الثلاثاء، 21 أبريل، 2015

فتنة الكتب الأكثر مبيعا ..!

فتنة الكتب الأكثر مبيعا ..!

اعترف أسطورة الإذاعة الأمريكي والذي عدّ عملاقا خلاقا من العصر الذهبي للإذاعة وكاتبا ومنتجا للمرئيات والمسموعات  " نورمان كوروين " قائلا : " لا اقرأ للكتّاب أصحاب الأكثر مبيعا ، لا أثق بهم " ..!
أجدني أضم صوتي لصوته و أعترف بأنني لا اقرأ لأصحاب الكتب الأكثر مبيعا على الأقل في عالمنا العربي وهي تهمة أرفعها عن قوائم الكتب الغربية ؛ فمعايير الغربيين في اختيار أكثر الكتب مبيعا لا يمكن أن تكون شبيهة في دقتها وفي جديتها معايير دور النشر العربية ، لذا معظم الكتب الأكثر مبيعا في قوائم الإصدارات العالمية لم تخذلني قط كقارئة على الرغم من أني كنت اقرأها بلغة وسيطة وكنت أضع كامل ثقتي في المترجم العربي رغم علمي بأن " الترجمة خيانة " كما يعترف بذلك أصحاب هذا الاختصاص ، وعلى الرغم من اللغة الوسيطة التي كنت أتفاعل بها مع الكتاب المترجم غير أنها كانت تفيض بالجمال ، المتعة ، الفائدة ، ودهشة التلقي لهذا الكتاب الغربي الأكثر مبيعا في العالم ..
ولكن الأمر يختلف تماما ويكاد يكون محبطا للغاية حين تقرأ كتابا من ضمن أكثر الكتب مبيعا كما يروج بعض دور نشر عربية ، وهي تستعرض تلك القائمة في واجهة الصفحات الثقافية لبعض الصحف ، وفي أثناء كل معرض كتاب عربي ، وغالبا تكون الأسماء نفسها مكررة مع كل كتاب يقومون بإصداره ، وهم يدركون جيدا أن القارئ الذي لا يقرأ سوى قوائم أكثر الكتب مبيعا سينساق كما تنساق الماشية إلى أقفاصها وراء تلك القائمة بفرح ساذج ، ويجدها مناسبة جيدة ليستعرض عضلاته القرائية ، حين يقوم بنشر صورة غلاف الكتاب الأكثر مبيعا في الانستغرام ، ويتسابق المراهقون والمراهقات في ذلك بعد تفشي موضة تصوير أغلفة الكتب ، في الوقت نفسه يفرح الناشر الفرح الساذج ذاته فخزينته وحده ستفيض بالمال ، بينما الكاتب المسكين لا يهمه من هذه الصفقة سوى أن يكون من ضمن قائمة الأكثر كتب مبيعا في كل معرض كتاب ، وفي كل مناسبة ثقافية ، أما مسألة قراءة محتوى الكتاب فهي غالبا خارج اهتمام كل من الناشر و القارئ و الكاتب أيضا ، وهذا أمر سائد في مجتمعاتنا العربية التي أصبحت تقيّم الكتب من ازدحام حفلات توقيع الكتاب لكاتب ما ، ومن تفشي صور غلاف الكتاب في مواقع التواصل الاجتماعية والانستغرام ..!
وعادة أكثر الكتب مبيعا حقا في العالم العربي هي الكتب التي افتضحت بأنها جنسية وهذا لوحده دافع كاف لتحقيق مبيعات هائلة تعود لخزانة دور النشر طبعا ، أو الكتاب الذي فاز بجائزة مشهورة وهذا دافع ممتاز لمن لا يقرأ سوى الكتب الحائزة على جوائز ؛ لذا فإن قوائم أكثر الكتب مبيعا في عالمنا العربي لا تحتاج سوى لناشر تاجر لديه ملصقات كافية لعبارة أكثر الكتب مبيعا يلصقها على الكتاب على سبيل الإغراء التجاري فيجد اقبالا كبيرا عند جمهرة من قراء لا يقرأون سوى الكتب التي تكون عليها ملصق أكثر الكتب مبيعا ، هذه الوسيلة نفسها أصبحت بعض دور النشر العريقة مضطرة باتباعها على كل كتاب فاز بجائزة عربية أو رشح لجائزة عربية بملصق حائز على جائزة أو رشح لجائزة لزيادة كميات الإقبال عليها  ..
مما لا شك فيه ثمة كتب عربية تستحق لكي تكون ضمن قوائم أكثر الكتب مبيعا ولكنها لا تجد طريقها إلى القائمة ، ربما لأنها لا تثير الرافعات الإعلامية التي تفتش عن كل ما يفرقعها ، في الوقت نفسه هناك كتب ضمن قوائم أكثر الكتب مبيعا وتستحق مكانتها بجدارة إبداعية غير أن خلط الحابل بالنابل جعل الأمر ملتبسا على القارئ الجاد و ظلم هذه الفئة في صدارتها تلك ..!
قال مرة ناشر أمريكي : " أسوأ قارئ هو الذي يشتري الكتاب لأن الآخرين قد تحدثوا عنه ولكن للأسف فهذا القارئ هو رأسمال دور النشر في العالم " ..
لكن الطامة الكبرى من – وجهة نظري - حين يلهث بعض النقاد إلى كتب الدعايات الإعلامية ، وحين يكون جل اهتمامهم الكتب التي حازت على جوائز ، ويستثنونها بالدراسات والتحليلات النقدية في سباق لاهث بين هؤلاء النقاد ، فتظهر مئات الدراسات النقدية حول الكتاب نفسه ، في حين هناك آلاف من الكتب العربية بغض النظر عن جودتها أو رداءتها على رفوف الانتظار تترقب فرصتها النقدية من نقاد متخصصين ، فإذا كان هذا حال بعض النقاد في عالمنا العربي فكيف سيكون إذن حال القراء ..؟!
بمن ستثق أيها القارئ .. ؟
أنا شخصيا ومنذ أعوام القراءة الأولى لم أكن أثق سوى بحدسي ، حدسي الذي قادني دائما وحتى هذه اللحظة إلى أروع الكتب عربية كانت أم أجنبية ولم يسبق أن خذلني حدسي بالقدر التي خذلتني بها قوائم الكتب الأكثر مبيعا عربيا ..
أيها القارئ ، يا من تريد أن تتشبع بالقراءة وهي تقودك بحب إلى عوالمها السحرية لا تملك سوى أن تثق بحدسك الذي يرتقي في كل مرة ليلائم ذوقك وفكرك القرائي ، الحدس نفسه الذي سيلتقي مع قراء آخرين في طريق القراءة ، قراء مكتشفين عن كنوز الكتب وأكثرها روعة وجمالا ودهشة وفيضا فكريا ..
 القراء المكتشفون ما أنبلهم في زمن غاب فيه الناقد المكتشف ليحل محله الناقد التابع ، وهذا ربما من حسن حظ الكتب ..!

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق