الثلاثاء، 20 مايو، 2014

حين يكون الموت مسلما أو مسيحيا أو يهوديا ..!

حين يكون الموت مسلما أو مسيحيا أو يهوديا ..!

جريدة الرؤية

في الأسبوع نفسه قرأت ثلاث روايات تتفاوت في عدد صفحاتها ومواضيعها ، كانت الرواية الأولى وهي أقصرها رواية " حي الأميركان " للروائي اللبناني " جبور الدويهي " بينما الرواية الثانية وكانت أطولها رواية " حنّه وميخائيل " للروائي اليهودي " عاموس عوز " بينما الرواية الثالثة كانت تقارب رواية " حي الأميركان " من حيث عدد صفحاتها تقريبا وهي رواية " يا مريم " للروائي العراقي " سنان أنطون " ..
ما هزني في هذه الروايات الثلاث هي حالات الموت ، ثلاث شخوص تعرضوا للموت وطريقة موتهم تتفاوت وتتباين من وطن إلى آخر ؛ ففي رواية " حي الأميركان " تشيع شائعة موت " إسماعيل " وهو شاب لبناني من المذهب السني ملاحق من السلطات لأنه ينتمي إلى تنظيم ميليشي ، بينما في رواية " حنّه وميخائيل " لــــ" عاموس عوز " فإن الذي يموت في الرواية هو " يحزقائيل " والد البطل " ميخائيل " يحزقائيل اليهودي الذي يعيش في إحدى مدن فلسطين الساحلية ويموت موتا طبيعيا ، طبيعيا تماما في زمن يموت فيه معظم الناس في العالم من حوله موتا مدبرا ، موتا انتقاميا ، متفشيا ، انتحاريا ..!
أما في رواية " يا مريم " فإن الميت هو البطل " يوسف " المسيحي الذي يذهب ضحية مداهمة لمسلمين انتحاريين لكنيسة كان " يوسف " يؤدي صلاة قداسة في روح أخته الكبرى المدعوة " حنّه " التي كانت في مقام الأم بعد رحيل أمهم في وقت مبكر من حياتهم ..!
لست أبالغ حين – أعترف – بأنني تأثرت لموت كل من " إسماعيل " و" يحزقائيل " و" يوسف " ولا أبالغ بأنني تأثرت أكثر لموت " يوسف " المسيحي ، الإنسان الطيب ، نقي القلب ، الذي ذهب ضحية انفجار انتحاري لمتطرفين مسلمين ، الذي ظل يقنع قريبته " مها " بأن بغداد طالما شهدت عصورا زاهية بلا ما يسمى طائفية ، في زمن عاش فيه كل من المسلم باختلاف مذاهبه والمسيحي في ودّ وسلام ، وأن هذا الفكر المتسامح ما يزال له وجود في العراق ، ولا يمكن أن يقوموا بإيذائهم لأنهم أقلية ، بينما ظلت " مها " تخالف حسن نيته بأنه رجل يعيش في الماضي ، ذاك الماضي الذي أصبح لا وجود له في خارطة العالم العربي اليوم ولا في وطن كالعراق التي وقعت كضحية في فم وحش الطائفية ، وكرة تتقاذفها في ملاعبهم كل من إيران وأمريكا بعد سقوط حكم صدام حسين ، العراق التي دفعت من روحها أثمانا باهظة وما تزال تقطع من روحها  ..!
ولا أنكر بأن موت " يحزقائيل " اليهودي الذي سقط على حين فجأة مغشيا عليه بالقرب من مواقف الحافلات في المنطقة التي يعيش فيها ، تلك السقطة التي أخذت روحه ، كان موته فجائيا ومتوقعا لمن هو في مثل سنه ، كان موته حزينا أيضا ؛ لأن الروائي " عاموس عوز " نجح في رسم شخصية بملامح طيبة لهذا الرجل المدعو " يحزقائيل " الذي كان أبا فاضلا لابنه بعد وفاة زوجته و" ميخائيل " في الثالثة من عمره ، ذاك الوفاء العظيم والعطاء الكبير حتى أصبح " ميخائيل " حامل شهادة دكتوراه في الجيولوجيا كما حلم والده المكافح تماما ..!
لكنني لم أتألم بالقدر نفسه لموت " إسماعيل " الشاب اللبناني الذي أنضم لميليشيا تقتل الأبرياء لمجرد أنهم ليسوا من المذهب أو الفكر أو التوجه نفسه .. لم أتوجع لموته ولكنني توجعت بشدة على ضياع شبابه وعلى فكره المتطرف وعلى روحه الإنسانية التي سقطت في فخ العنف والإرهاب باسم الإسلام ، في الوقت نفسه انقلب حزني فرحا حين تراجع " إسماعيل " عن تنفيذ مهمة القتل وكأنه أنقذ روحي من موت وشيك ..!
" إسماعيل " الشاب الذي كان يخطط لمهمة انتحارية في حافلة تحمل أناسا أبرياء ؛ لأن زعماؤه طلبوا منه ذلك بتسويغات دينية ولكن طفل نسف بكل ما خططه ، طفل كان يشبه أخيه الصغير ، ويدرك كم كان ساذجا حين قبل أن يكون متفجرة ..!
في الموت لا يمكن أن تتعاطف سوى مع الضحية ، سواء أكان هذا الضحية من دينك أو لم يكن من دينك ، سواء أكان من جنسك أو لغتك أو قبيلتك أو لم يكن ، في الموت يحدث جدا أن تتعاطف مع عدوك الذي تبغضه لمجرد أنه تعرض لمؤامرة موت من قبل فرد أو جماعة فاستحال من عدو إلى ضحية ..!
في الموت لا يمكن أن أتعاطف مع قاتل من جنسي ، وديني ، ومذهبي ، وملتي ، وقبيلتي ، وحزبي ، وجماعتي ، مهما غدت مبرراته ، ومهما راكم من حجج باسم الله ، وباسم الدين ، سيظل قاتلا وسيظل الآخر مهما اقترف في مقام الضحية ..!
لا يمكن لإنسانية أن تتعاطف مع قاتل سواء كان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا ، لكنها ستتعاطف مع الضحية سواء أكان مسلما أو مسيحيا أو يهوديا ، تلك الإنسانية الحقة ، والعادلة ، إنسانية الإنسان ...

ليلى البلوشي

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق