القديس يوسف جئني بالموت!. اخذ ينادي بصوت ليس من هذه الأرض، غير بشري: / يا طلقة الرحمة ! ياطلقة الرحمة!. و أبقاه رجل الأس أس طويلا في العالم. ثم نفد صبره بسبب تعابير الدهشة السوقية التي تعود الى روح الإبتكار والفكاهة لديه ، والتي لمسها حشد الحراس الكبير. إنتفض مستاءا. ولكي يغيظهم أطلق أكثر من دزينة من الرصاص في فم بوكاتسكي الفاغر والذي كان يصرخ من أجل الموت. رغم أن الدوافع لم تكن في تلك اللحظة إنسانية إلا أنها كانت من الناحية الموضوعية رحمة بلاشك . وكرحمة ستذكر لصالحه.

"1" شفاب هو إسم مدينة بافارية يطلقه البولنديون على الألمان بدافع الإحتقار.

"2" قديسة بولندية من القرن الثالث عشر.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* يجي بوترامينت ( 1910 / 1985 )


كاتب و شخصية سياسية معروفة تتمثل حصيلته الأدبية بكثير من المجاميع الشعرية والقصصية والروايات وغيرها. وكان معظم ما كتبه مكرسا لفترة الحرب و الإحتلال النازي. وكان بوترامينت يرى ، وفق منظوره الماركسي ، الإنسان كجزء من عمليات التأريخ الكبرى مما يفسر إعطاءه للطروحات السياسية المكان الأول في تأليفه. فالتاريخ يتكشف في مؤلفاته من خلال السياسة ونزاعاتها ، إنها الساحة الكبرى لما يحققه الإنسان من إنتصارات وما يلحق به من هزائم. و في أدب بوترامينت تكتسب الأفكار شكلا سياسيا ، كذلك يكون التاريخ عملية على الإنسان أن يعرف أسرارها كما الحال مع عناصر الطبيعة. إلا أن التأريخ ليس عملية عشواء بل تتحكم بها قوانين معيّنة يكون التعرف عليها الشرط الأساسي للتوجه الروحي في العالم. وفي عام 1952 نشر بوترامينت روايته الضخمة ( ايلول ) التي تعد بمثابة بانوراما عريضة للمجتمع البولندي الذي فاجأه العدوان الهتلري في الأول من ايلول عام 1939. أما روايته ( ضعيفو الإيمان ) من عام 1967 فقد عكس فيها الصراعات السياسية من فترة ( عبادة الفرد) الستالينية. كذلك نشر مذكراته الضخمة المكونة من ثلاثة كتب بعنوان ( نصف قرن ) و سجّل فيها التبدلات الراديكالية التي مرت بلاده بها في فترة ما بعد الحرب .








ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق