الثلاثاء، 12 مايو، 2015

خسرت كثيرا لأكسب نفسي ..

خسرت كثيرا لأكسب نفسي ..

جريدة الرؤية

منذ فترة لاحظت أن كثير من الأصدقاء ألغوا حساباتهم في تويتر والفيس بوك ، وسأستثني هنا أولئك الذين قاموا بإلغائها رغبة في التفرغ لمشاريعهم الحياتية ولا سبب آخر كما أفصحوا بذلك ، ومعظم هؤلاء يعطلّون حساباتهم لأجل مسمى ثم يعودون حين يفرغون مما انكبّوا عليه خلال فترة غيابهم الاجتماعي ، أما الآخرون أولئك الذين أعلنوا بأنهم ألغوا حساباتهم ؛ بحجة البعد عن الضجة ، أو لأنه عالم لا يناسبهم ويسعى إلى استفزازهم باستمرار ، أو لأنهم شعروا أن أصواتهم لا تصل ، أو لأنها غدت حملا ثقيلا ، وغير ذلك من أسباب متضافرة ذكروا معظمها قبل المغادرة النهائية ..
على الصعيد الشخصي أستطيع أن أعترف بأن مواقفهم من مواقع التواصل الاجتماعية أدهشتني نوعا ما ، وما أدهشني أكثر هي عملية المغادرة و مباعثها ؛ ربما لأنني لست من النمط الذي يغادر أشياءه ، لست من النوع الذي يهجر حساباته أو يقوم بإلغائها ، والأهم هو أنني لا أحب أن أخلف ورائي عوالم ناقصة أو مبتورة أو باهتة أو ساذجة أو ثقيلة ومقرفة وما إلى ذلك و مهما بدت انطباعاتي عنها ، لا أحب أن أغادرها لكونها لا تعجبني أو لأنها لا تتوافق معي ، أو لأنها تزعجني ؛ لأني لو غادرتها مرة بسبب الآخرين ، لو فعلتها مرة فسأعملها مرارا وسأخلّف ورائي عوالم كثيرة على الصعيد الواقعي أيضا بلا تبرير مقنع سوى أن الآخرين والعالم المحيط بي هو مبعث ذلك الانسحاب ؛ فالحياة الواقعية التي نحياها لا تخلو من المنغّصات التي نواجهها في عوالمنا الافتراضية ، وبتعبير " سورين كيركغارد" : " الحياة ليست معضلة يجب حلها ، بل واقع يجب اختباره " ..
وهنا سأستعيد موقفا مررت به وصديقاتي في أول عام لنا في وظيفة التدريس ، فقد جاء قبولي في مدرسة عرفت فيها مديرتها بأنها شريرة بكل معنى الكلمة وقسوتها ، حتى أن صديقاتي منهن من قدمن استقالتهن إلى وظائف أقل وجعا للرأس ، وأقل انسحاقا للروح ، وإرهاقا للفكر ، ولفيف منهن قدمن طلب نقلهن إلى مدارس أخرى ما عداي ، رفضت وقتها تماما رغم الظروف السيئة المحيطة بي فكرة الهروب والتراجع وأنا التي توقن دائما بأن العالم لن يكون مثلما نريد نحن ، هذا واقع علينا أن نقبل به ، وكانت أمامي تحديات هائلة ، وصعوبات جمة ، في الوقت نفسه كنت مصرة على الاستمرار مهما بلغت حدة الظروف وتمادت نرفزتها ..
و حدث تماما ما توقعته ، ما يحدث غالبا في أكثر المرات إن لم يكن دائما ، ما حدث أن مديرة المدرسة صارت تعي بأنني لست كائنا هشا مثل الباقيات وأن أسلوبها غير التربوي في التعامل هو الذي بدا هشا أمام صمودي الذي قبل بمبدأ التحدي ..
بعد أعوام قليلة المديرة نفسها تعلمت أن تحترم نفسها قبل أن تحترم غيرها ، والأهم أن وجودي على حد – اعترافها – الشخصي ساهم بشكل كبير في تبديل نظرتها للحياة الإدارية ، وفي أسلوب تعاطيها مع الآخرين والعالم ، جعلها تفكر مليا وبحكمة أكبر بأن الحياة من الممكن جدا أن تكون أخف عبئا بابتسامة نابعة من القلب وكلمة لطيفة ..
يحدث كثيرا كثيرا ، يحدث دائما أن نؤثر في الآخرين دون أن نعلم ، أن نكون مفيدين دون أن يخبرنا أحد بذلك ، وليس من الضروري أن نعلم ذلك ، لكن علينا أن نمنح أنفسنا فرصة ، فرصة نستحقها ، فرصة تكسبنا أنفسنا ، فرصة تجعلنا نعدد خسارات الحياة ونستعيد أعباءها على هيئة مواقف مضت في حال سبيلها ومدت أرواحنا في المقابل حزما من التفاعل والأمل و المحبة والسلام والصداقة ، كما قال الشاعر " إبراهيم نصر الله " : " خسرت كثيرا لأكسب نفسي ، ظلالي مملوءة بالأمل ، وقلبي لما يزل بعده ، أخضر " ..
فرصة جعلتنا نقلّص ولو عدوا واحدا من سجل حياتنا الشخصية ونحوّله إلى صديق أو منافس شريف ، فرصة تجعلنا نسقط أقنعة الخوف والرهبة والنفاق والخديعة والغدر والخيانة لتغدو الحقيقة وحدها ، حقيقتنا هي من تقودنا بصمود وبموجبها نتعاطى مع العالم بأسلوبنا النقي وإن نبذنا أسلوبهم ، فالزمن وحده كفيل بكل شيء ..

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق